28 November,2020

طبخة فرنسية ـ إيرانية على نار التسويات

بقلم علي الحسيني

الرئيس “ماكرون” والسيدة فيروز

 لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” الثانية إلى لبنان والتي لم تفصل المسافة الزمنية عن سابقتها أكثر من شهر، مُثمرة على الصعيد الشعبي وذلك على عكس الأولى التي عوّل خلالها اللبنانيون على تغيير يطال كل هذه الطبقة السياسية الحاكمة، لكن بدل أن تتحوّل المهلة التي اعطاها سيّد الإليزيه لهؤلاء السياسيين، إذ به يدخل شريكاً في تسوية خارجية نسفت حسابات الشعب اللبناني وخيّبت آماله بعد أن انبتت من بين بنودها، اسم السفير مصطفى أديب رئيساً مُكلّفاً لتشكيل الحكومة.

التسوية من جديد

 مرّة جديدة تطل التسويات السياسيّة في لبنان برأسها وتحديداً الحكوميّة منها. فبعد مخاض عسير شهده البلد في ظل حكومة لم تكن تتمتّع بأدنى المسؤوليات تجاه شعبها حتّى وصل الامر بها لدرجة تآمرها على قتله، عادت

الرؤساء الثلاثة ميشال عون ونبيه بري ومصطفى اديب .. إيجاب وقبول.

المصالح السياسية لتلعب دورها وتستعيده على حساب الناس ووجعهم، مع تسوية أفضت بين ليلة وضحاها أو بقدرة قادر، على فتح الطريق أمام حكومة جديدة، وهو أمر لطالما عجزت عنه كل القوى السياسيّة، في أحلك الظروف وأصعبها.

والسؤال الذي يطرحه اللبنانيون بعد الوتيرة السريعة والمتسارعة التي سارت فيها عمليّة التكليف إذ لم تُكلّف السياسيين سوى اتصالات متقطعة على مدى يومين متتالين، يتعلّق بالمستجدات التي طرأت والتي أفضت الى هذا التوافق الذي لا يبدو مألوفاً لديهم، خصوصاً وأن الدخول في عملية تسمية الأشخاص والحصص الوزارية ولا حتّى نوعيّة الحكومة، ما إذا كانت وحدة وطنية او اختصاصيين، ظلّت بعيدة عن متناول الجميع ولم يتم تناولها لا من قريب ولا من بعيد. وقد فسّر البعض هذا الأمر، على أنه لا يعدو كونه مناورة الهدف منها تمرير المرحلة بأقل الاضرار الخارجية قبل الداخلية.

رفض سعودي واتفاق فرنسي ـ ايراني

الرئيسان الفرنسي والايراني “ايمانويل ماكرون” و”حسن روحاني” وثالثهما التسوية

على الرغم من أن تكليف مصطفى أديب بتسعين صوتاً مقابل ستة عشر صوتاً للسفير نوّاف سلام وصوت واحد لكل من الوزيرين السابقين ريّا الحسن والفضل شلق، يعكس تماماً التسوية القائمة بين أهل الربط والنزاع السياسي في لبنان (السلطة) وبين الدولة الفرنسية التي سعى رئيسها “ايمانويل ماكرون” في زيارته الأولى، إلى تحديد مسار جديد لإخراج لبنان من أزماته، إلا أنه بدا واضحاً الرفض السعودي لهذا “المخرج”، وهو الأمر الذي أكده امتناع حزب “القوّات اللبنانية” عن تسمية أديب الذي لا يبدو طريقه نحو الدول العربية وتحديداً السعودية، مُعبّداً بالورد.

يسأل البعض عن تسمية الرئيس سعد الحريري للرئيس المكلف مصطفى أديب كما هو حال بقيّة الاطراف في السلطة وأبرزهم “حزب الله”، وما إذا كانت وقعت في المحظور السعودي. مصادر سياسية توضح أن تسمية الحريري لأديب لا تتعارض على الإطلاق مع أي رفض سعودي لأي حكومة يكون “حزب الله” طرفاً فيها، فحالة الرفض هنا ضد فريق “مُسلّح” وليس ضد طرف محدد. كما أن االسعودية كانت وما زالت ترفض ترشيح الحريري نفسه لرئاسة الحكومة من بوّابة عدم إضفاء شرعيّة سنيّة لسلاح “الحزب”. وهذا الأمر أيضاً يُفسّر الموقف الأميركي لجهة عدم رغبته بترشيح الحريري للأسباب نفسها.

وتكشف المصادر عن تسوية فرنسيّة ـ ايرانية أوصلت إلى هذا الحل والتي تقوم على منح الأولى دوراً سياسياً مهماً في لبنان ودعمها في إجراء بعض الترتيبات الطفيفة داخل البيت اللبناني، مقابل دعم فرنسي لايران لمواجهة العقوبات الأميركية وكان آخرها رفضها دعم جهود الولايات المتحدة خلال تصويت أجراه مجلس الأمن الدولي لتمديد حظر السلاح على إيران.

هدية حكوميّة لسيد الإليزيه

السفير السابق نواف سلام .. هل انتهى دوره؟

ثمّة تحليلات سياسية كثيرة، توصّلت إلى أن عملية التكليف، كانت أشبه بهديّة للرئيس الفرنسي الذي يستعرض عضلاته على الساحة الدولية في ظل الصراع القائم بين ايران وأميركا. ومن مصلحة الإيراني في هذا التوقيت تحديداً، مسايرة الفرنسي الذي تعتبره البوّابة الأفضل لتصفيّة أمورها مع الأميركي، لكن هذه المسايرة، لن تكون بأي شكل من الأشكال على مصلحة “حزب الله” أو ما يُمكن أن يضر به، فبحسب البعض أن التضحيّة بـ”الحزب”، يلزمها شروط كبيرة وتسويات متبادلة لا تتوفّر عند أي فريق غير الأميركي.

وفي السياق، تؤكد مصادر وزارية أنه في حال كُتب النجاح لحكومة الرئيس المكلف مصطفى أديب فستكون نسخة مُنقّحة عن الحكومة السابقة طبعاً مع تغيّر الوجوه والأسماء لكن طريقة توزيع الحصص والتعاطي السياسي ستكون هي نفسها لا بل أسوأ من سابقاتها.  واعتبرت أن ما حصل خلال اليومين اللذين سبقا يوم التكليف بعد المشاورات النيابية الإلزاميّة، يُشبه الفترة التي سبقت تسمية الرئيس حسّان دياب لكن مع اختلاف طفيف هو ان فرنسا هذه المرّة طرف أساسي وشريكة في التسوية.

وأملت المصادر الوزارية أن على الرئيس المُكلّف أن يُثبّت موقع الرئاسة الثالثة بحيث لا تكون مطية لهذا الطرف أو ذاك وان يُعيد للموقع اعتباره الذي فقده في الفترة الأخيرة. وشددت على أن طريق النجاح للرئيس أديب لا يكون إلا بتأييد واسع من داخل طائفته والذي سيُشكّل له الطريق الأسرع والأنجح للتواصل مع الدول العربية وتحديداً المملكة العربية السعودية التي لا يبدو حتّى الساعة أنها مٌرحبة بالطريقة التي سُميّ عبرها أديب كرئيس مكلّف لتشكيل الحكومة.

جمع فرنسي بين الفنّ والسياسة

سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع.. تناقض الحلفاء

على الرغم من أن عمليّة الأسماء التي ستتكوّن منها الحكومة المُرتقبة، لم تدخل بعد حيّز التداول والمناقشات بين الطبقة الحاكمة، إلا ان تسريبات كانت خرجت في اليوم التالي لتكليف اديب بأن ثمّة إصراراً فرنسياً بوضع بعض الوزارات في عهدة اختصاصيين غير حزبيين، كالطاقة والاتصالات والأشغال العامة والعدل والصحة والمالية. وقد تعمّد زيارة السيدة فيروز واصطحاب الأديب أمين معلوف. وتقصّد أيضاً أن يحضر معه سمير عساف، المصرفي الذي عمل طويلاً في مصرف HSBC البريطاني وإدارة المحافظ المالية، والذي سبق أن كان رئيساً  لـ “ماكرون” في العمل. ويُحكى عن وجود نيّة لدى ماكرون لترشيحه لمنصب الإشرافِ على عمل مصرف لبنان وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

وتقول المعلومات الصحافية إن “ماكرون” تعمّد أيضاً أن يرافقه رودولف سعادة، ابن جاك سعادة صاحب شركة CMA CG” ” العملاقة العاملة في الشحن البحري وإدارة المرافئ. وهذه الشركة مرشحة لتولّي مشروع إعادة إعمار المرفأ، إضافة إلى إدارة محطة الحاويات فيه والتي يمر عبرها أكثر من 75 في المئة من عمل مرفأ بيروت في السنوات العشرين المقبلة. ولدى الشركة تصور لبرنامج إدارة مختلف، يشمل التشغيل والإدارة والأمن أيضاً.

وكان لافتاً نشر السيدة فيروز “سفيرة النجوم”، صوراً عن اللقاء الذي جمعها بالرئيس الفرنسي ​الذي قلّدها ارفع وسام فرنسي، وهو وسام ​جوقة الشرف​ من رتبة Commandeur ، وفي المقابل قدمت له فيروز هدية تذكارية عبارة عن لوحة. وخلال مغادرته منزل السيدة فيروز، وعد “ماكرون” بأن يكون ​لبنان​ افضل من ما هو عليه وأن السيدة فيروز ايقونة ولها مكانة خاصة بقلوب الفرنسيين واللقاء معها كان استثنائياً.

“ماكرون” يُهدّد مُجدداً.. هذا ما سنفعله

الرئيس “ماكرون” يمتحن الرئيس ميشال عون

في حديث لـ”politico” اعتبر الرئيس”ماكرون”  أنه يقوم برهان محفوف بالمخاطر من خلال العمل على تجنب الانهيار السياسي في لبنان، مؤكداً ان الشيء الوحيد الذي يملكه ويضعه على الطاولة، هو رأسماله السياسي خصوصاً وانها الفرصة الأخيرة لهذا النظام. وشدد على أن الأشهر الثلاثة المقبلة ستكون أساسية من أجل إحداث تغيير حقيقي، وإذا لم يحدث ذلك، فسأقوم بتغيير مساري، بالإضافة الى إتخاذ إجراءات عقابية تتراوح من حجب خطة الإنقاذ المالية الدولية الحيوية إلى فرض ​عقوبات​ على الطبقة الحاكمة، لافتا الى أنه إذا حاربنا القوة بالقوة فهذا يسمى تصعيدا وهذا لا يؤدي إلا إلى الحرب. وهذا آخر ما يحتاجه لبنان، وقال: لا تطلبوا من ​فرنسا​ أن تشن حربا على قوة سياسية لبنانية، فذلك سيكون عبثيا ومجنونا، مبينا أن الصعوبة التي يواجهها أولئك الذين يدافعون عن مسار التعددية هي عدم الوقوع في فخ التصعيد بالقوة. إنه الفخ الذي لا أريد الوقوع فيه ولن أقع فيه، بما في ذلك في شرق البحر الأبيض المتوسط. وأكد أنه يخطط للتعامل مع رئيس الوزراء المكلف ​مصطفى أديب​ وجميع الأحزاب السياسية اللبنانية في البرلمان، بما في ذلك تلك التي لا يتفق معها.

ووجه “ماكرون” صفعة للأميركي عندما سُئل عن إعتراض البعض على إختيار أديب لتشكيل الحكومة​ ​الجديدة​، إذ قال: البديل الأقرب كان ​نواف سلام​، وهذا الخيار لم يكن لينجح. إذا فرض نواف سلام كنا سنقتل ترشيحه لأننا وضعناه في نظام يوقف فيه البرلمان كل شيء، معتبرا أن “الاسم يعمل إذا كان الشارع يعرف كيف ينتج قائدا يقود ​الثورة​، ويكسر النظام، لكن هذا لم ينجح، على الأقل ليس اليوم، ربما غدا أو بعد غد.

في المحصّلة، فقد حصل الرئيس المكلّف مصطفى أديب على عدد من الأصوات تكفيه لتأليف الحكومة التي كُلّف بتشكيلها، وبما أن القاعدة الأساسيّة في الملف الحكومي تقول، إن العبرة في التأليف لا بالتكليف، يبقى الاحتمال الأبرز أن عملية التشكيل سوف تتأخر لأسباب لها علاقة بطابع الابتزاز السياسي الذي أصبح يمتهنه البعض، من اجل تحسين شروطه وتحصين موقعه ونفوذه.