15 July,2020

زيارة جنبلاط للحريري بددت الغيوم ومن أهدافها إعادة تواصل "المستقبل" مع حزب الله!

 

الرئيس سعد الحريري والوزير السابق وليد جنبلاط في اللقاء الأخير

 عندما قصد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب والوزير السابق وليد جنبلاط “بيت الوسط” للقاء الرئيس سعد الحريري، كان يدرك ان زيارته هذه تكتسب في هذه الايام بعداً خاصاً في السياسة، كما في التواصل، بالنسبة الى جنبلاط، فإن زيارة “بيت الوسط” بعد طول انقطاع تندرج في اطار سياسة الانفتاح التي انتهجها زعيم المختارة منذ قرر ألا يتواجه مع اي من الاحزاب والمرجعيات بل ان يفتح معها حواراً سياسياً ولو في ظل الاختلاف في المواقف. اما في التوقيت فاتت الزيارة الجنبلاطية قبل ايام من موعد “اللقاء الوطني” الذي دعا اليه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في قصر بعبدا. كذلك فإنها أتت قبيل وضع “قانون قيصر” موضع التنفيذ بعدما حرصت الادارة الاميركية على تعميمه قبل بدء مفعوله لرصد ردود الفعل من الجهات المعنية وفي مقدمها سوريا.

 لقد بدا واضحاً ان جنبلاط أراد من خلال هذه الزيارة ان يشجع الرئيس الحريري على المزيد من المواقف المعتدلة لاسيما بعد الذي شهدته الساحة السنية من توتر على إثر إقدام بعض المتظاهرين قبل اسبوعين على توجيه كلام غير لائق الى عائشة ام المؤمنين، الامر الذي استفز البيئة السنية وكاد الأمر ان يتطور الى مواجهات على الارض لولا غدراك العقلاء من الجانبين السني والشيعي ان مثل هذه المواجهات تقود الى فتنة لا يستفيد منها الطرفان، بل يقدمان رأسيهما على طبق من فضة للعدو الاسرائيلي ولكل من يتآمر على وحدة الصف والاستقرار وايجابية حالة السلم الاهلي التي ينعم بها لبنان. لقد اراد جنبلاط ان يعطي للرئيس الحريري شرعية- او ربما حصرية- تمثيل المكون السني من خلال اعلانه التضامن مع “رمز الاعتدال اللبناني والسني وابن الشهيد رفيق الحريري”، بهدف تحقيق امرين، الاول تكريس دور الحريري كرمز للطائفة السنية يجدر بالجميع العودة اليه عند البحث في اي ملف سياسي او الإقدام على خطوات تتطلب توافقاً وطنياً. والثاني الرد على محاولات البعض اللعب على وتيرة الخلاف بين الرئيس سعد وشقيقه بهاء الذي بدأ يطل على الساحة السياسية اللبنانية من بوابة طرابلس والشمال. وهذه “الاطلالة” ازعجت الرئيس الحريري الذي تعاطى معها بتقبل علني وإن كان عمل ضمناً للتخفيف من تأثيرها على الساحة السنية.

 

ثلاثي بري- الحريري- جنبلاط

 

 وثمة مسألة أخرى ظهرها لقاء الحريري- جنبلاط وهي بروز نواة تحالف بين جنبلاط والرئيس نبيه بري لن يكتمل فصوله إلا عند انضمام الحريري اليه، وهو أمر ليس صعباً لاسيما وان العلاقات لم تنقطع بين الرئيسين بري والحريري بعد عدم عودة الحريري الى السرايا على رغم الجهود التي بذلها بري مع الحريري آنذاك لاقناعه بقبول التكليف، لكن مساعي بري آنذاك لم تثمر لأن الحريري أصر على استبعاد النائب جبران باسيل من اي تركيبة حكومية برئاسته. اضافة الى ان جنبلاط يعتبر ان علاقته بحزب الله تمر من خلال الرئيس بري الذي يسعى جاهداً الى إعادة فتح خطوط الاتصال بين الحزب التقدمي الاشتراكي وحزب الله، وقد حققت المساعي المبذولة على خط الضاحية الجنوبية- المختارة تقدماً تمثل بالاتفاق على عقد اجتماع قيادي بين وفد من حزب الله وآخر من الحزب التقدمي الاشتراكي تحت عنوان “التنسيق والتلاقي” بعد قطيعة دامت اشهراً بفعل مواقف حادة كان أدلى بها جنبلاط في وقت سابق.

 وكما “دوزن” جنبلاط علاقته مع حزب الله على قاعدة “تنظيم الخلاف”، هكذا يريد ان يفعل الحريري مع الحزب لابقاء أبواب الحوار مفتوحة وسحب الفتيل من اي صاعق فتنوي كانت ظهرت ملامحه جلية في المواجهات الكلامية التي شهدتها بيروت قبل اسبوعين، وحركت مؤشرات الفتنة النائمة التي كانت ستستيقظ من جديد وتعيد خلط الاوراق. وقد حرص جنبلاط على مقاربة وضعيته حزب الله وتصنيفه من زاوية اخرى ذكّر فيها بأن أكثر من منظمة ارهابية في التاريخ تم الاعتراف بها لاحقاً، كالحركة الوطنية الجزائرية بالنسبة الى فرنسا كانت منظمة ارهابية، ثم كان الاعتراف بها، وكذلك “نلسون مانديلا” ومنظمة التحرير الفلسطينية وحماس والجيش الايرلندي، وهذه “حماس” موجودة وهذه التنظيمات تسمى منظمات غير حكومية تتحول بعدها الى دول.

 وانطلاقاً من هذا المفهوم، سعى جنبلاط لدى الحريري، كما تقول مصادر مطلعة، من اجل إحياء الحوار من جديد بين تيار “المستقبل” وحزب الله برعاية مباشرة من الرئيس بري، في محاولة لاعادة الهدوء الى العلاقة بين الطرفين، ومنع تأثير اي حادثة بين افراد من الحزبين، على السلم الاهلي الذي تبقى له الاولوية، من دون ان يعني ذلك، زوال التناقضات السياسية بين الطرفين، وهنا يُنقل عن جنبلاط قوله أن لا الحريري سيقنع حزب الله بمبادىء “المستقبل”، ولا الحزب يريد ان ينضم الحريري الى صفوفه. لكن كل من الطرفين يستفيد من الاستقرار السياسي المتصل اساساً بالاستقرار الامني وهو ما يريد جنبلاط ان يحافظ عليه، وجاراه الحريري في هذا التوجه، علماً ان جنبلاط متخوف من الآتي من الايام خصوصاً اذا ما اشتد الحصار على سوريا ونال لبنان قسطه من هذا الحصار.