21 October,2020

 تأثير تأخير تشكيل الحكومة على الوضع الاقتصادي لاسيما ما يتعلق بثقة المستثمر بالدولة

بقلم طوني بشارة 

 

 يبدو أن المبادرة الفرنسية لتشكيل حكومة انقاذ مصغرة طعمت بالتوابل اللبنانية ، وتسربت الى شراينها  النكهة الطائفية الصرف لا سيما بعد اعلان عقدة المالية. مما  جعل ماكرون من جهة وأديب من جهة ثانية يكثفان اتصالاتهما لإيجاد حل لعقدة التأليف.

 فما أثر تأخير تشكيل الحكومة على الوضع الاقتصادي في لبنان؟ وهل من إمكانية لعودة ثقة المستثمر اللبناني بدولته

صقر والسيناريو الكارثي!

انفجار مرفأ بيروت فاقم الأزمة المالية والاقتصادية.

 بداية مع رئيس مكتب الاتحاد اللبناني لرجال الاعمال في إسطنبول الأستاذ سامر صقر الذي أوضح لنا بأن هناك سيناريو كارثي ينتظر لبنان بحال عدم ‏تشكيل حكومة إنقاذ، محوره الفوضى. سيناريو كما يبدو سيضرب لبنان على مختلف الصعد من امنية، سياسية واقتصادية. كما وشدد صقر على نسب الفقر التي ترتفع يومياً بشكل مخيف، والتي ستؤدّي حكماً إلى مشاكل إضافية. مشاكل تترافق مع إرتفاع نسب الجريمة ‏والسرقة، خصوصاً مع انخفاض قيمة العملة ورفع الدعم الذي ينتظره المواطن قريباً، وبالتالي المس بالأمن الصحي و الغذائي .

*- ماذا ينتظر الدولة في حال عمت الفوضى ، وما مصير سندات الدين؟

– سيؤدي ذلك حكماً الى فقدان الدولة لمصادر التمويل الأساسية ، وبالتالي قد تتخلف أيضاً عن دفع رواتب موظفي القطاع العام بعد ‏فترة لا تتعدى شهر آذار او نيسان كأقصى حد بحال استمر الوضع على حاله‎.‎

وتابع صقر قائلاً:

– أما في حال قررت الدولة التخلف عن دفع سندات الدين، كالتخلّف السابق عن دفع اليوروبوندز‎ “Eurobonds”‎، ‏فأتوقع توجّه دائني لبنان إلى القضاء. مما سيؤدي بطبيعة الحال الى عزل لبنان ، وإستحالة إمكانية الإستدانة ‏مرة أخرى، ناهيك عن فرض عقوبات إضافية ووقف مصادر تمويل الدولة، بحيث أن  المغتربين اللبنانيين انفسهم لن يتجرؤا على ارسال الاموال ‏بعدها‎ الى ذويهم.

*- وبالنسبة لفرصة صندوق النقد الدولي فما تأثير ذلك عليها؟

– أرى أن فرصة صندوق النقد ستبقى سانحة دائماً، إلّا أن الوضع الاقتصادي المتدهور سيفرض شروطاً أكثر تعقيداً، فالصندوق يراقب لبنان اقتصادياً، وسجّل مؤخراً نظرة سيئة، مما سيصعّب ‏الأمور أكثر‎.‎

صقر والتدابير!

*- في حال استمرار النهج المتبع نرى ان المشكلة واقعة لا محالة ، فما الحل وما المطالب او التدابير المفترض اتخاذها لمنع تدهور الوضع ولاعادة الثقة، ثقة المستثمر بلبنان؟

سامر صقر: هناك سيناريو كارثي ينتظر لبنان بحال عدم تشكيل حكومة إنقاذ محوره الفوضى.

-هنا لا بد أولاً من تغيير النهج المتبع حالياً والابتعاد بأقصى سرعة عن العقلية السياسية الطاغية. والسعي فوراً الى تشكيل حكومة إختصاصيين مستقلين، على أن ‏يُعتمد مبدأ المداورة بالنسبة للمقاعد الوزارية، والتوجّه فوراً دون تأخير نحو تنفيذ الإصلاحات ومحاولة الإستفادة من ‏المساعدات، لتفادي السيناريو المخيف بحال تجاوز قطار لبنان او ابتعد عن سكة النهوض‎ المرسومة سلفاً.

وتابع صقر قائلاً:

– وبالنسبة لاعادة ثقة المستثمر فلا بد من من الاشارة  بأن كل عوامل الثقة بالإقتصاد في لبنان شبه غائبة. فالخضات الأمنية المتنقلة وما رافقها من انفجار المرفأ مؤخراً جاءت  لتُقلّل من ثقة اللاعب الإقتصادي (مستثمر أو مستهلك) بالإقتصاد، وذلك بسبب مخاوفه من تكرار هذه الحادثة. وأيضاً على الصعيد السياسي، نرى أن هناك  تناحراً  وصراعاً مخيفاً بين القوى السياسية  الطائفية، وتجاذبات في الشارع بين انصار هذه القوى التي تشتد يوماً بعد يوم (عون وجعجع، سنة وشيعة)، وهذا الأمر ينسحب سلباً على العوامل الأخرى. . ويبدو أيضاً ان تداول السلطة، المتمثّل بالإنتخابات الرئاسية والبرلمانية وتشكيل الحكومة، ليس على ما يرام، كذلك الحال بالنسبة إلى التعيينات الإدارية.

 أمّا على صعيد القوانين العصرية، فالمتتبع للأمور يدرك بأن لبنان كان ولا يزال متأخراً دائماً وللأسف في إقرار قوانين عصرية، وإذا أقرّها لا سمح الله  لا يتمّ تنفيذها ولا حتى احترامها، اذ لم ولن تتمكن مؤسسات الدوّلة من فرض تطبيق هذه القوانين بسبب المحسوبية من جهة والتنفيعات من جهة أخرى.

واستطرد صقر قائلاً: وعلى صعيد القضاء، فلا يُمكن ضمان استقلاليته إلّا بتحقيق ثلاثة أمور: تشكيل السلطة القضائية من خلال القضاء نفسه وليس من خلال مبدأ التعيين والمحسوبيات  السياسية، تعيين الجهاز الإداري من قِبل السلطة القضائية، وضمان إستقلاليته المالية.

*- ماذا عن الشعار المتداول والذي يتطرق الى مكافحة الفساد؟

– في ما يخص مكافحة الفساد، نرى أن لبنان بدأ حديثاً هذه العملية ولكن بشكل خجول جداً، وبالتالي فإنّ ما تمّ تحقيقه على هذا الصعيد غير كافٍ لإقناع اللاعبين الإقتصاديين.

 من هنا، نرى أنّ هناك ضرورة لاستعادة الثقة بالإقتصاد، لكي تعود الإستثمارات والثقة بالمنتوجات الوطنية. وبعض المستثمرين يصرحون علناً بما معناه: كيف يُمكن إستعادة الثقة إذا ما استمرّت الصراعات السياسية وسياسة التعطيل التي تنتجّ منها؟

*- في حال استمرت المنظومة القائمة على اتباع النهج نفسه هل من أمل معين لعودة الثقة؟

– في الواقع، في ظل النظام السياسي السائد  حالياً، من الصعب جداً استعادة هذه الثقة. لذا لا بد من الترفّع عن الخلافات السياسية وتفضيل المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية لاستعادة الثقة المعدومة حالياً.

صقر والثقة!

*- تتكلم عن استعادة الثقة وكأنها حل، فما الإيجابيات؟

– إن استعادة ثقة المستثمر كما المواطن بالإقتصاد اللبناني ستكون لها تداعيات إيجابية على صعد عدّة: خلق فرص عمل جديدة، محاربة البطالة ،القضاء على الفقر،  تعزيز وتنمية التطور الإجتماعي،  خلق بيئات  ملائمة، تقوية المالية العامّة، رفع قيمة النقد الوطني،  تعزيز التعليم، تطوير الطبابة… وبالتالي أرى ولاستعادة النشاط الاقتصادي ، ضرورة اعطاء اللاعبين الإقتصاديين الثقة بالإنجازات والإصلاحات. ثقة تفوق طموحاتهم، لكي يقوم كلٌ بدوره الاقتصادي والانمائي المُنتظر منه لكي نُخرج وطننا وبالأخص  إقتصادنا من دوّامة حزينة ومقلقة  يعيش فيها المواطن منذ فترة طويلة .

حبيقة والأسباب غير المقنعة!

 وبدوره اعتبر الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور لويس حبيقة أن التأخّر في تشكيل الحكومة يؤثر سلباً على الاقتصاد الذي يتعرّض يومياً لخسائر مباشرة، لكن

لويس حبيقة:المطلوب اليوم إعادة البلد إلى السكة الصحيحة من خلال تشكيل حكومة فاعلة.

الخسارة الأكبر والأهم  هي غير مباشرة ومتمثلة بضياع الفرص البديلة.

ورأى حبيقة أن أسباب التأخير في تشكيل الحكومة غير مقنعة، الأمر الذي خلق أزمة ثقة لدى الناس، مما دفع المستثمرين المحليين والأجانب الراغبين في الاستثمار في لبنان، إلى تأجيل استثماراتهم أو نقلها.

وعن قدرة الاقتصاد اللبناني على الصمود في حال طال أمد الفراغ الحكومي، دعا حبيقة إلى عدم المبالغة  في توصيف الوضعين الاقتصادي والاجتماعي على أنهما في حال انهيار، وفي الوقت ذاته يُفترض ألا نخفف من حجم المشكلة. وقال: التوصيف يجب أن يتناسب والوضع القائم، فالواقع اليوم يعكس بوضوح أن لبنان يمرّ بمرحلة تعثّر اقتصادي يؤدي إلى تراجع على المستوى المعيشي وانخفاض القدرة الشرائية لدى المواطنين.

اما بالنسبة لإمكانية الصمود قال حبيقة: الصمود في هذه الحال يمكن أن يستمر لفترة طويلة، لكن المطلوب اليوم هو إعادة البلد إلى السكة الصحيحة، ويتحقق ذلك من خلال تشكيل حكومة فاعلة، والبدء بتطبيق الإصلاحات المطلوبة، والعمل على الملفات العالقة التي تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين اليومية.

حبيقة والتصنيف!

 وعن تصنيف إحدى مؤسسات التصنيف الدولية الوضع المالي في لبنان بـ”السيىء” فيما تصنّفه مؤسسة دولية أخرى بـ”المستقر”، أكد حبيقة عدم جواز وصف الوضع المالي في لبنان بالجيد، بل هو يعاني منذ سنوات، ولكن في الوقت ذاته لا يمكن الحديث عن انهيار.

وكرّر القول إن التوصيف يجب أن يتناسب مع الواقع الذي نحياه، اقتصادنا متعثّر، ووضعنا المالي غير مستقر، ولكن الحلول موجودة،.

*- وما هي هذه الحلول؟

– الحل يبدأ بتشكيل حكومة متجانسة وفاعلة، مما سيؤدي مباشرة إلى استقطاب استثمارات إلى السوق اللبنانية، وبالتالي تتحرّك العجلة الاقتصادية ويتحقق النمو.اقتصادنا صغير جداً، وضخ استثمارات بقيمة مليار أو ملياري دولار على سبيل المثال، كفيل بتحريك العجلة الاقتصادية، وإنعاش الحركة من جديد.

يشوعي والإفلاس!

اما الخبير المالي والاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي فأكد لنا بأن لبنان بلد مفلس وأرض محروقة، ولن يستطيع النهوض في ظل استمرار نهج المبايعات السياسية والزعاماتية، وبالتالي فإن شكل ومضمون وبرنامج الحكومة العتيدة سيحدد مصير لبنان في المرحلة المقبلة، وهو آخر فرصة امام اللبنانيين للخروج من النفق، والا فالبديل عن سلطة تنفيذية مستقلة سيكون تمزق لبنان ووقوعه في قبضة الأمم، وما ادراك ما يعني التدويل، في ظل انقسام العالم بين معسكرين شرقي وغربي.

*- تتحدث عن برنامج حكومي معين، فعن اية حكومة تتكلم ؟

ايلي يشوعي: غالبية القوى السياسية غير معنية بأوجاع الناس وذلك مرده الى عدم شعورها بالذنب.

– لبنان بحاجة الى حكومة من وزراء اصحاب اختصاص وتجربة ورؤية ثاقبة وكفاءة فوق العادة، والاهم ان يكونوا اسياد قراراتهم، يملون ولا يملى عليهم. وتابع يشوعي قائلاً: وما دونها حكومة انقاذية لا اصلاحات بنيوية ولا مساعدات من صندوق النقد الدولي، ولا اهتمام عربياً وغربياً بهذا البلد المنكوب، مما يعني من وجهة نظري ان العودة الى لعبة المحاصصات مكشوفة كانت ام مقنعة على غرار حكومة الرئيس حسان دياب، هو اطلاق رصاصة الرحمة على الدولة اللبنانية.

يشوعي والاستحقاقات!

*ما هي استحقاقات الحكومة المنتظرة؟

 – امام الحكومة العتيدة ثلاثة استحقاقات كبيرة وهي: استعادة لبنان لمصداقيته المالية من خلال دفع السندات المستحقة عليه، اعادة ترميم علاقات لبنان مع العالم عموماً ومع دول مجلس التعاون الخليجي خصوصاً، تطبيق اللامركزية الادارية. لكن ما نراه بعين من الحزن والاسى هو تسابق بعض القوى السياسية لحجز مقاعدها في السلطة التنفيذية، وفقاً لمنطق اسود ممقوت وكريه، مزق لبنان وأفقر شعبه وحوله الى مزرعة، الا وهو منطق المحاصصة وتقاسم السلطة.

*- الى جانب الإصلاحات والدور المنتظر للحكومة هل من دعم محتمل ؟
– لبنان فقد حصانته واصبح بيتاً مشرعاً لا ابواب فيه ولا نوافذ، فمن التدهور الدراماتيكي للوضع الاقتصادي، الى جمود القطاع المصرفي والصناعي والتجاري، وتوقف حركتي الصادرات والواردات، والحركة السياحية. لبنان في مهب الريح وبحاجة ماسة الى حكومة انقاذية متخصصة بترميم الدولة، حكومة تمسك الامور بقبضة حديدية وتعيد وضع قطار الدولة على سكته الصحيحة، اضافة الى حاجة لبنان لأياد خارجية تضمن ابعاده عن التجاذبات الدولية والاقليمية بما يمكن الحكومة المستقلة من تطبيق برنامجها الانقاذي. ولكن للأسف غالبية القوى السياسية غير معنية بأوجاع الناس، وذلك مرده الى عدم شعورها بالذنب الذي ارتكبته بحق لبنان واللبنانيين، فامتلاء جيوبهم بأموال الشعب والخزينة، اضافة الى انشغالهم بالاجندات الخارجية على حساب مصالح لبنان افقدهم الحس الانساني ودواعي تعاطفهم مع الفقراء والمعوزين، علماً ان الثورة حاولت قدر المستطاع رسم خطوط حمر، ووضع حد لعملية تفريغ لبنان من مقوماته، لا سيما على المستويين النقدي والاقتصادي، الا انها لم تفلح حتى الساعة بالوصول الى أهدافها.

وختم يشوعي قائلاً: مشكلة المشاكل في لبنان تكمن بالـ «انا» فالكل يريد، وبأي ثمن، تحصين موقعه في السلطة التنفيذية، وضمان استمراريته نيابياً وزعاماتياً ووراثياً، وذلك على حساب مستقبل لبنان واللبنانيين.