15 July,2020

غسان الرحباني على وقع أغنيته الجديدة "معك ما معك": إنها حال الناس أمام المصارف، وقد يكون ما يجري مؤامرة كبيرة على البلد!

بقلم عبير أنطون

غسان الرحباني: الحفلات ستعود ولو بعد حين

  قد “تنطوش” وأنت في لبنان من كثرة ما تسمع من ضجيج من كل صوب. الضجيج بمعناه المعروف خفت مع جائحة الـ”كوفيد 19″، لكنه لعلع على الشاشات ومواقع التواصل مع سيل الانتقادات والآراء. هذا مع، وهذا ضد. هذا يطبّل عن انجازات ودفاع عن حقوق، وذاك يزمر معترضاً على السياسات والخطط .أحياناً تفهم، وأحياناً كثيرة لا تفهم، أو لا يتاح لك ذلك من شدة تعقيدات الوضع وتداخلاته. ووسط كل ذلك، يأتيك ببساطة شديدة ما تصفق له كمثل أغنية غسان الرحباني “معك ما معك”، البسيطة الخفيفة النظيفة التي  تختصر بمهنية عالية كلمات وألحاناً وصورة كل الوضع، فتعكس لك واقع الحال.

 ليست المرة الأولى التي يدخل فيها غسان ميدان الأغاني الاجتماعية الانتقادية الساخرة، فهذا ملعبه منذ زمن طويل، يتناسب وشخصيته الجادة والطريفة في آن، والصادقة في كل الأوان.  أغنياته هذه منذ التسعينات، تصلح إن أنت سلسلتها، أن تشكّل محطات تعكس ما يعيشه لبنان الحديث، ولو أردنا الذهاب أكثر، لوجدنا بين حناياها ما  يشكل إخباراً للنيابة العامة ذلك أن المواضيع المثارة فيها، يمكن أن تكون نقاط انطلاق بحث وتحر ودخول أكثر في الكواليس .

 الأغنية الجديدة، بعد أخت لها عن التعبئة العامة بعنوان “لوكداون” الى متاهات السياسة والبيئة والـ”كورونا ” دخلت في  صلب لقاء “الأفكار” مع غسان الذي، وقبل أن نباشر في أسئلتنا معه، عدنا قليلاً الى فرقة الـ”فور كاتس” التي أسسها، واستعاد تلفزيون “المستقبل” حلقة عنها الأسبوع الماضي، فأشار غسان الى حنين جميل لتلك الفترة وسألناه اولاً:

– كيف ولدت اغنية “معك ما معك” التي تحكي عن وجع الناس على أبواب المصارف؟

 كما في كل أغنية انتقادية تولد جراء معاناة ما كانت الأغنية، وهي معاناة حالية واضحة، وتواجهني شخصياً كما كل الناس. كنت جالساً في المكتب فخطرت ببالي وهي طبعاً نتيجة تراكم المشكلة من يوم الى أسبوع وشهر. كل انسان عبّر عنها بطريقته، وبما أنني أعبر  بالموسيقى كانت “معك ما معك”. أردد دائماً أنني مع الأغنية التي أشعر شخصياً بأنه يجب أن أقدمها وليس ما يطلبه الناس، ويصادف غالباً، أنني والناس على الموجة عينها.

– لك مجموعة من الأغاني عن البلد وأحواله .. طريق المطار .. يا معالي الوزير ..

يقاطعني ليقول :

لقد بدأتها في آخر العام 1990 بأغنية “فيتامين” التي شكلت الانطلاقة، ومن بعدها جاءت “ممنوع” وكرت المسبحة..

– وهل جاءت بنتيجة؟ هل شعرت أنها أزكت عند الناس الشعور بوجوب الانتفاض ؟

  بيئياً، نعم أتت بنتيجة كأغنية “اذا زعجك شيلو” و”نقلكن نحنا مين”، وحتى أغنية “صارت سنة 2000” تضمنت كلاماً عن البيئة، وفي إحدى الفترات صدر قانون عن وزارة البيئة منعت فيها الكسارات في الجبال الخضراء وتم نقلها الى الجبال القحلاء مع بقاء بعض الخروقات إلا أننا فتحنا العين عليها، وأقفلنا العديد من المقالع في سلسلة جبل لبنان. وأحياناً مشكورين، كان بعض وزراء البيئة يقفون الى جانبي، وأنا والجمعيات التي كنا على تعاون معها، وقد أقفلنا مكباً كبيراً للنفايات بين عيون السيمان وطريق بعلبك، في الجرود بعد فاريا، كانت مساحته تمتد على آلاف الأمتار بعد أن كانت ثلاث بلديات، لن أعيد ذكر اسمها حتى لا تغضب من جديد، ترمي نفاياتها فيه.

ويزيد غسان:

 البيئة نقطة ضعفي، لا أستطيع أن أسكت أو أغض الطرف في ما يتعلق بها.

– نأمل أن لا تعود أزمة النفايات من جديد..

 أتمنى أن تطرح الحلول المناسبة. أحياناً يحاول البعض العمل، وتكون النية موجودة، ويعرقلونه لأسباب سياسية أو غيرها. بعض الأمور تحتاج وقتاً. وفي كل حال أنا ضد سياسة التجريح. في أغنية “معك ما معك” أوصلت الرسالة من دون أن أجرح .لا قدح ولا ذم فيها، وهذا الصعب في العمل. الشتيمة سهلة وباتت تمر على الميكرو، ولا رقابة على الـ”يو تيوب”، ولا رقابة حتى ذاتية أحياناً وهذا أرفضه. ليس سهلاً أن تدخلي  قلوب الناس وتشعرين أنك تكلمت بلسانهم، فشيت خلقهم من دون أن أطال أحداً .

– هذه ميزة الرحابنة بكل الأحوال، فهم  لن ينزلوا الى هذا الدرك. في “معك ما معك” انقلب  المثل اللبناني “خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود” رأساً على عقب بفعل ما نعيشه. عندك أمل بعد بهذا البلد؟

 إذا ما  قطعت الأمل بلبنان، لا أعود قادراً على العيش فيه. شعلة الأمل تولد مع الانسان في جيناته وهي تبقيه على قيد الحياة والتطلع دائماً صوب غد أفضل. وحده الأمل يجعل الناس تستمر.

– لكننا على هذا الوضع منذ سنوات. اليوم أصبحنا في ذل، ولا هذا هو وجه لبنان..

 قضينا حياتنا في حروب وأزمات وتوترات، وبقي القطاع المصرفي صامداً. لما وجدوا ذلك، وأن لبنان لا ينكسر ولا ينتهي أرادوا معاملته بهذه الطريقة. لنقرأ ما وراء الأخبار وما بين السطور. 40 سنة ولبنان لا يخضع لمخطط عالمي ما، وجدوا أن الطريق الى ذلك قد يكون عبر المصارف التي هي ركيزة لبنان. هناك اليوم على الساحة اللبنانية رأيان أو اتجاهان : الأول يقول إننا وصلنا الى هذا الدرك لأن لبنان مفلس فعلاً، والثاني يقول لا، أوصلوه الى هذا الدرك لخطط يرسمونها له.

– وأنت من أي رأي؟

لا أعرف، عندي ضياع ، والأمور مبهمة.

– ما موقفك مما قام به الفنان محمد اسكندر في أحد المصارف في انطلياس ؟

حقيقة، لم أواكب ما حصل . كنت أنوي الاتصال بمحمد للوقوف عند حقيقة ما جرى فعلاً.

– ما عرفناه أنهم في المصرف لم يعطوه ماله فشهر مسدسه.

 لا أعرف ظروفه، أو ما الذي استفزه.

– مهما كانت الظروف، ألست ضد العنف أو حتى استعمال أدواته ؟

 أنا ضد العنف إلا أنني لست ديمقراطياً. أنا أحب الديكتاتورية. الديكتاتورية العادلة. وهناك مثل حي، الشيخ محمد في دبي. هو ديكتاتوري عادل، و” ما حدا زعلان”. الديمقراطية شرّعت الكذب. إنسان يكون حاقداً على غيره، “ما بيطيق يشوفو” لكنه مضطر، لأنه في مجلس نواب ديمقراطي، أن يسلم عليه ويبتسم له وهو في داخله يدعو عليه. ضحكات  صفراوية وكذب. عودونا على الكذب لذلك نحن نكذب كثيراً.

– ما رأيك بالصيغ المطروحة من الفيديرالية الى إعادة النظر بالصيغة أو المثالثة..هل تخيفك أو أنها جميعها بالونات اختبار وزكزكة ببعض؟

لا أريد أن أدخل في السياسة الآن .

– ألا تفكر بالعودة الى ميدانها، وكنت ترشحت عن الانتخابات النيابية في العام 2009؟

 لا هي تجربة قمت بها ولن أعيد الكرّة. “ما بقى إعملا”، حتى ولو مع انتخابات جديدة.

– يعني أنك يئست؟ استسلمت ؟

 السياسة وسخة، وتجعلك بلا صاحب. أنا إنسان لا يمكنني أن أكذب. أنا فنان، ولا يمكنني أن أكون بوجهين كالكثيرين من أهل السياسة. لذلك ندمت وأشعر بأنني أخطأت في دخول هذه المعركة “مش عارف الجو داخلها”.

– بعد 20 عاماً على أغنية صارت الـ2000. كيف تصف الوضع ؟

 لبنان بموقع جغرافي صعب بين سوريا وفلسطين المحتلة. مشاكلنا كبيرة. في أغنية سنة الـ2000 هناك مقطع أقول فيه: صارت سنة الـ2000 وراح الاحتلال، ورجعنا عالبيت وريّحنا هالبال..ولكنني أكمل لأقول: “يا دلي ويا تعتيري عالأخوة بالبيت”. “التوك فينا” لذلك نحن أهل للمخططات الغريبة أن تفتك بنا، ونحن مهيئون لذلك. لا لعبة دولية يمكنها أن تلعب لعبتها في بلد ما، إذا لم يكن شعبه أرضاً خصبة لها .

ويضيف غسان:

 كما سبق وقلت، لا خيار لي إلا أن أعيش وأموت في لبنان. أنا أسست هنا وعشت هنا وأولادي يكبرون هنا. أين أذهب؟ ثم إن العالم اليوم ومن بعد “كورونا”، ربما اصبحت الدول التي كنا نقول يمكننا أن تقصدها ونعيش فيها مرتاحين ربما صار واقعها اسوأ من لبنان بعد الجائحة. يجب أن نهدأ ونتروى حتى نرى ما الذي سيجري. ربما القوى العظمى التي نعرفها تضحى تابعة. لننتظر ما الذي سيرسو عليه العالم .

إلياس ..

– افتتحت أكاديمية “الياس الرحباني” للموسيقى. هل تفتح أبوابها مع الجائحة؟

 أوقفنا الدروس، وقمنا بمجموعة منها عبر الـ”أونلاين” بكمية ضئيلة حتى يتمرن الطلاب ولا ينسوا ما تعلموه، وسنعاود فتح أبوابنا هذا الشهر .

– هل تعتبره المشروع الأنجح، وقد افتتحتم له فروعاً في مناطق مختلفة؟

 طبعاً. ولي الفخر بأن تكون باسم الوالد الياس الرحباني. اسم والدي لا ألعب به. هو الأهم في حياتي. بوجود الياس الرحباني يضحي اسمي ثانوياً.

– كيف حاله أستاذ الياس؟

 كتير منيح.

 – وبناتك الثلاث. هل بينهن من تنم عن موهبة موسيقية بارزة أو تحب الغناء؟

 الثلاث يتعلمن العزف. الآن توقفن قليلاً، وهن قويات بما يعزفنه، الاولى على البيانو، الثانية اختارت الفوكاليز، والثالثة الـ”درامز”. الثلاث يتمتعن بموهبة الرقص وهنّ ملفتات فيها خاصة لناحية الايقاع وكأن الواحدة منهن ظل للأخرى، كأنهن شخص واحد.

 – هل سيتأخر عالم الفن للنهوض من جديد؟

 العطاء لا ينضب، لا يتوقف. أنا مثلاً في ظل التعبئة العامة قدمت “أغنية “لوكداون” وأعدت بكلمات جديدة أغنية “اشتغل وما تقبض يا حبوب” والآن “معك ما معك”. الالهام لا يعيقه سبب. المسرح والحفلات والمهرجانات ستتأخر لأن لا ثقة بأن تجلس الناس بعضها جنباً الى جنب بعض إذ قد يسبب ذلك وباءً كبيراً.

– هل ستتخذ الحفلات والمهرجانات شكلاً جديداً عبر “أونلاين” ومواقع التواصل ؟

 بالنسبة للحفلات المباشرة لا بديل عنها. الحفلات “أونلاين” لا احبذها، بغالبيتها تجارة وكذب. التفاعل هو الأساس وأن لا يكون بين الفنان سوى الهواء، الريح، وهذا ما  يعطي الدفع الأكبر والجو الجميل. شخصياً لا تروق لي حفلات “الأونلاين” ولو هناك مئة ألف يشاهدونني.  الحفلات والمهرجانات ستعود ولو تطلبت وقتاً.

– هل أوحى لك “الكورونا” بأي عمل مسرحي؟

 لا أبداً.

ويضيف غسان:

 “الكورونا” مخطط  كتير “مجوي” لن أدخل فيه الآن.

– تعتبر أن المؤامرة ممكنة فيه؟

ليس ممكنة، بل أكيد هو كذلك.

– والهدف؟

 إذا نظرنا سطحياً للأمور نقول إن الهدف الأول تجاري. بيع الكمامات والمعقمات..الخ. فقد شكلت هذه صفقة العصر. والآن يتحدثون عن لقاح..وأنا لا أقوم به ولو “بدي موت”.

– هذا أيضاً موقف العديد من الفنانين بينهم إليسا وكارول سماحة.

 لا أعرف مواقف الآخرين منه ،إلا أنني لا يمكن أن أحقن بما أجهله.

– هل تتخذ احتياطات “متطرفة” خوفاً من العدوى؟

 أنا بالحياة إجمالاً “موسوس” ولكن ليس الى درجة مرضية إلا أنني أهتم جداً بالنظافة وأقول لبناتي: النظافة من الإيمان، لا بل هي قبله حتى، وأحب التنظيم والترتيب .

– وهل من جانب إيجابي لمسته من مفاعيل “كورونا” ؟

  الأوزون طبعاً و”ركلجة” البيئة. إرتاحت الطبيعة من الانسان الذي أعاث فيها فساداً. الطبيعة والحيوانات نحن ضيوف عليهم فيها، وبثقل دم خرّبنا عليهم. على صعيد شخصي، الجائحة جعلتني أقترب جداً من العائلة خاصة أننا نعيش بين الورود والجلول والروائح العطرة ونمشي سوياً، فنمضي وقتاً جميلاً أسمّيه الـ”ماجيك تايم”، لم أكن منتبهاً له، لدرجة أنني، ولوعاد العمل الى وتيرته المعتادة سأتركه في وقت أبكر لأبقى على عادة المشي هذه.

– هل كان تصوير الكليب صعباً لـ”معك ما معك” في ظل التحذيرات والاحتياطات ؟

 بقينا على المسافة الآمنة الواحد من الآخر وتنفيذه لم يكن صعباً إذ إن فكرته سهلة. أغاني الحب تجعل الفنان يحتار. مع الأغاني الانتقادية تصل الفكرة بصورة بسيطة مواكبة.

– نهاية : طلع معك ولا ما معك ؟

يبتسم غسان ويجيب:

 ما معي. لأجل ذلك، ما عندي مشكلة مع المصارف. ما حدا كامشلي رقبتي!