5 August,2020

"بيك آب" مبادرة "وطني يغني" ينطلق في الأول من آب لسبعة أيام..

بقلم عبير انطون

الكسندر مدور، تيا نصار، داليا وروان عطالله صوت واحد وجديد

 تسمع باسم المبادرة “وطني يغني”، فتبتسم، ثم تتجهم، ومن بعدها تتنهد بحسرة لتقول: “من وين لوين وطني يغني”؟ وتدفعك حشريتك الى أن تعرف عن المبادرة أكثر، وعمن خلفها وتتمتم في سرّك: هل هو يعيش على كوكب آخر، هل تراه يقبع في برج عاجي لا يعرف فيه يوميات اللبناني الذي يقف بالطابور امام محطات البنزين، وينتظر “البابور” في البحر حتى يفرغ ليترات الفيول التي قد تقلص له كم ساعة “تقنين” كهربائية تخفف من فاتورة المولّد قبل أن “تعود حليمة لعادتها القديمة” في الانقطاع  من جديد ؟ وهل يعرف بالتهديد شبه الدائم بفقدان المادة من أصلها لأنها “تتبخر” وينقطع معها الانترنت ووسائل التواصل وصولاً الى “نطقة المي” المياه التي تتطلب الضخّ؟ وهل يعرف مطلقو المبادرة مثلاً أن ليس في أروقة قصور العدل والجامعة اللبنانية وغيرها من الادارات الرسمية أوراقاً بيضاء تتيح الحصول على اخراج قيد، وإن وُجدت فهي “علقد”، بحيث إن تعدى مستخدمها، كما في الجامعة اللبنانية مثلاً، الورقة الواحدة لطبع أسئلة الامتحان فإن أستاذ المادة مضطر الى أن يدفعها من جيبه ؟

وسط كل ذلك، يأتيك من يقول “وطني يغني” . فمن هو او هي هذه الحالمة ؟ ما الذي تحمله المبادرة، وما هي أهدافها ؟

“الأفكار” عادت بمختلف التفاصيل من مطلقتيها داليا وروان عطالله مع اختهما الثالثة آية التي كانت لها يدٌ ايضاً في العمل عليها مع مجموعة من الشباب ، ومن جامعات مختلفة  تراوحت أعمارها ما بين الـ 19 والـ 24 عاماً. فماذا في التفاصيل؟

 بصوت يضج شباباً وإيماناً بأنّ ما تطلقه مع أختها روان يرتقي إلى مرتبة “الواجب الوطني”  تقول داليا عطالله بحماسة : “معقول ما نعمل شي؟” وتخبرنا:

أنا تلميذة في باريس وأختي تلميذة في بوسطن، الولايات المتحدة، في كلية “بيركلي كوليدج اوف ميوزك” تحديداً، وكلتانا تدرس بمنحة دراسية في الخارج . وصلنا في آخر طائرة الى لبنان قبل ان يتم اقفال المطار حينها، فعلقنا هنا. كنّا مرة جالستين نتحدث بحزن عن الوضع المزري، فطرحت عليّ، لأنها تهتم بالموسيقى وتدرس الغناء والإداء، ان نستخدم الموسيقى كسلاح لاعادة الامل والفرح للناس في لبنان خاصة في هذه الظروف، فأطلقنا مبادرة “وطني يغني” التي نجول من خلالها على امتداد لبنان بمخلتف مناطقه في سبع “كونسيرات” مجانية نغني في ساحاته الاغنيات التي تعيد النبض والفرح وتذكر اللبنانيين بأجمل الايام، وبلبنان العز والحياة ، وكأننا نشهر سلاح الفن في مواجهة الأزمة، ونحن اصلاً نعمل تحت اسم جمعية عالم الفنون والتراث.

تجهيز المساعدات

 داليا التي تدرس في باريس العلوم السياسية ويتبقى لها سنة واحدة لتنهي اختصاصها الذي يضم مواد مختلفة تهتم لها أيضاً كالفلسفة والاقتصاد والتاريخ، تركت لبنان في العام 2016. قبل سفرها الى “الأم الحنون” درست في ارمينيا ، وعن هذه التجربة التي تعتبرها فريدة تقول:

 في ارمينيا انضممت الى UNITED WORLD COLLEGE  وهي مدرسة لها فروع من حول العالم بناءً على منحة حصلت عليها بها ، وهم يختارون من حول العالم اشخاصاً بأعداد مختصرة جداً ، وكانت من نصيبي كصبية وحيدة من لبنان، بعد ان كنت درست في الـ” كوليج بروتستانت” في لبنان . هذه التجربة في ارمينيا اغنتني جداً، وساعدتني على اكتساب النضج في ميادين عدة، اهمها المجال الانساني ..فنحن كنا مئتي طالب من 82 جنسية مختلفة ما يعني طرق عيش وطرق تفكير مختلفة ومعاناة مختلفة ايضاً، الا ان ما يجمعنا هو الانسانية. هذا الاختلاف، من ناحية اخرى، يجعل الواحد منا يتعلق بشكل أكبر ببلده وجذوره. كانت فعلاً تجربة مميزة ووجدتني محظوظة بها .

وقبل ان نتوسع معها بشرح المبادرة ،والناحية الانسانية في ” وطني يغني” التي لم تغب عن بال الاختين واصدقائهما نسألها :

بحكم تخصصك في العلوم السياسية، هل ترمين الى دخول معتركها وهل تهتمين للاخبار المحلية كونك تعيشين في الخارج؟

 الوضع في لبنان صعب ومعقد، ولا يمكن ان يستمر بهذا الشكل. برأيي نحن بحاجة الى تغيير شامل. ما اريده، تقول الصبية العندارية الأب (من عين دارة) والبعقلينية الأم، هو ان يكون هناك صوت جديد وهذا ما نبغي اليه من خلال هذه المبادرة للشباب للذين قرروا البقاء في هذا البلد وعيش حياتهم فيه .نحن نحاول ان نعلّي صوتاً ايجابياً يأتي بالتغيير،  بالفرحة والامل والصمود في الوطن. انا افكر بالعودة عندما انهي اختصاصي، وكلي امل بأن لا استسلم، لكن هل يمكنني القول إنني على ثقة مئة بالمئة بأن العودة سريعة ؟ آمل ذلك من كل قلبي: ” لا اتحمل القول رايحة و مش راجعة ” كل شيء متعلق بالأوضاع وبالظروف، وما ستؤول اليه.

 مربى .. وصابون

قبل الانطلاق

في “وطني يغني” لم تغب الناحية الانسانية. وتشرح داليا :

لما تواصلنا مع الأصدقاء من الداخل والخارج وفي مختلف الجامعات بينها “هايغازيان والاميركية ” تشكلت مجموعة من عشرات الطلاب شباباً وصبايا من  كل الطوائف والمناطق والتوجهات السياسية المختلفة .اجتمعنا لاجل هذه المبادرة  ولقينا ردة الفعل ايجابية، خاصة من جانب البلديات التي رحبت بنا. وفي جولتنا على المناطق سنساعد الف عائلة، في مساهمة بسيطة منا من خلال توزيع الف حصة غذائية تشمل مواد نساعد بها على تصريف الانتاج المحلي لبعض العائلات كالمربيات مثلاً، وهي من عرق جبين اللبناني لاخيه اللبناني . نحاول المساعدة، وخلق “جو حلو”. نحن ندرك اننا لا ننقذ بمبادرتنا البلد من الجوع ، لكن مساهمتنا هذه ،على بساطتها ، قد تحمل تأثيراً جميلاً من خلال الجمع ما بين الغناء وبعض الغذاء.

البوكس ماذا يتضمن؟ نسألها، فتجيب:

الى “مرطبان المربى” المحلي الصنع لعائلات لبنانية ، سيضم الصندوق  2 كيلو من الأرز وكيلو من الحمص فضلاً عن عبوة من زيت الزيتون وصابونة لبنانية . اما لـ” الكوفيد 19″  وفي جانب توعوي وقائي، سيشتمل  الـ” بوكس ايضاً على “كمامة “، مع ارشادات، فضلاً عن ارقام جمعيات لا تتوخى الربح مثل “أبعاد” و”كفى” والصليب الاحمر اللبناني والخط الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار وغيرها، كما قام صديقنا ريان دبوس من اعضاء الفريق بإعداد منشور ثقافي يحاكي مرحلة مماثلة من وجهة نظر اهم الفلاسفة كباسكال مثلاً …..

الدعم والمساندة للمبادرة من خلال الخط الذي اطلقه المنظمون ، جعلهم يصلون الى مبلغ معقول من ضمن الخمسة آلاف يورو التي تتطلبها المبادرة ، اذ تأمّن جزء كبير منها، كما “اننا نتلقى مساعدات عينية، ومساعدات من كل المناطق اللبنانية واللبنانيين المغتربين وحتى من الأجانب الذين يساهمون أيضاً”.

اما كيفية توزيع هذه المساعدات، فإنه سيعود الى الجمعيات التي لا تتوخى الربح في كل منطقة، اذ انها تعرف الأكثر حاجة، تقول داليا .

اما الصعوبات التي نسألها عنها، فهي تكمن، الى تأمين المبلغ الكامل المطلوب لتغطية تكاليف المبادرة، في الاعداد الجيد لكل شيء، والحصول على الاذونات الخطية  والتراخيص التي ساعدت بها العديد من البلديات، فضلاً عن اختيار المواد الغذائية الجيدة النوعية وسط تقلبات الاسعار اليومية وارتفاعها، هذا الى جانب التفتيش عن  العائلات التي تنتج المربيات من كل لبنان لمساندتها في مختلف المناطق عبر الشراء منها ..

روان ..وزياد..

تيا نصار، روان عطالله، والكسندر مدور والتمارين

من جهتها، تقول روان لـ”الأفكار” بحماسة لا تقل عن حماسة داليا : منذ الصغر وانا احب الموسيقى وأهوى الغناء، وقد لقيت من اهلي كل التشجيع فانتسبت الى مدرسة  ” Berklee College of Music ” للموسيقى في بوسطن- الولايات المتحدة ، الا انني عدت مؤقتاً بناء على طلب والدي بعد انتشار الـ” كوفيد 19 “. اعرف تماماً ان الظروف غير مؤاتية للموسيقى، و”ما حدا عبالو يغني” ،علماً انها برأيي الطريقة الفضلى للتعبير عن النفس ، في حين بات المتنفس للجميع وسائل التواصل الاجتماعي، الامر الذي لا اؤمن به شخصياً اكثر من ايماني من التعبير من خلال الموسيقى والغناء، وانا على يقين ان تأثير الموسيقى  لا يقتصر على الترويح عن النفس انما يصل الى التغيير، اذ ان للموسيقى “باور” ، قوة تغيير هائلة قد يصعب تفسيرها، وفي هذا المجال أمثلة  كثيرة .

وتزيد روان شارحة :

كنت لما اعود من بوسطن ، افرح لفرح اللبنانيين على طريقة عيشهم وسهرهم ، وحياتهم المليئة والجو الجميل . اليوم نجد البلد حزيناً، فقررنا ان نأخذ نحن الموسيقى والفرح الى اللبنانيين من خلال جولتنا التي تمتد من اول آب (اغسطس) حتى السابع منه ، بحيث يكون الانطلاق في اليوم الأول في بيروت، واليوم التالي  سيكون في صور والنبطية، الثالث في صيدا شحيم وجزين، الرابع في عاليه بعقلين ودير القمر، الخامس في طرابلس وزغرتا، السادس في البترون جبيل وجونية، اما اليوم السابع ففي بعلبك وزحلة، وسنكون على متن شاحنة “بيك اب كبير” مفتوح السقف مع مكبرات للصوت وآلتي العود والـ”دربكة” فضلاً عن مهندس صوت طبعاً، وسنركز على أغاني الفولكلور والاغاني الشعبية والتراثية اللبنانية التي تحرك شعور الناس، على أن نقف ببعض الساحات لتقديم وصلة غنائية لنصف ساعة من أغاني  صباح وفيروز زياد وغيرها من الاغاني التي تستحضر الفرح والجو اللبناني الأصيل .

اغاني زياد الرحباني والحانه ،هي اكثر ما تحبه روان، خاصة في هذه الفترة ، في الغناء والموسيقى العربية ،هي التي تهوى الغناء باللغات الاجنبية ، من دون ان يكون لها موقف من الغناء العربي : فـ”هذه هويتي وانا احبها وسأغني بلغتها” . كما وتؤكد روان انه تم تحوير كلمات بعض الاغاني قام به بوغوس بوغوسيان وهو من اعضاء الفريق  لتناسب المرحلة لناحية ان تضفي جواً من الإيجابية والتفاؤل، فضلاً عن نقد للوضع السياسي القائم. اما الاغاني الخاصة بها ، فلم يصدر اي منها بعد، علماً ان بعضها حاضر، بانتظار الانتهاء من التخصص والانطلاق بها .

الحذر الشديد ..

    

 وعلى الرغم من أجواء التواصل التي يأملون نشرها ، تؤكد روان على عدم التجمعات   خاصة في هذه الفترة العصيبة حيث ينتشر الوباء بشكل يتطلب الحذر الشديد .”سنبقى في” الـ”بيك اب” على ان ترافقنا مجموعة من السيارات خلفنا في هذه الرحلة اللبنانية ، بحيث تساعدنا أيضاً في شأن الحصص التي نعمل على المساندة بها . سنكون في الساحات  ساحات اساسية وشعبية، كساحة الشهداء، وساحة ساسين وساحة ايليا في صيدا وغيرها ، كما اؤكد لكم بأن الموسيقى ستصل للجميع حتى من هم بيوتهم بعيدة عن الساحة.

تختم الأختان ومعهما آية الصغيرة التي لا تزال طالبة مدرسية ، على الإجابة عن سؤال مشروعِ جداً بالنسبة إليهنّ ويسمعنه من كثيرين : هلق وقت “وطني يغني”؟ . فتجبن :

نحن نتفهم التساؤل، والبعض لامنا على الاسم او حتى على الغناء في هذا الوضع لكن قصدنا هو القول إن لبنان يغني رغم الوجع والالم من اجل المحبة الامل والتسامح والوحدة والحب والفرح والرب، ورسالتنا خلق صوت واحد وجديد في لبنان !