28 October,2020

تسوية التأليف قبل التكليف

بقلم علي الحسيني

 

السراي الحكومي.. وقصة ابريق الزيت.

 لا تزال العُقد التي تحول دون إنضاج تسوية حكومية على حالها، فالجميع يتمتّرس خلف مواقف وشروط لا يرى فيها الطرف الآخر، سوى تكريس لمفهوم الهيمنة والإلغاء السياسي تحت عنوان “حفظ حقوق الطوائف”. لكن من بين الخطوط الحمراء التي يضعها كل فريق في وجه عملية التأليف، كسر الرئيس سعد الحريري حاجز الصمت الذي ساد بعد تراجع حظوظ المبادرة الفرنسية، ليُعلن ترشيح نفسه لتشكيل حكومة، يرى أنها الفرصة الأخيرة لإخراج لبنان من مآزقه.

الحريري ينشط على خط التأليف

نشطت مطلع الاسبوع الحالي مشاورات التكليف بعدما خرق الحريري جمود الاستحقاق الحكومي بإعلان ترشيحه لخوض المُهمّة الصعبة، متكئاً على المبادرة الفرنسية ودعم رئيس مجلس النواب نبيه بري للمساهمة في تدوير زوايا الإنقسام حول شكل الحكومة، لكن وسط هذا الضجيج الحاصل داخل البيت اللبناني الواحد، يبدو في أكثر من مكان، أنه ليس سوى تفصيل صغير بالنسبة إلى دول الخارج، بحيث تغيب كُليّاً المؤشرات الإيجابيّة الأميركية والإيرانية، بالإضافة إلى المبادرة الفرنسية التي يبدو أنها هي الأخرى، بدأت تُلامس حدّ لفظ أنفاسها الأخيرة خصوصاً بعد تكليف سيّد الإليزيه، الحريري بإدارة الدفّة في الوقت الراهن.

الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصر الله.. التمسك بالقرار الشيعي.

 وعلى الرغم من ان “الثنائي الشيعي” لا يزال على موقفه وثوابته تجاه تمسكه بتسمية وزير المالية أو إعطاء لائحة للرئيس المكلف يختار منها، وتمسكّه أيضاً بتسمية الوزراء الشيعة الثلاثة، وبالاتفاق على برنامج الحكومة، تؤكد مصادر سياسية أن “الثنائي” لن يتبرّع للحريري ما حجبه سابقاً عن الرئيس المكلف السابق مصطفى أديب وخصوصاً لجهة “حزب الله” المُتمسّك بعدم السير بكل ما يطلبه صندوق النقد، فيما الحريري لن يتردد في المضي قدماً بالخصخصة.

تفنيد واقع الزعامات والأحزاب

 سياسيّ عريق يُفنّد الواقع اللبناني المأزوم ويضع الأمور في نصابها من وجهة نظره، لجهة قراءته السياسية، إنطلاقاً من تسميته الأطراف المُعرقلة، كل منها بحسب قدرتها التعطيلية، أو لجهة تماهي هذا الطرف مع الطرف الآخر سواء من مبدأ الدعم على قاعدة التحالف السياسي والانتخابي، أوعلى خلفية التقاء المصالح. ودائماً ما تكون عملية تحسين الشروط، حاضرة سواء خلال النقاشات والمشاورات المُباشرة، أو من خلال المواقف الاعلامية التي تُطلق، وآخرها تصريحا الحريري ورئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط.

 بالنسبة إلى رئيس الجمهورية ميشال عون، فبرأي المصدر السياسي أنه مع تحجيم “الثنائي الشيعي” في مكان ما، سواء في التمثيل أو في الشروط التي يطرحها ولكن ليس في العلن، ولذلك تقصّد تحديد موعد

الرئيس ميشال عون والنائب جبران باسيل.. والموضوع عن الصهر.

للإستشارات النيابية من دون العودة الى أي جهة واضعاً الجميع من خلال هذه الخطوة، أمام مسؤولياتهم من أجل الاتفاق على اسم مُحدّد لقيادة عملية التأليف. وبالفعل، فقد أحرجت هذه الخطوة حليفه “حزب الله” كونه كان يأمل أن تتم هذه الخطوة بالتنسيق معه، ريثما يتسنّى له دراسة كل الجوانب التي تُتيح له، حصد غلّة وافرة في عملية توزيع الحقائب إلى جانب حلفائه.

 أمّا بالنسبة إلى كل من حزب الله وحركة أمل المتّهمين أكثرمن غيرهما بالوقوف وراء تعطيل أي تسوية حكومية، يعتبر المصدر السياسيّ أن الأمور أصبحت مكشوفة للعلن، فالثنائي يُريد وزارة المال من حصة الطائفة الشيعية بالإضافة الى تسميته الوزراء الشيعة وذلك في سبيل تأمين توقيع له، يوازي توقيعَي رئيسَي الجمهورية والحكومة. أمّام طلب حزب الله على وجه التحديد، فيرى السياسي أنه يسعى الى تمثيل كل القوى السياسية الفاعلة والوازنة في الحكومة بهدف تأمين غطاء أوسع مع الحلفاء، اولاً لاستمرار شرعيته السياسية، وثانياً لمواجهة المشاريع التي تتناقض مع طروحاته وخياراته.

ماذا عن “المستقبل” و”القوّات” ؟

وعلى ضفّة الرئيس سعد الحريري، فهو حتّى اللحظة يجد نفسه حرّاً الى حد ما باتخاذ القرارات التي يراها مناسبة لوضعه السياسي وأيضاً في الطريقة التي طرح فيها نفسه كرئيس حكومة مُحتمل، مع الأخذ بعين الاعتبار إلى حدّ ما،الخطوط الحمر التي يضعها الأميركي والسعودي. ويبدو أن هذين الاخيرَين يُفضلان التريث لبعض الوقت في عملية التأليف ريثما تتوضح نوايا الجانب الإيراني خصوصاً وأنه ينتظرما يُمكن أن يُقدمه الايراني وحزب الله معاً مقابل رفع العقوبات بعد أن نال دفعة على الحساب من خلال ترسيم الحدود، وأما السعودي، فهو يُراهن على إخلال الايراني بالإتفاقات ونكثه بالوعود حتّى يعود كل شيءالى نقطة الصفر.

النائب السابق وليد جنبلاط والدكتور سمير جعجع.. رفع السقوف لتحسين الشروط.

أما على خط القوات اللبنانية، فرئيس الحزب سمير جعجع يُمكن أن يسير بأي اسم لتولي رئاسة الحكومة. هذا ما يؤكده المصدر، لكن شرط ضمان قانون انتخابي برلماني لا يأكل من رصيده النيابي ولا يُشكّل خطراً على حجمه السياسي في المستقبل. وهو يعلم بشكل مُسبق، أن أي تركيبة وزارية لا يُمكن أن تمنحه أكثر من وزيرين أو ثلاث على أبعد تقدير، مع مقعد يُمكن أن يكون نائباً لرئيس الحكومة، الذي هو بطبيعة الحال، مجرد موقع معنوي أكثر مما هو مادي.

كما ينتظر سيد معراب، الإشارات السعودية قبل إعطاء موافقته للمشاركة، وهذه الاشارات لن تصل بالطبع قبل ان تتضح ملامح هذه التوليفة الحكومية.

“الاشتراكي” و”الكتائب”.. بين الحليف والأمر الواقع

بالنسبة إلى رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط، فلا يبدو، أن هناك أي مُشكلة لديه طالما أن هناك شخصاً اسمه نبيه بري داعم له في تحقيق بعض المكاسب الجانبية، في حال اتخذ قراراً بعدم المشاركة، تماماً كما سبق ومكّنه من تحقيق مكاسب نيابية خلال الانتخابات الاخيرة من خلال مساعدته بتجيير الاصوات الشيعية للنائب نعمة طعمة وحجبها عن الوزيرالسابق وئام وهاب. وفي أسوأ الاحوال كما يقول المصدر، يمكن لجنبلاط

النائب سامي الجميل.. القبول بالموجود.

أن يمتنع عن اي مشاركة حكومية في حال لم تكن على مقاسه وهذا ما سبق وحصل في أكثر من حكومة سابقة.

وبحسب المصدر، فإن جنبلاط رفع سقف خطابه ضد الحريري خلال مقابلته على شاشة “الجديد”، ضمن سياسة تحسين الشروط، خصوصاً وأنه حدَّد مطالبه والوزارات التي يطمح اليها ووزراءه مباشرة على الهواء وهو بانتظار تلبية شروطه للصعود الى القطار الحكومي.

أما بالنسبة الى حزب “الكتائب”، فهو مع حكومة مُستقلة مؤلفة من مُستقلين من دون أن يكون فيها أي تمثيل لأي طرف سياسي، والكتائب بموقفه هذا يتماهى مع موقف الثورة. أما في ما يتعلق بموضوع قانون الانتخاب، فيرى المصدر أن الكتائب يعمل جاهداً للوصول الى قانون انتخاب عصري جديد، رغم ادراكه ان هذه السلطة سوف تستخدم هذا الموضوع مطية لتأجيل الانتخابات والإبقاء على ما حققته من مكاسب سياسية وغير سياسية من خلال القانون الحالي، ولكن إذا خُير الكتائب بين خوض الانتخابات على قاعدة القانون الحالي وبين تأجيل الانتخابات، فسوف يخوض بكل تأكيد الانتخابات وفقاً للقانون الحالي.

إذا أخفق الحريري.. هل يعود أديب؟

الرئيس سعد الحريري والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون.. من التكليف الى التأليف.

الصراع الأبرز اليوم يتعلق بهوية رئيس الحكومة المقبل على الرغم من تفرّد الحريري بطرح نفسه بشكل مباشر، أقله في هذه المرحلة. من هنا فإن انضاج اي تسوية ايرانية ـ أميركية سوف تأتي بمرشح توافقي قد يكون الحريري أو النائب السابق لحاكم مصرف لبنان محمد بعاصيري. وفي أسوأ الأحوال، قد يذهب الجميع وبالإتفاق مع الحريري، الى الرصاصة الأخيرة وهي اختيار مُرشّح يتفقون حوله، ومن يدري فقد يكون هذا الاسم، السفير مُصطفى أديب مُجدداً، لكن بـ”لوك” جديد.

هنا توضح المصادر الآتي: حتّى لو تم تكليف الحريري مهمة تأليف الحكومة، فهذا لا يعني على الإطلاق أننا أصبحنا على أبواب التأليف على الرغم من أن الرجل حاول خلال الايام الماضية، جسّ النبض السياسي العام في البلد، لكي يقوم بعملية التأليف قبل التكليف، وقد نجح من خلال الزيارتين اللتين قام بهما الى كل من رئيسي الجمهورية ومجلس النواب، بالحصول على دعم وتأييد، للمضي في مبادرته، ولو انه سيصطدم في مكان ما، بالسد السُنّي المُمثل برؤساء الحكومة السابقين.