22 January,2021

تعطيل داخلي على إيقاع تطبيل خارجي

بقلم علي الحسيني

 

الرئيس سعد الحريري والنائب جبران باسيل .. التأليف عالق بينهما

الواضح ان عملية تشكيل الحكومة قد وصلت إلى مكان يُمكن وصفه بمكانك راوح، فلا المساعي الداخلية أوصلت المعنيين إلى نقطة تفاهم أو التقاء، ولا المؤشرات الخارجية أوحت للداخل بضرورة إنهاء الملف. من هنا فإن كُل ما يُطرح بين جدران بعبدا وعين التينة و”بيت الوسط” وحارة حريك، يبدو انه ليس سوى تفصيل صغير أمام التحوّلات الخارجية وخصوصاً الاشتباك المتشعّب على المحور الأميركي ـ الإيراني.

صراع الخارج على حلبة الداخل

اليوم وبعد مرور ما يُقارب الشهر على تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، يبدو واضحاً أن التعقيدات العالقة بين مطالب الداخل وتريّث الخارج، ما زالت تتحكّم بالتأليف وتضبط إيقاعها على الجميع من دون استثناء، والأبرز أن الكلام عن ضغوطات مورست على الحريري للقبول بالدخول بتسوية سياسية تُعيده الى داخل اللعبة وإدارتها مع البقيّة، سقطت هي الأخرى بعد الفراغ الدبلوماسي الذي خلفته السفارتين السعودية والإماراتية بغياب سفيريهما، أوّلاً احتجاجاً على ما آل اليه التأليف، وثانياً بعد هيمنة حزب الله الواضحة على القرار السياسي في البلد.

وسط هذه الأجواء المشحونة يتبيّن أن الصراع الأميركي ـ الإيراني على الحلبة اللبنانية، تدفع اللبنانيين بكل تلاوينهم الطائفية والحزبية، للجزم بأن غدهم لن يكون أفضل من الأيام التي مرّت، وأن ما عانوا منه طوال الأزمنة الفائتة، قابل للتكرار على أكثر من صعيد وآخرها تفجير المرفأ حيث الهاجس الدائم يسكنهم خشية تكراره في مكان آخر. والمشكلة أن صراع هاتين الدولتين لا يُضعفهما كما لا يضعف حلفاءهما اللبنانيين، بل هو أضعف الدولة إلى حد أرتد سلباً على المواطن بحيث لم يُترك له الخيار في تقرير مصيره حتّى وجد نفسه مُجدداً تحت تأثير حزبه وطائفته.

حزب الله الغائب عن مسرح التأليف

حزب الله .. دولة مصغرة أشبه بإمارة.

المؤكد ان مشكلة التأليف، تنحصر بين الرئيس المُكلّف سعد الحريري ورئيس “التيّار الوطني الحر” جبران باسيل. وربّما من المرّات القليلة التي يَغيب فيها حزب الله عن المشهد السياسي المعني بعملية تشكيل الحكومة أو رُبّما يُغيّب نفسه، بحسب ما يرى البعض من خلال تقييمه للمشهد السياسي الحالي في البلد. وإذا كان سبب الخلاف بين الحريري وباسيل مبنيّ على غياب التفاهم بينهما بغض النظر عن “العشق” السياسي الذي كان ربطهما سياسيّاً في مرحلة سابقة، إلّا أن البعض نفسه يربطه بالـ”حزب” من خلال وصفه بـ”بالمايسترو” الذي يقود فرقة التعطيل، وهذه المرّة من وراء الستار وليس على مسرح الحدث وأمام الجمهور كما درجت العادة.

من جهته، ينفي حزب الله على الدوام أي كلام يتعلق بسيطرته على لبنان او حتّى على عملية التأليف الحكومي وفرض هيمنته على كيفية إدارتها، سواء مع بداية تأليف حكومة الرئيس حسّان دياب، أو خلال مهمة الحريري الحالية، لكن في المقابل ترى جهات سياسية لبنانية بارزة أن الوقائع تُثبت عكس هذه الإدعاءات، فالحزب الذي برأي هذه الجهات يتحكّم بغرفة عمليات قوامها مجموعة من حلفائه، يعود له الأمر الأوّل والأخير في القرارات التي تصدر خصوصاً وأنه الجهة المسؤولة عن تمويل هؤلاء، أو غض الطرف عنهم، لنهب البلد وبالتالي إفساح المجال أمامهم لارتكاب كل هذه “الجرائم” المالية والاقتصادية.

وعلى خط انتظار التأليف هذا الذي قد يطول إلى فترة زمنية تتجاوز الثلاثة أشهر بحسب المصادر، فهي ترى أنه خلال هذه الفترة سيُحاول “الحزب” وحلفاؤه في “غرفة العمليّات”، نسف اتفاق الطائف واستبداله بـ”عقد سياسي جديد” يقوم على عناوين وشعارات جذّابة، لكن مضمونه سيحتوي مُخطّطاً يهدف إلى تدمير الاقتصاد اللبناني تمهيداً لتغيير هوية لبنان ووجهه الإقتصادي الحر لأسباب نعلمها جميعاً لها علاقة بالمشروع الإيراني في المنطقة.

“الحزب”: نحن هنا

مجلس الوزراء .. الفراغ القاتل

من نافل القول، إن حزب الله قوّة سياسية محليّة لا يُستهان بها، وقوّة عسكرية إقليمية بات يُحسب لها الف حساب والدليل إنشغال العالم به وبسلاحه الذي يُشكّل خطراً بحسب الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، على الساحتين الداخلية والخارجية. ويتوافق مع هذا الرأي جزء غير قليل من اللبنانيين. حتّى من هم داخل “الحزب”، لم يكونوا يتوقّعون أن يصلوا في يوم من الأيّام إلى القوّة التي هم عليها الآن وأن يُرصد مليارات الدولارات لضربه أو عزله.

أمّا السؤال حول أسباب الغياب العلني لحزب الله عن واجهة الحدث السياسي وأن يُصبح اقرب إلى التهدئة خصوصاً بعد حصوله على مراده في “التوزيعة” الحكوميّة، والاكتفاء بدور المتفرّج عن بعيد والناصح والداعم لوحدة الموقف، يُجيب عليه الحزب نفسه بأن لا شيء يُشغله سوى مصلحة البلد ومحاولة التقريب في وجهات النظر، سواء في العلن أو في الخفاء لما فيه مصلحة ذاتية، ومنفعة وطنية خصوصاً في ظل الحملات التي تواجهه، العسكريّة منها والسياسيّة. وبرأي “الحزب” أن تفويت الفرصة على الخارج لتعكير التوافق السياسي وتعطيل إنتاج الحكومة، لا شك أنه يُضعف الجميع ويضعهم في خانة الاستهداف، وهو امر خبرته “المقاومة” سابقاً بعد ان نجحت في العام 2006 لأسباب كثيرة منها التأييد الواسع الذي حظيت به بين اللبنانيين بمعظم طوائفهم.
وبحسب “الحزب”، فإن العقوبات الخارجية والحصار المالي الذي يتعرّض له منذ سنوات بالإضافة إلى الوضع الاجتماعي والصحّي العام في البلد، كان لها تأثير كبير على طبيعة عمل الحزب، لكنه لم يترك أي أثر على بنية “المقاومة” وجهوزيتها لا في لبنان، ولا في أي بلد يوجد لها فيه وجود.

الخصوم: لهذه الأسباب يغيب حزب الله

الرئيسان الاميركي دونالد ترامب والايراني حسن روحاني … صراع على الحلبة اللبنانية

على المقلب الآخر، لم تُقنع هذه “الحجج” خصوم حزب الله  وبالتالي فهم يصفون إنشغاله هذا على أنه امتداد لسياسة “حياكة” السجّاد الإيراني التي يُمكن ان تطول لسنوات في سبيل الوصول الى النتيجة المرجوّة. لذلك ثمّة ما هو أهم بالنسبة اليه من موضوع التأليف، وهو بناء دولته الخاصة التي بدأ يبنيها على “أنقاض” الوطن الذي تسبّب هو بانهياره. ويذهب الخصوم إلى أبعد من مجرّد إتهام، إذ يصفون إغراق حزب الله الأسواق والمؤسسات ضمن المناطق التي يُسيطر عليها، بالبضائع الإيرانية وإنشاء المؤسسات التجارية الخاصّة به واعتماد مجموعة من البطاقات الطبيّة والتوفيرية، بالأمر الخطير الذي يُهدد ما تبقّى من أُسس الدولة ومؤسساتها. والأبرز فقدان العملة الصعبة في كل لبنان، ما عدا مؤسّسة “القرض الحسن”.

وحول التقرير الذي كان نشره موقع “الحرّة” منذ أيّام تحت عنوان “حزب الله يقسم لبنان إلى بقع عسكرية”، يلفت خصوم “الحزب” الى أن الأخير من الآن ولغاية أقل من سنة، سيكون جاهزاً لإعلان دولته الخاصة على امتداد المساحات التي يحتّلها في لبنان والتي ستكون امتداداً لتلك التي احتلها بقوّة سلاحه في الداخل السوري. وكل المعلومات والتقارير تؤكد أن مدينة “القصير” السورية أصبحت تابعة له بالكامل، وقد سبق أن رفض عودة أهاليها، على الرغم من الدعوة التي وجهها لهم الرئيس السوري بشّار الأسد.

هل أدت العقوبات غرضها؟

منذ أشهر قليلة، نشرت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية تقريراً حول وضع لبنان ومدى تأثير الصراع الأميركي ـ الايراني عليه، فاعتبرت أن زيادة الضغوطات الأميركية عليه “أتاحت فرصاً أكبر لإيران لممارسة سلطتها والتأثير على دولة في طور التفكك، الأمر الذي لن يتم بالضرورة عن طريق الحكومة الإيرانية، بل من خلال حزب الله الذي تعهد “ألا يترك شيعة لبنان يموتون جوعاً”. ومن هذه النافذة يعود خصوم “الحزب” ليكشفوا عن أن “مخازن النور” وبطاقات المساعدات الغذائية والاستشفائية وتطوير عمل مؤسسة “قرض الحسن”، جميعها امور تدل على أن كل ما يحصل هو نتيجة عمل مُمنهج، يصبّ لصالح “الحزب”. وقريباً قد نُشاهد دولة مصغّرة أشبه بإمارة تحت إشراف “الحزب” تُدار من ايران.