15 July,2020

حكومة دياب.. إكرام الميّت دفنه

بقلم علي الحسيني

الرئيسان السوري بشار الأسد والأميركي” دونالد ترامب” وثالثهما “قانون قيصر”.

 لا شيء يوحي في لبنان بأن الأمور ذاهبة نحو الأحسن والأفضل، فكل ما هو حاصل اليوم يؤشّر أن الإنهيار قريب وأن ما ينقص فقط، إتفاق أهل الرأي أن الوضع ميؤوس منه وأن إكرام الميّت دفنه. وإزاء الأوضاع المعقدة على مختلف المستويات وانسداد أفق الحل، تولدت قناعة لدى الجميع بوجوب تغيير الحكومة الحالية بأسرع وقت ومن دون التفكير حتّى في حجم الانعكاسات السلبيّة، فلا وعود وأوهام الضخّ المالي ستُترجم على أرض الواقع، ولا العقوبات التي ستدخل لبنان على جواد “قانون قيصر” يُمكن تأجيلها أو المُراوغة بها.

لا عمر طويلاً للحكومة

 كل ما يحصل يوحي بأن الأجواء السياسيّة والاقتصادية الحاصلة لا تُبشّر بطول عمر الحكومة خصوصاً وأن المؤشرات تدل على أن تسويّة أو طبخة سياسيّة ما يعمل عليها من خلف الكواليس من شأنها أن تُبصر النور

الوزير السابق النائب جبران باسيل.. طموح غير محدود

خلال الشهرين المقبلين، وتتعلق هذه التسويّة بحكومة إنقاذ أو ما يُشبه “خليّة أزمة” علّها تتمكن من إستعادة الإمساك بزمام المبادرات المالية والإقتصادية، ولو أن المؤشرات كُلّها لا توحي بحصول معجزة خصوصاً في ظل الطاقم السياسي الحاكم. من هنا علّق مصدر وزاري رفيع على ما يجري اليوم، بأن الحالة العامة في البلاد تسير عبر المُسكّنات والمساكنات، لكن هذا الحال لن يدوم طويلاً خصوصاً إذا ما نظرنا بعين واضحة لكل ما يجري من حولنا وتصديق مقولة “عندما تبدأ مصالح الدول تسقط مصالح الأفراد”.

 وعلى الرغم من التناقضات التي كانت تجمع بين أركان الحكومات السابقة، إلّا أنها كانت اتخذت قرارات حاسمة في لحظات مفصلية، بخلاف هذه الحكومة التي يفترض بها أن تكون متآلفة بحسب بيانها الوزاري الذي لم يُطبّق منه شيء سوى أنها أقرّت التعيينات، لكن على قاعدة “مرقلي تمرقلك”. والحقيقة أن أزمة الحكومة الحالية هي من أزمة العهد وأصحابه، ومشكلة “الحلفاء” المفترضين مع العهد، هي في عدم تنازل أركانه عن أي مطلب يريدون تحقيقه، ما يعني أن المشكلة الكامنة في الأصل في العقلية لم تتغير لا في مرحلة ما بعد 17 تشرين الاول (اكتوبر) الماضي، ولم تلن حتى في معرض أزمة “كورونا” وتفشي الوباء القابل للإطاحة بكل شيء.

الأميركي الحاضر.. دائماً وأبداً

رئيس الحكومة السابق سعد الحريري..هل يعود؟

 كان البعض اعتقد بعد إنجاز التعيينات المالية وخصوصاً تعيين نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة وتغيير أحد الأسماء المدعومة أميركياً وهو محمد بعاصيري، أن الوقت ملائم لاستكمال توجيه رسالة قاسية للإدارة الأميركية من خلال إقالة رياض سلامة لولا عودة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي إلى التنبيه من تحميل شخص واحد مسؤولية فساد “كلّن يعني كلّن” في خلال زيارة إلى قصر بعبدا استبق فيها جلسة مجلس الوزراء، وتأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري “أننا بحاجة الآن إلى كل الناس وليس للاستغناء عن الناس” إضافة إلى اعتبار الرئيس سعد الحريري أن “التهويل بإقالة سلامة جنون اقتصادي وسياسي ودستوري سيذبح الاقتصاد”.

 في ضوء هذه الوقائع، بدا أن المتحمّسين لتغيير سلامة خفّفوا اندفاعتهم القوية في الفترة الأخيرة، ولو مؤقتاً، وذلك بعد استحصالهم على مطلب ضخّ الدولارات في السوق، ولاسيما أنهم استمعوا إلى وجهة النظر القائلة إن أي بديل عن رياض سلامة في حاكمية مصرف لبنان لن يستطيع إدارة الظهر لما تطلبه الولايات المتحدة من التزام بالعقوبات، وأي إجراء مماثل بإقالته سيُدخِل البلاد في مجهول وسيستدعي مخاطر إضافية على النقد. وفي السياق تؤكد مصادر مقربة من “بيت الوسط” لـ”لأفكار” أنه إذا كان حاكم مصرف لبنان تجاوز مرة جديدة قطوعاً هو الأصعب، فإن ما تعرّض له من ضغوط كبيرة من فريق 8 آذار لضخّ الدولار في السوق هو بمثابة قرينة براءة له من التهم التي كانت تُكال له من الفريق ذاته عن رضوخه للطبقة السياسية السابقة وتنفيذ قراراتها بدل رفضه لتنفيذ تلك القرارات.

المنقذ اسمه نبيه بري

الرئيس نبيه بري والتحذير الأخير

 تصبّ المعطيات كلها، في أن الرئيس بري يحبّذ  بقوة  قيام حكومة وحدة سياسية في هذه المرحلة وعودة الرئيس سعد الحريري الذي بات المعبر الوحيد الى الخارج لتأمين المساعدات، اي حكومة تكنوقراط لا يشارك فيها لا “حزب الله” ولا “التيار الوطني الحر”، ليتمكن من تسويقها لدى الدول المانحة وصندوق النقد والبنك الدوليين لتأمين السيولة اللازمة لانقاذ لبنان مالياً واقتصادياً، إلا أن المصادر تكشف أن العقبة الأساس في السير في هذا الاتجاه، لا تزال في الاصرار على توزير النائب جبران باسيل لتدعيم موقعه قبيل الاستحقاق الرئاسي، ووفق معادلة “باسيل والحريري معاً في الحكومة او معاً خارجها.

المؤكد أن الوضع في لبنان كاد أن يتدحرج نحو المجهول لو لم يبادر الرئيس بري إلى التدخل لوقف حملة رئيس الجمهورية ميشال عون، ومعه رئيس الحكومة حسان دياب، لإقالة رياض سلامة، لأن هناك حاجة كما تقول مصادر وزارية ونيابية “للافتداء به” لتنفيس الاحتقان في الشارع احتجاجاً على انهيار سعر صرف الليرة، بصفته المسؤول المؤتمن على سلامة النقد الوطني. وتؤكد مصادر نيابية أن الرئيس بري الذي كان انتقل الاسبوع المنصرم من منزله في مصيلح في جنوب لبنان، إلى بعبدا، بواسطة مروحية تابعة لسلاح الجو في الجيش اللبناني للمشاركة في الاجتماع الذي جمعه بالرئيسين عون ودياب، قبيل انعقاد الجلسة الثانية لمجلس الوزراء، كان قد أمضى ليل الخميس على تواصل مع جميع المعنيين لقطع الطريق على إصرار رئيسي الجمهورية والحكومة، ومن خلالهما النائب جبران باسيل، على الإطاحة بسلامة لإعفاء الحكومة من تحميلها مسؤولية الانهيار المالي، وبالتالي دعوتها للاستقالة.

 ولفتت المصادر إلى أن مجرد التركيز على سلامة، والتعامل معه وكأنه المسؤول الأول عن انهيار العملة الوطنية، ما هو إلا محاولة للهروب إلى الأمام، لصرف الأنظار عن حالات الإرباك والتخبُّط الناجمة عن أداء الحكم والحكومة. وقالت إن المسؤولية لا تقع على سلامة دون الآخرين الذين لا يعترفون بأن البلد يمر في حالة استثنائية قاهرة تستدعي المجيء بتعيينات فوق العادة، بدلاً من تلك التي صدرت، ويراد منها محاصرة سلامة مالياً ومصرفياً لدفعه إلى الاستقالة، وإلا فلا مفر من إقالته.

أين البديل عن حكومة دياب؟

رئيس الحكومة حسان دياب..متى الرحيل؟

 تخلص القراءات السياسية في الكواليس إلى أن حكومة دياب لن تصمد لأكثر من شهرين أو ثلاثة على أبعد تقدير، بسبب صراعات مكوناتها واستمرار الضغط الدولي، وانعدام قدرتها على اتخاذ أي قرار أو الإقدام على أي خطوة. هنا يبقى السؤال: وماذا بعد؟ وهل سيكون هناك وارد لاستقالة الحكومة من دون الاتفاق على حكومة بديلة؟ تجيب مصادر متابعة، أن الوضع سينفجر بشكل لا يمكن ضبطه أو الحدّ منه، ولن يكون لأحد السيطرة عليه. لبنان سيكون حينها أمام خيار من اثنين، إما الفوضى العارمة التي لا تبقي ولا تذر، وإما الذهاب إلى تشكيل حكومة جديدة ومن بين الخيارات مطروح حكومة عسكرية، حكومة كان قد حكي بتشكيلها بعيد انفجار ثورة 17 تشرين، تضم عسكريين حاليين وسابقين وقضاة وربما أساتذة جامعيين.

 وعلى نقيض مخالف تماماً للدعوات أو التهليل لقيام حكومة عسكريّة تكون بديلة عن الحكومة الحالية، تؤكد مصادر وزارية بارزة لـ”الأفكار” أنه ليس غريباً أن يرى الجميع في ​المؤسّسة العسكريّة ملاذاً أخيراً لانقاذ لبنان، ولكن أن يتم الترويج للتشكيلة العسكرية ووضع اسماء ضباط حاليين ومتقاعدين لتولي الوزارات، وكل ذلك دون وجود أي نيّة او حتى تلميح من ​قيادة الجيش​ أو أي ضابط فيها حول إمكان البحث في تولي حكومة عسكرية الاوضاع في لبنان، فهو أمر تخطّى المنطق والواقع.
وتُضيف المصادر: ليس مسموحاً او مقبولاً رمي “قنبلة متفجرة” ولو سياسياً في وجه المؤسّسة العسكرية ومطالبتها بحل كل العقد المستعصية، وايجاد الحلول التي ترضي الجميع في وقت قصير، خصوصاً في ظل الضغط الشعبي الحاصل والذي لم يشهده لبنان سابقاً.

أين يقف “حزب الله”؟

السيد حسن نصرالله يؤيد الحكومة الحالية

خلال إطلالته الأخيرة شدد الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله على أن الحديث عن استقالة ​الحكومة أو إسقاطها ليس له أساس من ​الصحّة وهو من الشائعات، ونحن لم نفكر بشيء من هذا ولم نسمع عنه ولم يعرض أو يقترح أو يناقش، وعندما حصلت بعض الاحتجاجات على ارتفاع سعر صرف الدولار وأعمال العنف في بيروت وطرابلس، حمل البعض الثنائي الشيعي المسؤولية وقال إنهما يريدان إسقاط الحكومة وقبلها كانوا يقولون إن هذه حكومة حزب الله، فهل حزب الله غبي لإسقاط حكومته؟.

وأضاف: هذا دليل حيرة وعبث، والمصلحة أن تستمر الحكومة وأن تبذل ما أمكن من جهود فالواقع لا يتحمل أي تغييرات، ودائماً ندعو الى التهدئة والابتعاد عن الاحتقان، ويجب أن ندعم خطوات التقارب وجمع الشمل مثلما جرى في عين التينة برعاية الرئيس نبيه بري وحضور القيادات الدرزية بعد الأحداث التي عصفت بالجبل، وأي خطوات مشابهة على أي صعيد أمر مهم جداً وأي مبادرات يجب أن تشجع وأن يعمل على إنجاحها وإخراجها من بازار المنافسات.

 في المقابل فإن مؤشرات عاصفة “قانون قيصر” التي يُجمع بعض الخبراء على أنها ستُصيب بمقتل النظام وحلفاءه، بدأت تظهر في الأجواء السورية منذ فترة من خلال معطيات داخلية سياسية مرتبطة بالخلافات المستجدّة بين اهل الحكم، تحديداً بين الرئيس بشار الأسد وابن خالته رامي مخلوف، وميدانياً عبر التظاهرات التي خرجت في مناطق دروز الجولان في المنطقة المحتلة دعماً لتظاهرات أبناء السويداء ودرعا المطالبين بسقوط النظام، إضافة الى شعارات تُطلق للمرّة الاولى بعنوان “إخراج إيران من سوريا”. وهنا يرى البعض أن حزب الله  قد يُمرّر هذه العاصفة بأقل الأضرار المُمكنة ومن بين هذه الأضرار الاستغناء عن حكومة دياب، والذهاب الى خيار حكومة جديدة تنال رضا الثورة والدول الخارجية وتحديداً أميركا.