23 January,2021

سر الارتفاع الجنوني لأسعار السلع وعدم انخفاضها عند تراجع سعر صرف الدولار

  

بقلم طوني بشارة

 

أسعار جنونية وعشوائية في السوبرماركات.

 مع ارتفاع نسب البطالة على اثر تزايد إقفال العديد من المؤسسات بسبب الضائقة الاقتصادية التي يمر بها لبنان  شهد السوق ارتفاعاً لا مثيل له بالأسعار بسبب ارتفاع سعر الصرف، علماً ان  سعر هذه السلع ذاتها  لم ينخفض مع انخفاض سعر الصرف في الفترة السابقة الى حوالى 6300 ليرة للدولار الواحد. فهل من تبرير منطقي لهذا الامر؟ وما موقف الجهات المعنية من هذا الارتفاع الجنوني للأسعار؟ وهل سيستمر هذا الامر مع استمرار ارتفاع سعر الصرف؟ وماذا عن السلع المدعومة؟ وما مصير المستهلك المعدوم؟

بحصلي والسلع المدعومة!

 

بداية مع رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية الأستاذ هاني بحصلي وكان السؤال المدخل:

 

*- يتساءل المواطن عن أسباب عدم تخفيض أسعار بعض السلع في الفترة التي لامس بها الدولار عتبة الـ 6000 ليرة؟

مع تراجع سعر الدولار، انتظر المستهلك انخفاض الأسعار بالنسبة نفسها، ولكن ما تمناه المواطن لا يمكن اعتباره بالأمر المنطقي  لأن سعر

هاني بحصلي: نحن كمستوردين ندعم السوق من مالنا الخاص ونشتري دولار بسعر السوق السوداء.

صرف السلع المدعومة يحتسب على الـ (3900)، كما ان  البضائع الموجودة على الرفوف لم تكن كلّها مسعّرة بسعر دولار يفوق الـ 6000 ليرة ، مما يعني عدم رفع  السعر آنذاك من قبل المستورد بنسب تتناسب ونسبة ارتفاع الدولار، والسبب أن عدداً لا بأس به  من السلع لا يُمكن بيعها بسعر باهظ ، لذا  تتم تصفيتها من دون شراء المزيد منها، كما ان المستورد وبحالات عديدة لم يبغ رفع نسبة الربح لكي يتمكن من البيع. فهناك دائماً تباين بين السوبرماركت والمستورد، ومن الممكن أن يكون عدد منها  قد رفع أسعاره، ولكن مبدأ المنافسة، خصوصاً خلال هذه الفترة، يحول دون ذلك كون من يرفع أسعاره كثيراً لن يتمكن من البيع. 

*- هل من تفسير علمي منطقي لهذا الأمر وبالأرقام ؟

– باعتماد لغة الارقام لا بد من التأكيد بأن المستوردين قاموا بالتسعير طوال الفترة السابقة على اساس سعر صرف للدولار يتراوح بين 5000 و6000 ليرة، ولم يسعروا اطلاقاً على سعر الـ 10000 ليرة لبنانية. فعلى سبيل المثال لا الحصر سعر علبة التونا المستوردة وغير المدعومة 1,30 دولار وذلك قبل اضافة الـ TVA . وبعملية حسابية بسيطة اذا قمنا بشراء هذه العلبة على أساس سعر صرف قيمته 7500 ليرة للدولار الواحد، تصبح التكلفة 9750 ليرة ومع إضافة 11 في المئة TVA يصبح السعر 10800 ليرة علماً ان السعر الحالي للتونا يتراوح ما بين الـ 7000 والـ 8000 ليرة مما يؤكد ان سعر الصرف لدى المستوردين لا يتجاوز الـ 6500 ليرة لبنانية.

 وتابع بحصلي قائلاً: السلع تمر بمرحلتين، الاولى هي الاستيراد والثانية تسمى بمرحلة البيع بالمفرق، ففي حال قام احد تجار المفرق بتسعير على سبيل المثال علبة التونا بـ 10000 ليرة فهذا مثال لا يمكن تعميمه اطلاقاً، وأؤكد كرئيس نقابة مستوردي السلع الغذائية بأن كل الشركات سعرت بضائعها على أساس سعر صرف لا يتجاوز الـ 6500 ليرة لبنانية للدولار الواحد، مما جعلنا كمستوردين ندعم السوق من مالنا الخاص ونشتري دولار بسعر السوق السوداء وبقيمة فاقت مرات عدة الـ 7500 ليرة.

*- ولكن بعض السلع انخفضت اسعارها فما سبب ذلك؟

– إنّ المواد التي يجب أن ينخفض سعرها انخفض بالفعل، أي تلك التي كانت تسعر‏ على أساس سعر صرف يتجاوز الـ7000 آلاف ليرة، أمّا السلع التي كانت في الأصل مسعّرة على أساس سعر صرف لا يتجاوز هذا الحد، فلم يتراجع سعرها. وهنا لا بد من التأكيد  بأنّ تراجع أسعار السلع يتطلب استقراراً جدياً في صرف سعر ​الدولار​، واللافت انه عندما أعلنت نقابة مستوردي المواد الغذائية أنها ستعيد دراسة سعر بعض المواد كان سعر صرف الدولار آنذاك 6300 وهو اليوم بحدود الـ8000 ليرة للدولار الواحد، وذلك لأنّ انخفاض الدولار وارتفاعه لا يرتكزان على أساس اقتصادي يساهم بالاستقرار، بل على مناخ تفاؤلي أو تشاؤمي لا يمكن للتاجر الاعتماد عليه، فهو يريد الحفاظ على استمراريته، وبالتالي التأكّد من أنّه عندما يبيع منتجاً معيناً يستطيع شراء غيره بالمبلغ عينه، الأمر الذي يضمن أيضاً عدم انقطاع المواد من السوق.

*-هناك من يتكلم عن لائحة اسعار موحدة من قبل الموردين فما واقع هذه اللائحة؟

-لائحة الموردين ليست موحدة، على اعتبار ان هناك منافسة فيما بينهم وبالتالي لكل مورد اهدافه وحساباته واستراتيجياته التنافسية والتسويقية، كما ان كل شركة تقدم على عاتقها لائحتها لزبائنها وهذه اللائحة تختلف حكماً من زبون الى آخر وفقاً لحركة دوران السلع لديه، وهذا اسلوب معتمد من قبلنا منذ فترة طويلة ويعتبر كأساس لعملنا، انه واقع ممارس في السوق منذ فترة طويلة .

 *- بعيداً عن الأسعار وعن اللائحة الموحدة، ما هو موقفكم من خفض السحوبات على الليرة وما أثر ذلك على الاستيراد؟… 

– إن خفض السحوبات على الليرة مشكلة كبيرة، وفي حال بقاء هذه الضوابط سينخفض الاستيراد إلى النصف، والمطلوب من مصرف لبنان أن نتمكن من سحب المبالغ المسددة عبر الشيكات أو البطاقات الائتمانية بالسيولة النقدية، وإلا سنضطر الى حصر المبيع بالنقد، وتلقائياً السوبرماركت وغيرها من المحال ستمتنع عن قبول البطاقات الائتمانية ومرّة جديدة يتحمّل المواطن تبعات هذا القرار. 

 

فهد وتقسيمات السلع!

 

نبيل فهد: السلع غير المدعومة أسعارها محددة بالدولار من قبل المورد.

اما  نقيب أصحاب السوبرماركات في لبنان الدكتور نبيل فهد فأفادنا بأن السلع في لبنان تقسم وفقاً لتغير أسعارها الى ما يلي:

– سلع مدعومة ويتم تسعيرها على سعر 3900 ليرة للدولار الواحد.

– صناعة وطنية محددة أسعارها النهائية من قبل المورد، علماً أن موادها الأولية مدعومة (كالبلاستيك .. الحليب … )

– سلع غير مدعومة وهي مستوردة بالكامل وأسعارها تتقلب وفقاً لتقلبات سعر الصرف .

وفيما يتعلق بآلية التسعير أجاب فهد:

السلع المدعومة ويبلغ عددها حوالى 30 سلعة نهائية، وهي مدعومة من قبل المورد وتباع الى السوبرماركت وتشمل على سبيل المثال السكر الموضب – الرز – الطون –الذرة – القهوة المستوردة…..  وسعرها  محدد من قبل وزارة الاقتصاد، ونتعهد عند شرائها على عدم تجاوز السعر الأقصى المحدد من قبل الوزارة، مما يعني ان ربحيتنا في هذه السلع محددة من قبل وزارة الاقتصاد وتتراوح ما بين 1 و 2 % بالحد الأدنى، وتصل الى 10 او 11 % بالحد الأقصى حسب الصنف وحسب تحديد المورد، وهذه السلع تقريبا أسعارها شبه موحدة بين جميع السوبرماركات.

وتابع فهد قائلاً: لكن للأسف وزارة الاقتصاد لم تسمح للموردين ببيع السلع المدعومة لتجار الجملة مما خلق مشكلة وجود او توافر هذه السلع المدعومة لدى المحلات الصغيرة التي تعتمد في عملية شرائها على تجار الجملة وليس على المورد الأساسية.

*– وماذا عن السلع غير المدعومة؟

 

– بالنسبة للسلع غير المدعومة نعتمد مبدأ المنافسة بعملية تسعيرها، علماً ان أسعارها محددة بالدولار من قبل المورد ، كما ان هناك هامش الربح محدد بنسب مئوية من قبل وزارة الاقتصاد ولا يمكننا اطلاقاً تجاوزه ، وهي أسعار تتغير حسب سعر الصرف، لكننا نواجه هنا  مشكلة مبدئية وهي عدم مقدرة المورد على مواكبة تقلبات سعر الصرف من اجل تحديد أسعار هذه السلع.

*- هناك ملامة من قبل المستهلك على كون السوبرماركات لم تعمد الى تخفيض الأسعار بالرغم من انخفاض سعر الصرف الى 6300 منذ فترة قصيرة ، فكيف يمكن تبرير ذلك؟

– الجدير ذكره أن عدداً لا بأس به من الموردين ومع بدء ازمة الدولار وبسبب رغبتهم بتصريف السلع الموجودة لديهم قبل انتهاء صلاحيتها قاموا بتسعير سلعهم على سعر صرف لم يتجاوز اطلاقاً الـ 5500 ليرة للدولار الواحد ، لذا عندما انخفض سعر الدولار الى 6300  لم يعمدوا الى تخفيض الأسعار، لأن سلعهم مسعرة أساساً على سعر صرف اقل من 6300 ليرة ، لذا لاحظ المستهلك ان العديد من السلع لم ينخفض أسعارها. وفي المقابل فالمورد الذي قام بتسعير سلعه مع بداية الازمة على سعر الصرف المعتمد آنذاك في السوق السوداء ، مع انخفاض سعر الصرف الى 6300،؟ قام بتخفيض أسعار سلعه، وقمنا كنقابة بتقديم لوائح تضم مئات السلع التي تم تخفيض أسعارها الى وزارة الاقتصاد والتخفيض تراوح ما بين الـ 15 والـ 25 في المئة.

*- وماذا عن الفرق بالأسعار ما بين السوبرماركت والمحلات التجارية الأخرى؟

– هذا امر طبيعي وهو عائد إما الى التأخير بتقديم لوائح الأسعار من قبل المورد ، وإما الى كون بعض أصحاب المحلات عمدوا بالأساس الى شراء سلعهم من قبل تجار الجملة وليس من قبل المورد . لكن مهما يكن الامر فإن النسب لا تتجاوز الـ 5 في المئة والفروقات لن تكون على فترة طويلة لا سيما في حال استقر سعر الصرف.

 

*- في حال استمر ارتفاع سعر الصرف فهل سترتفع الأسعار؟

 

– نحن كنقابة ملتزمين بآلية التسعير التي تم الاتفاق عليها مع وزارة الاقتصاد ، وبلائحة الأسعار المحددة  من قبل المورد، والتغير تلقائياً يحصل وفقاً لسعر الصرف، واللافت ان هذا الاخير يشهد حالياً ارتفاعاً ملحوظاً، ولكننا لم نغير اسعارنا حتى تاريخه، ونحن بانتظار ورود لائحة التسعير من قبل المورد.

 

بطرس واستقرار سعر الدجاج !

وليَم بطرس: لا حاجة إلى استيراد منتجات الدجاج مع ارتفاع الانتاج اللبناني.

– وبدوره أمين سر نقابة الدواجن في لبنان الاستاذ وليَم بطرس اشار الى أن اسعار الدجاج ستبقى مستقرة ولن تشهد ارتفاعاً على الرغم من معاودة ارتفاع سعر صرف الدولار، وهنا لا بد من التنويه بأن تسعيرة الفروج ومقتطعاته مبنيّة على سعر صرف 7500 ليرة، مشدداً على ان منتجي الدجاج التزموا بالاسعار المحددة في الاتفاق بين النقابة ووزارة الاقتصاد والتجارة ووزارة الزراعة منذ اليوم الأول للقرار، وقد لمسنا ازدياداً بالالتزام مع مرور الوقت.

*-وماذا عن البيض وتفاوت اسعاره؟

– لدى منتجي البيض مطالب فيما خص التسعير، واللافت ان سعر البيض لا ينخفض بسرعة، اذ ان انتاجه يتطلب ستة أشهر على الاقل خلافاً لإنتاج الفروج الذي يستغرق وقتاً اقل. لذا ان الحل الوحيد لمسألة البيض هو بمتابعة دعم صيصان البياض والامهات والاعلاف حتى يزداد انتاج البيض ويغطي حاجة السوق المحلية، على اعتبار ان مزارع البيض كما الفروج، موجودة انما اغلق نصفها تقريباً نتيجة التهريب من سوريا، فلبنان كان بلداً مصدّراً للبيض قبل اقفال المعابر البرية.

وختم  بطرس قائلاً : لا حاجة إلى استيراد منتجات الدجاج مع ارتفاع الانتاج اللبناني، خصوصاً بعد استقدام بيض تفقيس بالطائرات، كما ان مزارع القطاع موجودة أصلاً، انما اقفل المئات منها نتيجة خسائر المزارعين الكبيرة.

 

ترشيشي ورفع الدعم!

 اما رئيس تجمع مزارعي وفلاحي ​البقاع ابراهيم ترشيشي فأكد بأن رفع الدعم عن المواد الأساسية وخصوصاً الزراعية سيؤدي إلى كارثة اجتماعية ضخمة وإلى ارتفاع أكثر لأسعار السلع الزراعية، وأشار إلى أن القدرة الشرائية للمستهلك اللبناني ستنعدم ولن يستطيع بالتالي شراء حاجته الضرورية.

كما أوضح ترشيشي بأن القطاع الزراعي لم يحصل على الدعم المطلوب

إبراهيم ترشيشي: لضرورة منع التجار من احتكار الأسمدة والبذور والاستفادة منها لمصالحهم الشخصية والتجارية.

من قبل الدولة خصوصاً أنه شمل مواد زراعية من أعلاف وذرة وشعير على حساب مواد زراعية أساسية كالبذور والأسمدة والكيماويات.

وتابع ترشيشي قائلاً :

-إن هذا الدعم ذهب باتجاه بعض التجار الذين يستوردون الكيماويات والأسمدة من دون معرفة وجهة هذه البضائع وبالتالي لم يستفد القطاع الزراعي منها بشكل كبير، لذا اعتبر أن هذا الدعم لا ينفع وهو لمصلحة التجار والمنتفعين من سرقة الدولة بشكل مكشوف، على اعتبار ان هؤلاء التجار يعمدون إلى شراء الأسمدة المدعومة ويقومون بتخزينها في مستودعاتهم ويبيعونها بأسعار باهظة، ويقدّمون فواتير وهمية باسم مزارعين وهميين، وأؤكد بأن المزارعين سيتحرّكون ضد هذا الموضوع.

*- وكأنك تشير الى ان غياب تنظيم الدعم بشكل عادل ومتساوٍ هو من أدى إلى تلاعب في الأسعار واختفاء المستلزمات الزراعية من الأسواق بشكل واسع؟

– بالتأكيد كما أدّى إلى نقمة كبيرة لدى المزارعين، لذا كجهة معنية اطالب، في هذا الإطار بتنظيم عملية دعم الأسمدة والبذور والكيماويات بشكل واضح من قبل الدولة وبيعها بسعر موحّد، مشدداً على ضرورة منع التجار من احتكار هذه المواد والاستفادة منها لمصالحهم الشخصية والتجارية.

*-هل من حلول؟

– هناك حلول يمكن وضعها على السكة الصحيحة وتبدأ من تحديد الدعم لأصناف معيّنة كالبذور والأسمدة والأدوية الكيماوية وأن تستورد لمرّة واحدة لصالح التجار، كما واشدد على عدم السماح لهم ببيع هذه البضائع بأسعار أغلى من السعر المدعوم بالاضافة إلى السماح للشركات باستيراد المستلزمات الزراعية على أساس فاتورة لا تتعدّى 100 مليون دولار.