21 October,2020

رسالتان من جنبلاط الى الراعي ونصر الله القاسم المشترك بينهما تكريس موقعه الوسطي!

 

البطريرك الراعي ووليد جنبلاط

ترقب الأوساط السياسية التحرك الذي يقوم به رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب والوزير السابق وليد جنبلاط تجاه بعض القيادات اللبنانية بكثير من الاهتمام، ليس لأنه صادر من جنبلاط فحسب، بل لأن الزعيم الدرزي قارئ جيد في مسار الأحداث، ويعرف كيف يتكيف مع التطورات ويدوّر الزوايا عندما تفرض مصلحته ومصلحة من يمثل ذلك، وقد توقفت الأوساط في هذا الصدد عند رسالتين وجههما جنبلاط الى مرجعيتين لهما تأثيرهما في الحياة السياسية اللبنانية. الأولى وجهها الى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ونقلها مستشاره رامي الريس، والثانية الى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله لم تعرف وسيلة نقلها، كما ان قيادة المقاومة لم تشر إليها، فيما تسلح جنبلاط بالصمت حيال تأكيد ارسالها من عدمه.

الرسالتان لهما أهمية خاصة في التوقيت والمضمون لاسيما وان الأوضاع التي يمر بها لبنان حالياً، سواء في ما خص الأزمة الاقتصادية أو معاناة اللبنانيين مع وباء “الكورونا”، حتمت اتخاذ مواقف تحد من التباعد القائم بين اللبنانيين، وتفتح الأبواب أمام آفاق جديدة من التعاون لضمان تجاوز هذه المرحلة الصعبة من تاريخ لبنان.

في الرسالة الى بكركي، شاء زعيم المختارة أن يبلغ رأس الطائفة المارونية حرصه على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع الصرح البطريركي الماروني بما يمثله من مرجعية وطنية في مختلف المحطات، خصوصاً في هذا الظرف المتأزم على الصعيد الداخلي. وخلاصة الرسالة أيضاً رغبة جنبلاطية في تحصين الساحة الداخلية والسبل الواجب اعتمادها تحقيقاً لذلك، لاسيما وان التحديات كبيرة صحياً واجتماعياً ومالياً واقتصادياً. ومع هذه الرغبة ارادة أيضاً بمواصلة التشاور في الأمور كافة لاسيما وان للبطريرك الراعي وجهة نظره تجاه الأزمة الداخلية ورؤيته للوضع الداخلي وللملفات الشائكة، وهو يعبّر عنها في العظات التي يلقيها أو في المواقف التي تصدر عنه. وقد حرص البطريرك على أن يُسمع ضيفه قلقه على الوضع الراهن، وتحديداً في ما يتعلق بالموضوع الصحي والاجراءات التي تتخذها السلطات المعنية للحد من انتشار وباء “الكورونا”. وفي الشأن الثنائي، استذكر البطريرك زيارته للمختارة في العام 2016 عند افتتاح احدى الكنائس “وكانت مناسبة وطنية جامعة”، مستعيداً محطة بارزة وهي المصالحة المسيحية ــ الدرزية التي أعادت الروح الى الجبل بمكوناته كافة. وكان تفاهم ــ حسب مصادر مطلعة ــ على ان مصالحة الجبل لا يجوز أن تُمس لأي سبب كان، وان الخلافات السياسية يجب أن تبقى بعيدة عنها لأن ما جمع بين أبناء الجبل لا يجوز أن تفرقه السياسة، لأن لكل طرف خطه وسياسته وخياراته، وان المهم أن يبقى السلم الأهلي مصاناً والعيش المشترك قائماً بكل تنوعه وفرادته. وعلمت “الأفكار” ان زيارة الريّس ستليها زيارة يقوم بها جنبلاط الى بكركي عندما تسمح الظروف الصحية التي اضطربت بعد ظهور وباء “الكورونا” الذي حدّ من التنقل.

 

أفق العلاقة مع “السيد”!

نصرالله ووليد جنبلاط

أما رسالة جنبلاط الى السيد نصر الله والتي لم تعرف ظروفها بعد ولم يؤكد الطرفان أي معطيات حولها، فإن المصادر المطلعة وضعتها في إطار رغبة جنبلاط في الإبقاء على التشاور، ولو غير المباشر، بين الطرفين انطلاقاً من القناعة بأن الصدام والتباعد لن يحققا أي تقدم ولن يعطيا أي “قيمة مضافة” الى الواقع السياسي الراهن في البلاد.

وحسب المصادر فإن جنبلاط شاء أن يلفت “السيد” الى عدم فائدة التعامل بسلبية مع توجهات صندوق النقد الدولي ونصائحه للخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية الضاغطة، وضرورة ابداء مرونة في العلاقة نظراً للحاجة إليه في هذه المرحلة. أما الشق الثاني من الرسالة، فكان الرغبة الضمنية في تحديد أفق العلاقة المستقبلية بين الطرفين ووجوب النهوض بها على أسس وشروط جديدة تتطلبها دقة المرحلة وهشاشة الواقع القائم. وفسرت المصادر خطوة جنبلاط بأنها مقدمة لمرحلة جديدة من العلاقات والتموضعات السياسية المختلفة عن ذي قبل، تجاوباً مع مرحلة التحولات والتبدلات في الواقع السياسي، محلياً واقليمياً. وفسرت المصادر هذا التوجه الجنبلاطي الجديد، بأن قناعة تكونت لدى الزعيم الدرزي بأن مرحلة سياسية قد طويت لاسيما بعدما أوشكت مفاعيل “الحراك الشعبي” الذي بدأ في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي على الانتهاء، وان المشهد السياسي الجديد يدل على ان ثمة من يعمل على إبراز قدرة حكومة الرئيس دياب على الانطلاق بخطواتها الأولى في رحلة بالغة الصعوبة، لكنها صممت على السير فيها بخطى واثقة وثابتة بعيداً عن الرهانات على اخفاقها وعجزها.

وترى المصادر نفسها ان جنبلاط شعر عمق التحول الحاصل الذي عزز دور حزب الله في الاحتفاظ في المبادرة التي حققت له انجازات متقدمة لا يمكن انكارها، ما يحتم استطراداً التكيف مع الواقع الجديد ــ القديم والتعاطي معه بموضوعية وواقعية. من هنا ــ تضيف المصادر نفسها ــ كانت مبادرة جنبلاط الى الدعوة لإعطاء حكومة الرئيس حسان دياب فرصة، وذلك انطلاقاً من فرضية ان لا طرح بديلاً يمكن تقديمه راهناً للخروج من الأزمة التي استفحلت. لذلك اتسم تصرف جنبلاط في الآونة الأخيرة بالايجابية والمرونة ولم يذهب في مسار الانتقادات التي وجهت الى الحكومة، في انتظار كيفية تعامل الخارج العربي والدولي مع الحكومة الجديدة وما إذا كان سيكون عزلاً وتجاهلاً أو انفتاحاً وتواصلاً، على أن يبني بعد ذلك موقفه النهائي منها ويحدد تموضعه السياسي الذي يريده جنبلاط ــ حتى الآن على الأقل ــ غير منحاز الى أي من المحاور الداخلية، والبقاء في الوسط الذي لا يفتح خطوط مواجهة مع هذا الطرف أو ذاك. من هنا بدا جنبلاط غير متحمس للسير مع صديقه الرئيس سعد الحريري في المواقف المتصلبة حيال الحكومة وإن لم يمنحها ثقته، على رغم ان الحريري حرص في ذكرى استشهاد والده على الحديث عن جنبلاط كـ”حليف يمكن الوثوق به”.

وتؤكد المصادر ان جنبلاط حريص ــ حتى الآن ــ على عدم المواجهة مع حكومة الرئيس دياب، لذلك فهو يختار كلماته عندما يريد التحدث عنها، ويغطي عدم معارضته لها، بالهجوم على عهد الرئيس عون حيناً وعلى الوزير السابق جبران باسيل أحياناً، وان كان “المراسيل” نقلوا ما فحواه بأن جنبلاط يريد اعادة وصل ما انقطع مع الرئيس عون توطئة لمعاودة الانفتاح على باسيل.