24 November,2020

بين الحريري وجنبلاط "هبة باردة وهبة ساخنة" لكن لا خلاف دائماً ولا توافق مستداماً!

الرئيس سعد الحريري ووليد جنبلاط..إعادة وصل ما انقطع بينهما

لم يدم طويلاً التوتر الذي ساد العلاقة بين الرئيس سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب والوزير السابق وليد جنبلاط على اثر الكلام الذي اطلقه الرئيس الحريري في حق جنبلاط خلال اطلالته التلفزيونية والذي رد عليه الزعيم الدرزي بعد ايام قليلة ما زاد بعد المسافة بين الرجلين…. لكن هذا التباعد لم يتفاعل اذ سارع “المحبّون” من الطرفين الى ردم الهوة التي نشأت في محاولة لاعادة وصل ما انقطع وكان الاخراج بأن يتصل الرئيس الحريري بجنبلاط ويطمئن الى صحته وتعود الامور الى طبيعتها بعد ازالة التوتر…. وهكذا كان وحظي الحريري بتسمية نواب كتلة “اللقاء الديمقراطي” بعدما كان جنبلاط اعلن ان الكتلة لن تسمي احداً لرئاسة الحكومة في الاستشارات النيابية الملزمة!

 هذا الواقع يؤشر على ان كل من سعد الحريري ووليد جنبلاط “يفهم” على الآخر، والخصومة “الطارئة”، بينهما لا يمكن ان تصل الى حدود اللاعودة، فضلاً عن ان التفاهمات الموضعية لا تبلغ سقف التحالف المتماسك. ولعل العودة الى الوراء سنوات تظهر كيف ان الرجلين اختلفا مرات عدة، ثم اتفقا وعادا فاختلفا حتى باتت العلاقة بينهما مثل فصل الخريف يوم ماطر ويوم مشمس، والطريف ان الحريري وجنبلاط لا يجدان حرجاً في التقلبات التي تعصف بعلاقتهما حتى بات الامر تقليدياً وعادياً في آن. لكن الملفت في هذه العلاقة “الطالعة والنازلة” حسب المزاج، ان القاعدتين الشعبيتين لكل من جنبلاط والحريري تتصارعان عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تتوقفان عن الهجمات المتبادلة الا عندما تأتي الاشارة من المختارة او من “بيت الوسط” من خلال “هدنة ” بين الطرفين.

ويرى المراقبون ان العلاقة بين الحريري وجنبلاط التي اضطربت مؤخراً حيال موضوعي المبادرة الفرنسية والملف الحكومي هي نموذج لعلاقة مركبة تختزن الشيء وضده، وتجمع الشتاء والربيع السياسيين في فصل واحد. لا زواج ولا انفصال، بل مرتبة في الوسط تلبي احتياجات الجانبين وتداري حساباتهما، كلما اقتضت الضرورة. ومن الواضح ان ليس في مقدور الحريري ان يتخلى كلياً عن جنبلاط مهما قسى عليه، كما فعل في اطلالته الاعلامية الاخيرة، وكذلك ليس في مقدور رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” ان يتحرر من رئيس “تيار المستقبل” مهما تجاهله، كما شعر جنبلاط مع بدايات ترشيح الحريري لنفسه الى رئاسة الحكومة. واذا كان ما يفرق الرجلين على اكثر من مستوى ليس بسيطاً، الا ان ما يجمعهما في المقابل ليس هامشياً، بدءاً من النوستالجيا المرتبطة بالموقف الذي اتخذه جنبلاط بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وصولاً الى ضرورات تبادل “الخدمات السياسية” التي تبيح المحظورات، في نظام طائفي يرتكز على المحاصصة والتسويات الهجينة.

 ولعل معادلة “الباب الدوار” التي تحكم علاقة كليمنصو- بيت الوسط، سرت بوضوح على تجربة اشتباكهما الحكومي في الاسبوع الماضي. ويقول متابعون للعلاقة بين الرجلين ان جنبلاط لم يهضم محاولة فرض امر واقع عليه، ولم يستسغ ان يرسل له الحريري وفداً من “تيار المستقبل” بدل ان يتواصل معه مباشرة، فرفض استقبال الوفد واعترض على طريقة تسويق رئيس “المستقبل” لترشيحه، لكن الاهم انه عرض خلف “الدفوع الشكلية” جوهر مطالبه المتعلقة بالحصة الدرزية في الحكومة المقبلة.

ومن الواضح ان جنبلاط اراد المقايضة وهو يعرف كيف يرسم حدودها بين تسمية الحريري والحصول على ضمانات وزارية وقد استفاد من حاجة الحريري الى اصوات “اللقاء الديمقراطي” في الاستشارات النيابية الملزمة. كذلك فإن امتناع جنبلاط عن تسمية الحريري كان سيسقط الميثاقية الدرزية عن التسمية خصوصا ان النائب طلال ارسلان كان اعلن سلفاً معارضة لتسمية الحريري وهو قاطع شخصياً الاستشارات في قصر بعبدا وغاب عن الاستشارات النيابية في مجلس النواب. لقد التقط الحريري اشارة جنبلاط ومعاني مقاطعته الاستشارات فبادر الى الاتصال به “والوقوف على خاطره” متجاوزاً مفاعيل ما حصل خلال الاتصال الذي كان اجراه الزعيم الاشتراكي من باريس بالحريري. وبذلك خفت “نقمة” جنبلاط وارسل نوابه الى بعبدا وسموا الحريري وهو مطمئن سلفاً الى انه سيتمثل في الحكومة بوزراء اختصاصيين يقترحهم على الحريري وربما تم ذلك قبل موعد الاستشارات!.

في اي حال، يقول مطلعون ان الحريري وجنبلاط اثبتا قدرتهما على ادارة نزاعاتهما التي مهما تزايدات تعود في النهاية الى حجمها الحقيقي لاسيما وان اللعبة السياسية في لبنان محكومة بالمساومات والمقايضات الكفيلة بتخفيض  السقوف وتبريد الرؤوس!.