25 November,2020

رسائل أمنية بين حزب الله وإسرائيل

بقلم علي الحسيني

 

الحدود مسرح المواجهة المرتقبة.

 تزايدت الهجمة الأميركية على حزب الله في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ حتّى طالت حلفاءه المقربين سواء من الشيعة او المسيحيين، وبالطبع لن تكون العقوبات على رئيس “التيّار الوطني الحر” النائب جبران باسيل الأخيرة، فهناك لوائح أخرى تضم أسماء جديدة قيد التحضير داخل الإدارة الأميركية. ووسط حالة التضييق وشد الخناق هذه، طفت على سطح الأحداث الأمنية، حالة التوتر المتزايدة بين حزب الله واسرائيل وسط مناورات من الجهتين خلّفت الكثير من التساؤلات حول مضمونها والرسائل التي ينوي كل طرف إيصالها إلى الآخر.

هل تُفرمل العقوبات عمل حزب الله؟

في ظلِّ العقوبات المتزايدة على حزب الله التي وصلت في الفترة الأخيرة إلى حلفائه من مسيحيين ومسلمين من الطائفة الشيعية، تخرج مجموعة أسئلة تتعلّق بوضعية “الحزب” الحالية وما إذا كان يستطيع الاستمرار بهذه الحالة التي يصفها هو نفسه، باللاصحيّة لما لها من تأثيرات جانبية، أضرّت إلى حدّ بعيد بطبيعة عمله السياسي. لكن السؤال الأبرز، يتعلّق بمدى تأثير العقوبات هذه على وضعية “الحزب” العسكرية والأمنية، والآثار التي خلّفتها في الميدان الممتد من لبنان إلى اليمن.

ولا بد من القول، إن كل هذه العقوبات المتواصلة منذ سنوات حتّى اليوم على حزب يفتخر بقوّته العسكرية كما السياسية وبالنتائج التي حقّقها منذ ولادته والتي لم يكن يتوقّعها أن تصل إلى ما هي عليه اليوم، تدعو إلى التساؤل حول الأسباب التي تمنع سقوطه أو تفتّت شعبيته أو حتّى تراجع قوته السياسية والعسكرية وأيضاً التي تجعله على مسافة قريبة من مخطّطات عدوّه. في هذا السياق، تستبعد أوساط سياسية لبنانية حصول تغيير أميركي كبير تجاه لبنان في ضوء وصول الرئيس “جو بايدن” إلى البيت الأبيض، أقلّه في المدى المنظور، لأن الإدارة الأميركية الجديدة ستكون منشغلة في السنة الأولى من الحكم بمعالجة الأوضاع الداخلية، خصوصاً الأضرار الناجمة عن وباء “كورونا” والتي لعبت دوراً أساسياً في فوز “بايدن” على الرئيس الحالي “دونالد  ترامب”.

الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” ورئيس حكومة العدو “بنيامين نتانياهو” والرهان الفاشل.

 أمّا لجهة وضعية “الحزب” العسكرية والأمنية، فتُشير كل التحليلات إلى أن الأخير يزداد قوّة ومنعة كُلّما جرى التضييق عليه وخصوصاً داخل طائفته وبين جمهوره، إذ أن الجو العام الشيعي، هو بشكل من الأشكال مُعاد تماماً للإدارة الأميركية وتحديداً الإدارة السابقة التي قادها “ترامب” طوال السنوات الماضية. والأبرز، أن التحليلات بمعظمها تصبّ عند نقطة قوّة “الحزب” الصاروخية التي تزداد هي الاخرى بشكل مُخيف، إذ يتردد أن ترسانته الصاروخية من أكثر ما يميز قدراته العسكرية كونه يمتلك ترسانة هائلة من الصواريخ، يقدر عددها ما بين 80 ألفاً و120 ألف قطعة.

على خط الرسائل المتبادلة

الدخول على خطّ المواجهة مع الإسرائيلي وفي ظلِّ ما تردّد من كلام منذ أيّام عن وجود نيات أو مُخطّط للقيام بعملية عسكريّة محدودة كانت ستنفّذها إسرائيل داخل عدد من القرى الحدودية في جنوب لبنان، أو حتّى الذهاب أبعد من ذلك كتنفيذ عملية اغتيال يُمكن أن تطاول الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله خصوصاً بعد المناورة الأخيرة التي أجراها الجيش الاسرائيلي على مقربة من الحدود اللبنانية، يؤكّد مصدر واسع الإطلاع ينتمي الى محور “المقاومة” أنه “خلال تنفيذ هذه المناورة الضخمة، طُرح سؤال داخل قيادة “الحزب” حول أسبابها، فهل هي مجرّد مُناورة أو غطاء لعمل عسكري يُمكن أن يطاول لبنان وسوريا وإيران، أم أنها مُحاكاة لعملية عسكرية معقّدة تخدم “دونالد ترامب” المأزوم؟.

ويكشف المصدر أنه جرى تسريب معلومات عن أن المستهدف هو نصر الله شخصيّاً لأن تصفيته سوف تصبّ تماماً داخل صندوق الانتخابات في الولايات المتحدة الأميركية. ويُضيف المصدر: أمّا النقاش الدائر اليوم بعدما أصبحت الإنتخابات الأميركية وراءنا، هل يعود الإسرائيلي إلى المُخطّط نفسه لكي يُربك المنطقة. لذلك فقد جاء استنفار حزب الله مقابل المناورة الاسرائيلية، في سياقه الطبيعي، علماً أن التوقعات بخربطة الوضع في المنطقة اليوم، تقوم على فرضية أن تُحاول أميركا القيام بهذا الدور وليس إسرائيل.

كيف أحبط “حزب الله” محاولة لاغتيال نصر الله؟

السيد حسن نصر الله المستهدف الدائم من العدو.

يُجيب المصدر عن هذا السؤال: عندما نفّذت “المقاومة” استنفارها السرّي عقب المناورة الاسرائيلية، تمّ إخراج بعض الأسلحة والصواريخ إلى العلن وعلى مرأى من أعين الإسرائيلي وذلك كان رسالة واضحة أن “المقاومة” على استعداد لأي خطوة يقوم بها العدو الاسرائيلي. كما انه تم تحرير بعض القوّات على الجبهة وذلك كان تحذيراً للإسرائيلي بأن أي عمل تحت ستار المناورة، سيكون الردّ عليه قوياً وبشكل لا يقبل الشكّ.

في السياق، لا يستبعد مصدر عسكري وجود مسعى إسرائيلي دائم لاغتيال نصر الله والوقائع والتواريخ تؤكد مساعي اسرائيل المُستمرة منذ عام 2004 عندما تعرض أمين عام الحزب لمحاولة اغتيال فاشلة من خلال التسميم الغذائي، وفي عدوان تموز(يوليو) 2006، فشلت محاولة لاغتياله خلال قصف إسرائيلي على احد مباني الضاحية الجنوبية، قيل يومها أن نصر الله كان بداخله.

ويُضيف المصدر: وفي نيسان (ابريل) 2006 اعتقلت شبكة خططت لاغتيال نصر الله من خلال استخدام صاروخ “لاو”، كان سيستهدف سيارته أثناء حضوره مهرجاناً في حارة حريك بالضاحية الجنوبية. وفي العام 2011، وقع انفجار في مبنى سكني في الضاحية، ويُعتقد أن نصر الله كان مستهدفاً، حيث كان مقرراً أن يلتقي بكبار مسؤولي الحزب، وبعد شهر انفجرت سيارة مفخخة قرب قاعة الشهداء، حيث كان سيلقي نصر الله كلمة بمناسبة مرور سبع سنوات على حرب لبنان.

بدورها لا تخفي اسرائيل سعيها لاغتيال نصر الله، وهو ما أكده قادتها في مرات عديدة عبر وسائل الإعلام. وقد سبق أن ذكرت صحيفة “هآرتس” العبرية، نقلاً عن مصادر أمنيّة وصفتها بأنّها رفيعة المستوى في تل أبيب، أن نصر الله نجا من محاولة اغتيال إسرائيلية إبّان العدوان على لبنان في صيف العام 2006، عندما أُلقيت قنبلة “ذكيّة جداً” على المكان الذي كان يوجد فيه.

مطالعة نصر الله الحدودية

بعد المناورة الاسرائيلية ورد حزب الله، تنقّل نصر الله خلال إطلالته الاعلامية في مناسبة يوم الشهيد بين ملفات عديدة محلية وخارجية واضعاً النقاط على حروفها مخلّفاً وراءه جملة تساؤلات حول أبعاد ما تحدّث به وتوقيته. ولعل أبرزها الرسائل التي بعثها للداخل والخارج من خلال المواقف اللافتة والنبرة الهادئة التي اطلّ بها حيث أكد اكثر من مرّة على الاستقرار الداخلي ورفض العنف والمواجهات وحل الامور سلمياً تحت عباءة الدولة ومؤسساتها.

والبارز أيضاً في كلام نصر الله، تلك المطالعة التي قدّمها في ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان واسرائيل وانطلاق المفاوضات برعاية الامم المتحدة ووساطة الولايات المتحدة الاميركية. فهو ابدى مرونة تجاه هذا الملف بحصره بالدولة فقط وتأكيده ان المقاومة تلتزم بما تحدده، وبالتالي تساعد مع الجيش في تحرير اي ارض محتلة، ما يعني ان الحل سيكون بين الدولتين، وهو ما يجب ان يحصل بعيداً من الرسائل النارية المتبادلة بين الاسرائيلي من جهة وحزب الله من جهة اخرى.

 حزب الله قوة محلية ام إقليمية؟

النائبان جبران باسيل وعلي حسن خليل وبينهما النائب والوزير السابق محمد فنيش ..استهداف الحلفاء.

أمّا داخلياً وتحديداً على خط العقوبات التي تُفرض عليه وعلى حلفائه وما إذا تسبّب هذا الامر بعزله، يعود المصدر الى “المفهوم الثقافي عند حزب الله الى بداية التأسيس في العام 1982 يوم كان عديد “الحزب” في لبنان لا يتعدى المئة شخص وفي حينه كان هؤلاء يتداعون من قرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية في كل مرّة يسقط فيها عنصر، وذلك من أجل أن يظهروا حجمهم العددي، بينما اليوم وبعد كل هذه السنوات، يكفي أن يدعو نصر الله إلى حشد جماهيري لنرى مئات الآلاف في الشارع. ولذلك من المستغرب إشاعة أجواء وكأن “الحزب” في عُزلة سواء سياسية أو اجتماعية.

ويُضيف المصدر: عندما بدأت المقاومة عملها العسكري، لم يخطر على بال تلك المجموعات الصغيرة أن تُصبح بما هي عليه اليوم، ولا أن يتحرّر لبنان من العدو الإسرائيلي، وأيضاً لم يكن ببال حزب الله بعد العام 2006 أن يتحول إلى قوة أساسية على المستوى الإقليمي أو أن تضعه الولايات المتحدة الأميركية على سُلّم أولوياتها. فما يشغل بال العالم اليوم، انه إلى جانب “الحزب” دولة إقليمية كبيرة وقوية اسمها ايران، ودولة لا يُستهان بها رغم كل مُعاناتها أسمها سوريا، بالإضافة إلى شبكة تحالفات على المستوى الإقليمي تبدأ بالعراق وتنتهي باليمن، فضلاً عن شبكة تحالفات داخلية مكّنته من ترؤس الغالبية النيابية.