23 February,2020

خلافات ”أهل البيت الواحد“ التي أخرت التأليف هل تستمر بعد التشكيل فتعطل مسيرة الحكومة؟

من الواضح ان مهمة الحكومة العتيدة لن تكون سهلة لاسيما وان ما جرى في الأيام الماضية ليس إلا نموذجاً عما سيدور في الآتي من الأيام إذا ما استمر الأداء على حاله، وظلت الانقسامات السياسية بين أفرقاء الصف الواحد كما بدت خلال مرحلة تشكيل الحكومة. فالذين راهنوا على <تضامن> الفريق الواحد اكتشفوا أنهم خسروا الرهان بدليل ما رافق تشكيل الحكومة العتيدة من خلافات وشروط وشروط مضادة كان يفترض أن تحصل في ما لو كانت الأحزاب المعارضة مشاركة في الحكومة، أما وان الحكومة هي حكومة اللون الواحد، فإن ما حصل من منازعات هو بالفعل موضع استغراب ما يؤشر الى ان المرحلة المقبلة لن تكون سهلة.

لقد سعى <التيار الوطني الحر> خلال الأيام الماضية الى <فرض> قوته على شركائه في الحكومة، فقدم الوزير جبران باسيل، رئيس التيار، سلسلة <شروط> وبدا وكأنه يغرد وحيداً في مسار عملية التأليف رافعاً مطالب بعيداً عن رفاقه ومطالباً بحصة تمكنه في أن يكون الأقوى في التركيبة الحكومية، متناسياً ضرورة <مراعاة> رفاق الدرب، وقد واجه هذا الموقف معارضة من تيار <المردة> الذي سعى رئيسه الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية الى <كبح> جماح حليف الأمس، وفرض هو الآخر شروطه متمسكاً بمواقف ثابتة صارح فيها <الرفاق> في محور الممانعة وحاول اقناعهم بعدم اطلاق يد الوزير باسيل في تشكيل الحكومة. ولعل الخلاف بين الوزير باسيل والوزير السابق فرنجية المتجذر منذ أشهر والذي يحمل أبعاداً رئاسية زاد في ارتفاع منسوب تمسك فرنجية بشروطه، ولم يتمكن باسيل من مقاومتها فحصل فرنجية على وزيرين لوزارتين خدماتيتين. وهذا الخلل في صفوف رفاق <الخط الواحد> ستكون له امتداداته في العمل الحكومي المقبل لأن الأيام الآتية سوف تشهد المزيد من الاستعدادات لمعركة الخلافة لأن العهد بدأ سنته الرابعة وهو الموعد الذي يتحرك فيه الساعون الى الرئاسة الأولى لاثبات حضورهم ومحاولة حجز مقاعدهم في سنة الانتخابات. والمعروف ان فرنجية هو الخصم الطبيعي للوزير باسيل الذي يتهمه خصومه باستغلال عهد عمه الرئيس عون لإزاحة منافسيه على المقعد الرئاسي بحيث يصل هو قبل غيره الى قصر بعبدا، خصوصاً ان فرنجية كان قد رُشح للرئاسة الأولى قبل <الجنرال> بمبادرة من الرئيس سعد الحريري وكاد أن يصل الى بعبدا لولا ان الظروف تبدلت وأتت لمصلحة الرئيس عون.

القومي بقي خارجاً!

 

حليف آخر ظهّر خلافه مع رفاقه الآخرين هو الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يعتبر ركناً أساسياً من أركان قوى <8 آذار> والمنتسبين الى خط الممانعة، ذلك ان القيادة القومية عملت من خلال النائب أسعد حردان على أن يكون لها الموقع المتقدم في الحكومة العتيدة ولم <تساير> الحلفاء كما لم تتراجع عن مطلبها الذي عطل ولادة الحكومة، ولم تنفع المحاولات التي بذلت لتليين الموقف القومي ما يؤشر الى ان التعاون داخل <حكومة اللون الواحد> لن يكون واحداً، وسيكون <للمناوشات> الدائمة الحيز الكبير في أداء وزراء الفريق الواحد لاسيما وان الحزب القومي بقي بعيداً عن التركيبة وصدرت مراسيم للحكومة من دونه!

وما يقال عن القوميين، قيل أيضاً عن <الحزب الديموقراطي اللبناني> برئاسة النائب طلال ارسلان الذي عمل على أن تكون حصته الحكومية وازنة بعيداً عن حسابات الآخرين من الحلفاء وبدا كمن لا يرى إلا نفسه في الساحة السياسية لكنه سلّم أخيراً بحصة للوزير السابق وليد جنبلاط بدعم من بري. كل ذلك يدل أيضاً على ان <الزواج> داخل حكومة الرئيس دياب لن يكون زواجاً سعيداً لأن كل طرف سيحاول اثبات دوره وحضوره على غيره وإن كانوا ينتمون جميعهم الى خط واحد.

وتقول مصادر سياسية متابعة انه إذا كانت البداية هكذا فكيف ستكون الأيام الآتية على الحكومة العتيدة في ظل صراعات داخلية تنهشها حتى العظم بدليل ما رافق مفاوضات التأليف من عقد وصعوبات بذل <الأب الأكبر> لكل هذه المكونات، أي حزب الله، الكثير من الجهد والتعب للحد من <حرب الأخوة> على المقاعد الوزارية اذ بدا حزب الله، مرة أخرى، ممسكاً بالمبادرات من جهة وبالحلول من جهة أخرى، ولم يشأ أن يترك حلفاءه <يتقاتلون> على مقعد من هنا ومقعد من هناك، فسارع في كل مرة الى رأب الصدع ومحاولة لم الشمل وقد استهلك ذلك الكثير من الجهد والتعب و<التضحيات>، لكن الأكيد في كل هذه المراحل، اصرار قيادة المقاومة على عدم تحقيق الغلبة لأي فريق من فرقائها على الفريق الآخر فأقامت توازناً قل نظيره بين حلفاء الصف الواحد، ونجحت في معركة <الاحجام> التي ظلت متناسقة مع الواقع السياسي والشعبي لكل حليف.

دور مؤثر لـ<الثنائية الشيعية>!

ولم تكن قيادة حزب الله وحدها في هذه المواجهة، بل كان <الرفيق> الدائم الرئيس نبيه بري متأهباً دوماً للتدخل عند الضرورة، وهذا ما حصل بالفعل إذ لم يتأخر في نصرة رفيقه في <الثنائية الشيعية> التي ظهرت في خلال معركة تشكيل الحكومة كتلة متراصة لا مجال لأي اختراق فيها أو خلل، فاللغة كانت واحدة، والأداء كان واحداً، وكلمات السر التي تنقل فيها <الخليلان> الوزير السابق علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل كانت صادرة من مكان واحد وبالتنسيق الدائم بين <السيد> و<أبو مصطفى>، وقد نجحا في تدوير الزوايا وأظهرا قدرة مميزة على اجتراح الحلول حيناً وفرضها أحياناً، بالاقناع تارة وبـ<المونة> تارة أخرى… وسحب الرئيس بري <أرانبه> مرة بعد مرة على أمل ايجاد الحل المناسب…

بالنهاية، لقد شكلت مواقف أفرقاء اللون الواحد خلال معركة تشكيل الحكومة <صدمة> نتيجة الخلافات التي برزت حول توزيع الحصص والحقائب، ما يؤشر الى مستقبل قاتم إذا ما استمرت العلاقات داخل الحكومة العتيدة كما كانت خلال فترة تشكيلها حيث انتزع <الحزب> لغماً بعد الآخر من الرفاق في <8 آذار> وكان <كاسحة ألغام> ستبقى مستنفرة في الآتي من الأيام لأن الرسالة تُقرأ من عنوانها، وما ظهر خلال السعي الى تشكيل الحكومة لا يطمئن الى ان <الرفاق> لن يتقاتلوا من جديد ما يعني ان <جهوزية> محركات الاطفاء ستبقى قائمة ليلاً نهاراً، خصوصاً ان حكومة الرئيس دياب لن تعيش ترف الحكومات السابقة نتيجة استمرار <الحراك الشعبي> بشكل أو بآخر، علماً ان لا مجال للقول إن <الثورة> حققت أحد أبرز أهدافها، ذلك ان بين <الثوار> ومطالبهم، وما يمكن أن تكون عليه حكومة الرئيس دياب، مسافات طويلة من التباعد والحواجز والعوائق التي لن تزول بسهولة، فكيف إذا كان <دود الخل منه وفيه>؟!