28 October,2020

بعد خسارة الولايات المتحدة رسمياً للحرب التجارية من سيكسب في حرب بحر الصين؟ 

 

بقلم خالد عوض

بحر الصين الجنوبي هو موقع المواجهة العالمية المقبلة التي على الأرجح لن تبقى…باردة.

 الأرقام الآتية من الولايات المتحدة تؤكد أن الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” فشل في إستراتيجيته التجارية مع الصين. هذه الأرقام هي أكثر ما يمكن أن يؤذي “ترامب” في حملته الإنتخابية ضد المرشح الديمقراطي “جو بايدن” الذي أصبح جدياً الأكثر حظاً في أن يصبح الرئيس الأميركي المقبل. ورغم إصابته ثم تعافيه السريع من وباء “كورونا” لن يتمكن “ترامب” من مواجهة حقيقة ما تعكسه هذه الأرقام حول خسارة الحرب التجارية مع الصين.

 

الدين العام الأميركي.. ينفجر

 في سنة ٢٠٠٠ مع نهاية عهد الرئيس الديمقراطي السابق “بيل كلينتون” وصل كل دين الحكومة الأميركية إلى خمسة مليارات دولار وذلك لأول مرة في تاريخها. منذ بداية عام ٢٠٢٠ وحتى نهاية أيلول (سبتمبر) المنصرم زاد الدين العام بالحجم نفسه أي ٥ مليارات دولار والحبل على الجرار.  أي أن زيادة الدين العام هذه السنة وحدها تجاوز حتى الآن كل الدين الذي تكبدته الولايات المتحدة على

الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”: لا حول تجارياً مع الصين ولكن ماذا عن القوة؟

عشرات السنين ولغاية سنة ٢٠٠٠. وأصبح من المؤكد أن مجموع الدين سيتجاوز ٢٨ ألف مليار دولار قبل آخر السنة، هذا من دون أي رزمة تحفيز جديدة. عجز الموازنة حقق أيضاً رقماً قياسياً خيالياً فقد تجاوز ثلاثة آلاف مليار دولار حتى نهاية أيلول (سبتمبر) أي أكثر من مئة بالمئة من مجموع مداخيل الحكومة وأكثر من ١٥ بالمئة من الناتج المحلي الأميركي. وكذلك من المتوقع أن يتجاوز العجز ١١٠ بالمئة من حجم الموازنة مع نهاية العام من دون احتساب رزمة التحفيز المتوقعة بعد الإنتخابات. الرقم الثالث الصادم هو عجز الميزان التجاري. فقد تجاوز في آب (أغسطس) ٦٧ مليار دولار وهو أعلى معدل شهري منذ ١٤ عاماً على عكس كل ما وعد به “ترامب”، إذ كان تخفيض العجز التجاري أي الفارق بين الواردات والصادرات من أهم اهدافه وأحد ركائز سياسة “جعل أميركا عظيمة من جديد” القائمة على تحفيز الصناعة المحلية وتخفيف الإعتماد على الإستيراد، خاصة من الصين.

 

إدمان إقتصادي علىالبضائع من الصين 

 لا شك أن آثار “كوفيد ١٩” السلبية ساهمت في هذا الوضع الانحداري، ولكن هذه الأرقام تبين أيضاً أن هناك مشكلة هيكلية في الإقتصاد الأميركي. فمن الواضح أن سياسة الإستهلاك غير المتناهي المبني على الإستدانة المتواصلة لتحفيز الإقتصاد انتهت كل مفاعيلها الإيجابية. كما أن الإعتماد على الإستيراد أصبح علة إقتصادية أميركية من الصعب جداً إصلاحها لأنه يتطلب جهداً وطنياً إستثنائياً وانضباطاً غير مسبوق لا يمكن للأميركيين أن يتعايشوا معه لا ثقافياً ولا إجتماعياً. ورغم الإنخفاض في الواردات من الصين في عام ٢٠٢٠ مقارنة بعام ٢٠١٩ والذي كان نتيجة مباشرة لتفشي وباء “كورونا” ولزيادة الرسوم الجمركية على البضائع الصينية إلا أن حجم العجز التجاري بين الولايات المتحدة والصين لا يزال يراوح شهرياً حوالي ٣٠ مليار دولار  (٢٨ مليار في آب (أغسطس) و٣٢ مليار في تموز (يوليو)) أي حوالي نصف العجز التجاري الأميركي. إقتصاد الولايات المتحدة أصبح مدمناً على البضائع والمنتجات الصينية لأنه مدمن أساساً على الإستهلاك، ولم تنفع معه كل رسوم “ترامب” وتهديداته للصين. حتى يتراجع العجز مع الصين يجب أن ينخفض الإستهلاك الداخلي وإذا إنخفض الإستهلاك يتدهور الإقتصاد الأميركي. 

 إذا كانت ولاية “ترامب” اثبتت شيئاً واحداً فهو أنه لا يمكن الخروج من هذه الحلقة المفرغة برسوم جمركية أو مواقف عدائية ضد الصين، تماماً كما لا ينفع مع تاجر المخدرات التهديد أو الغرامات المالية. هذا يعني أن الحرب التجارية التي اعلنها “ترامب” ضد ثاني إقتصاد في العالم باءت بالفشل. الولايات المتحدة أصبحت أمام خيار وحيد: القبول بالصين كقوة إقتصادية عالمية وكجزء من الإقتصاد الأميركي نفسه بصفتها الشريك التجاري الأول لها، أو مواجهتها بالطرق غير التجارية وغير السلمية.

المواجهة ستنتقل إلى بحر.. الصين 

الرئيس الصيني “شي جين بينغ”: خذوا أكثر من التي كانت هي… الداء.

 لا شك أن العالم يشهد اليوم حرباً باردة بين الاقتصادين الأقويين في العالم لا تختصرها فقط الحرب التجارية. فالولايات المتحدة تحاول التضييق على الصين إقتصادياً عبر مواجهتها في بحر الصين الجنوبي المتنازع على سيادته منذ قرون، وتشجيع اليابان وغيرها من الدول على عدم القبول بإنشاء الصين لجزر إصطناعية في شرق هذا البحر لأنها تتعدى بذلك على السيادة البحرية لجيرانها. وأهمية بحر الصين الجنوبي الإستراتيجية هو أنه، مثل شرق المتوسط، فيه مكامن كبيرة للغاز والنفط لم تتضح بعد حقوق التنقيب حولها، كما أنه ممر لتجارة سنوية تتجاوز ٥ آلاف مليار دولار. وهو يجمع عدة دول آسيوية إلى جانب الصين منها اندونيسيا وفيتنام والفيليبين وماليزيا وسلطنة بروناي جنوباً واليابان وتايوان وكوريا الجنوبية إلى الشرق. وفي زيارته الأخيرة  إلى اليابان منذ أيام حاول وزير الخارجية الأميركي “مايك بومبيو” إنشاء حلف آسيوي يضم الهند وأستراليا واليابان وإندونيسيا إلى جانب دول الأسيان (ASEAN) الأخرى على شاكلة إتفاق الشراكة العابرة للأطلسي (Trans-Pacific Partnership-TPP) الذي أراد “باراك اوباما” المضي به ثم تراجع عنه “دونالد ترامب” حين استلم مقاليد الرئاسة. ويبدو أن الرئيس “ترامب” إقتنع أخيراً أن حربه التجارية التي نصحه بها مستشاره الإقتصادي “بيتر نافارو” فشلت وأنه ليس بالإمكان إضعاف الصين إلا من خلال التضييق عليها في بحر الصين الجنوبي والشرقي، تماماً كما كان ينوي “اوباما” وكما سيفعل “بايدن” إن فاز.

 أصبح من الصعب جداً أن يفوز “دونالد ترامب” بالإنتخابات الرئاسية على أساس أنه “قاهر” الصين لأن البحث المعمق بنتائج سياساته الإقتصادية يؤكد أن الصين انتصرت على الولايات المتحدة في كل شيء خلال الأعوام الأربعة الأخيرة. هو يبني آماله اليوم على خوف الأميركيين من الضرائب التي سيفرضها “بايدن” عليهم مقابل تخفيض قياسي للضرائب في عهده. ولكن عندما سينظر الأميركيون إلى مستوى دينهم العام وكم من الأعباء تفاقمت مؤخراً عليهم وعلى أجيال المستقبل ربما يرون في “بايدن” الواقعية الضرورية لخلاصهم وليس فقط الرجل المسن والضعيف. ولكن في النهاية لن يكون هناك فرق كبير بين الرئيسين ما عدا ربما في الأسلوب. الإثنان سيحاولان الخروج من الشرق الأوسط بأقل الأضرار الممكنة من أجل التركيز الكامل على الصين وبحرها الجنوبي.