26 February,2020

تعزيز الاجراءات الأمنية على المقرات الديبلوماسية وتشديدها حول السفارة الأميركية وقاعدة حامات!

على رغم المعطيات التي تشير الى ان قصف إيران للقاعدة الأميركية في العراق الأسبوع الماضي وقصف السفارة الأميركية في العاصمة العراقية في اليوم التالي شكلا معاً الرد الإيراني المتوقع على اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس <الحشد الشعبي> في العراق أبو مهدي المهندس، فإن ثمة من يعتقد بأن الرد المزدوج في يومين متتاليين ستليه ردود أخرى من نوع آخر يتطلب تحضيره وقتاً وتوافر فرص، وان <الانتقام> لم يحصل بعد، وان ما حصل هو مقدمة لامتصاص فوري لنقمة الشعب الإيراني على اغتيال سليماني. والمخاوف التي يشعر بها الأميركيون في العالم مبررة لاسيما وان المسؤولين الإيرانيين على اختلاف مستوياتهم تحدثوا مطولاً عن ردود على جريمة الاغتيال المزدوجة تقتصر على الأميركيين، والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله حصر الرد بالعسكريين الأميركيين وبالقواعد العسكرية خصوصاً في الدول العربية.

وإذا كانت الدول المعنية مباشرة بـ<الرد الانتقامي> بدأت اجراءات احترازية ووقائية تحسباً لاي ردود تستهدفها، فإن المقرات الديبلوماسية في بيروت تعيش لحظات ترقب مقلقة ما دفع العديد من سفارات الدول الغربية الى مراسلة الأجهزة الأمنية والبحث في امكانية تعزيز الحراسات على مقراتها وأماكن سكن ديبلوماسييها في ظل تسارع الأحداث وتزايد التهديدات. وقد ارتفع منسوب القلق بعد القصف الإيراني لمقر السفارة الأميركية في بغداد وسط مخاوف من أن تدفع المقرات الديبلوماسية ثمن الاغتيال المزدوج. وتجاوباً مع طلب السفارات وتبديداً للقلق الذي انتابها، عززت القوى الأمنية اجراءاتها الظاهرة والمستترة في محيط السفارات وأماكن سكن السفراء، وسُمح لعدد من السفارات باستقدام عسكريين من بلدانها لتعزيز القوى الموجودة في لبنان والتي تتولى توفير الحماية اللازمة للمباني وللأفراد الديبلوماسيين الذين طلب إليهم ملازمة مكاتبهم ومنازلهم وعدم الانتقال منها إلا عند الضرورة.

محيط السفارة الأميركية <ثكنة>!

ولعل الاجراءات الأكثر اتساعاً ودقة كانت تلك التي اتخذت في محيط السفارة الأميركية في عوكر الذي <زُرع> بالعسكريين اللبنانيين من خارج في حين تكثف الحضور العسكري الأميركي في الداخل، لاسيما وان ورشة بناء المقر الجديد للسفارة عند تلة عوكر كانت ناشطة قبل اغتيال سليماني والمهندس، إلا انه، ومن باب الاحتياط، توقف العمل في المبنى الجديد ريثما تخف موجة التهديدات ضد المصالح الأميركية التي لم تكن تشعر بالقلق قبل الاغتيال، لكن بعد تجاوز الأميركيين <قواعد الاشتباك>، دخل نزاع واشنطن في طور تصعيدي جديد مع محور الممانعة ولاسيما مع حزب الله الذي التزم طوال سنوات عدم القيام بأي عمل يستهدف المصالح أو المؤسسات الأميركية في لبنان تحسباً لأي خلافات داخلية أو اضطرابات أمنية ليست من مصلحة الحزب حصولها في الظروف الدقيقة التي يعيشها لبنان عموماً ونظراً للوضع الأمني فيه خصوصاً. وما يقال عن اجراءات في مقر السفارة الأميركية في عوكر، يقال أيضاً عن القاعدة الجوية في حامات (شمال لبنان) التي يستخدمها الأميركيون للتدريب وللانتقال من لبنان وإليه لأن المهبط الجوي تم تطويره بحيث بات يستقبل طائرة الشحن الأميركية التي تنقل ذخيرة ومعدات للجيش اللبناني، إضافة الى اتمام عمليات التبديل للمدربين الأميركيين ورجال <المارينز> الذين يتولون حماية السفارة الأميركية في عوكر وأماكن إقامة الديبلوماسيين الأميركيين.

وكانت قاعدة حامات موضع متابعة دائماً من فريق <8 آذار> الذي كان يطرح علامات استفهام حول ما يجري فيها والاستخدام المتعدد الأبعاد والوظائف، لاسيما وان ثمة من كان يشكو من هذا الفريق من انعدام الرقابة اللبنانية عليها، وغياب ضوابط السلطات اللبنانية في استعمالها، علماً ان هذه القاعدة هي <المتنفس> الحيوي للأميركيين الذين يفضلون استعمالها أكثر من مطار رفيق الحريري الدولي أو قاعدة رياق العسكرية لأنهم ينقلون عبرها الجنود والمعدات خصوصاً ان التنقل بينها وبين مقر السفارة الأميركية في عوكر <آمن> من حيث المعايير الأمنية المطلوبة في حالات مماثلة، خلافاً لما هو الوضع في مطار رفيق الحريري الدولي الذي يعتقد الأميركيون انه يخضع لـ<سيطرة حزب الله> القادر على مراقبة حركة الدخول إليه والخروج منه والتحكم بالطرق الواقعة في محيطه الجغرافي. وكان أكثر من مسؤول أميركي قد أثار مع المسؤولين الأمنيين اللبنانيين ان استعمال مطار خلدة من قبل الجنود الأميركيين الذين يأتون الى لبنان أو يغادرونه سيكون محفوفاً بالخطر وسيعرض حياة هؤلاء للتهديد فكان لا بد من محطة بديلة تأخذ بالاعتبار الظروف الأمنية <الدقيقة> في لبنان.

 

خبراء للتدريب في قاعدة حامات!

 

وترى مصادر متابعة ان وجود قاعدة حامات واستعمالها من قبل الأميركيين يرتبطان خصوصاً ببرنامج التدريب القائم بين الجيشين اللبناني والأميركي في إطار التعاون القائم في المجالات العسكرية، لاسيما وان الجيش يستعمل أساساً العتاد الأميركي على أنواعه ما يتطلب استمرار التدريب عليه وإقامة الدورات وتنقل خبراء عسكريين أميركيين بين لبنان والولايات المتحدة الأميركية. واستعمال قاعدة حامات لم يحصل في عهد قائد الجيش العماد جوزف عون بل كان قبل تعيينه ووفق اتفاق أمني مسبق كان قائماً واستمر في عهد العماد عون لاسيما في ظل غياب بدائل حقيقية لبرنامج التعاون مع الجيش الأميركي، اذا ما استثني برنامج المساعدة البريطانية في بناء أبراج المراقبة على طول الحدود مع سوريا والتي أثبتت فعاليتها في مراقبة حركة التنقل عبر الحدود وخصوصاً في مكافحة التهريب.

وتقول المصادر نفسها انه ليس في مقدور لبنان حالياً تغيير برامج التدريب مع الأميركيين طالما ان سلاح الجيش أميركي الصنع وليس هناك من تفكير في الوقت الراهن لتغيير أو تنويع روافد التسليح الأميركي للجيش الذي يبقى قراراً سياسياً ليس من الممكن البحث في تغييره في الوقت الراهن، علماً ان الجيش اللبناني، بشهادة المسؤولين العسكريين الأميركيين، أثبت خلال التدريبات المشتركة والمناورات المتتالية قدرة قتالية مميزة تحرص الوفود العسكرية الأميركية التي تزور لبنان على التأكيد عليها وعلى ابلاغ المسؤولين اللبنانيين هذه الملاحظات الايجابية. غير ان ذلك لا يلغي تصميم القيادة العسكرية اللبنانية على قبول أي مساعدات أو هبات ترد من دول صديقة وتكون غير مشروطة، كما ان في برنامجها تفعيل التعاون العسكري مع فرنسا وايطاليا لاسيما في مجال تطوير سلاح البحرية من خلال شراء معدات جديدة له هي حالياً موضع نقاش بين المسؤولين العسكريين اللبنانيين من جهة والمسؤولين العسكريين في كل من فرنسا وايطاليا، غير ان التواصل الذي تكثف قبل أشهر، لاسيما خلال زيارتي وزيري الدفاع في كل من فرنسا وايطاليا، جُمد مثل غيره بعد أحداث 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي ودخول البلاد في أزمة اقتصادية ومالية تركت بصمات قاسية على الوضع العام في البلاد.

في أي حال، يعمل المسؤولون اللبنانيون على تبديد أي قلق يمكن أن ينتاب البعثات الديبلوماسية العاملة في لبنان من خلال التجاوب مع طلباتها لزيادة الحماية في مقرات السفارات وأماكن إقامة الديبلوماسيين، وتطبيق خطة أمنية استبقاية <تريح> هؤلاء الديبلوماسيين الذين تعهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بتوفير الحماية لهم ومنع أي اعتداءات عليهم، وهو أبلغ ذلك الى عدد من الديبلوماسيين الذين زاروه ونلقوا إليه قلق البعثات الديبلوماسية، وكان آخرهم المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان السيد <يان كوبيتش> الذي سمع من رئيس الجمهورية كلاماً مطمئناً نقله الى زملائه الديبلوماسيين وعاد منهم بانطباعات ايجابية كانت موضع ترحيب الجانب اللبناني الذي أكد على ان لا داعي للخوف أو القلق لأن الوضع الأمني <ممسوك> لاسيما في ما خص سلامة الديبلوماسيين ومقراتهم. ذلك بالاضافة الى تسهيلات قدمها لبنان للبعثات الأجنبية من أجل تعزيز حمايتهم الذاتية من خلال قوى استقدمت في الفترة الأخيرة من عدد من الدول لحماية سفاراتها بالتنسيق مع الجانب اللبناني.