26 February,2020

بعد اغتيال سليماني..هل يتحوّل لبنان إلى ساحة مواجهة؟

 

بقلم علي الحسيني

شكّل اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي العراقي أبي مهدي المهندس في الثاني من الجاري، نقطة تحوّل في المنطقة سواء بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية التي تبنّت خلال الدقائق الأولى عملية الإغتيال ووصفها لها بـ<الإنجاز>، أو بالنسبة إلى إيراني التي نفّذت تهديداتها من خلال ردها بقصف قاعدة عين الأسد الأميركية في العراق بعشرات الصواريخ، وهو الامر الذي وصفته إيران أيضاً بـ<الإنجاز>، لكن في المقابل شاع قلق لبناني شديد يصل إلى درجة الخوف، من ان يُقدم حزب الله على ارتكاب عمل عسكري ما ضد المصالح الأميركية أو الإسرائيلية، إنتقاماً لاغتيال سليماني المعروف مدى صلة العلاقة التي كانت تربطه بالـ<حزب> وتحديداً بأمينه العام السيد حسن نصرالله الذي توعّد برد قاس وغير مسبوق. من هنا ثمة خشية كبيرة من إدخال لبنان في حرب إقليمية أو جعله صندوق بريد دولي، قابلاً للإنفجار، وذلك على مقياس الصراع الأميركي ــ الإيراني.

انعكاس الاغتيال على تشكيل الحكومة!

 

قبل اغتيال سليماني بساعات أو ربما بأيام قليلة، كانت كل الأمور توحي بأن ثمة حلولاً بدأت تفعل فعلها بما يتعلق بتشكيل الحكومة، وقد ظهرت العديد من الإيجابيات التي تُرجمت على انها إتفاق جماعي على الولادة رغم المواقف الحادة التي كانت خرجت عن العديد من الاطراف السياسية لاسيّما وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، وأيضاً ما كان رشح عن موقف لرئيس مجلس النواب نبيه بري بوجود نيّة لديه بإعادة طرح اقتراح حكومة تكنو ـ سياسية، وهي الامور التي ادت سابقاً إلى عرقلة العملية برمتها حتّى عند تكليف الرئيس سعد الحريري. اليوم من المؤكد ان اغتيال سليماني، جعل الموضوع الحكومي لدى البعض، أمراً ثانوياً علماً أن حدثاً كهذا، لا بد أن يُشكل حافزاً قوياً على المضي في عملية التأليف وبأسرع وقت، خصوصاً في ظل الأحاديث التي تشي بقرب حصول تداعيات رداً على اغتيال سليماني وتحديداً بعد التهديد الذي أطلقه السيد نصر الله بالرد أو الثأر وسط خشية محلية وخارجية، أن يكون الرد مسرحه الأراضي اللبنانية.

المؤكد أن لبنان بلد لا يحتمل أن يكون صندوق بريد دولي، تتقاذفه الرسائل التحذيرية بين الدول في المنطقة لاسيّما في ظل الصراع القائم بين أميركا وإيران، من هنا يُضاف إلى قلق اللبنانيين من الوضعين الإقتصادي والمالي، قلق إضافي يتمثل بخوف من تمدد المواجهة الإيرانية الأميركية المتصاعدة الى بلادهم المتخمة بالأزمات، والتي قد تتحدد اطرها خلال المرحلة المقبلة لاسيّما مع تصاعد لغة التهديد والوعيد بوجود نيات مؤكدة لدى حزب الله للرد على اغتيال سليماني، وعند هذا الحد، راحت التساؤلات تُطرح حول السيناريوات ما بعد الاغتيال على الساحة اللبنانية والاحتمالات التي يُمكن فعلاً ان تجعل من لبنان ساحة للرد، وكيف يمكن تحييد لبنان عن النزاع الاميركي الايراني المتصاعد في المنطقة، واي دور يمكن ان يلعبه حزب الله في هذه المواجهة؟.

 

أي مفاجآت يحملها حزب الله؟

في ظل انعدام المرحلة المالية والإقتصادية التي يمر بها لبنان مع ما تسببه من احتجاجات شعبية، تتزايد خشية اللبنانيين من إنجرار بلادهم نحو حرب مرتقبة في المنطقة خصوصاً في ظل تزايد حدة الإحتقان الأميركي ــ الإيراني وارتفاع منسوب المواجهة العسكرية بينهما، لاسيّما بعد الرد الإيراني الذي استهدف قاعدة عين الأسد الاميركية في العراق، على الرغم من إعلان الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> أن الضربة لم تؤد حتّى إلى إصابة عسكري أميركي واحد، وذلك في إطلالة تلفزيونية استفزازية للطرف الإيراني وتحد واضح بما يُمكن ان تحمله الأيام المقبلة. في هذا السياق تتوجه الأنظار في لبنان إلى حزب الله واحتمال انخراطه في اللعبة الإقليمية وسط مخاوف من فتح مواجهة لبنانية ــ اسرائيلية تبدأ من جنوب لبنان، لكن لا يُعرف أين يمكن ان تنتهي، خصوصاً وأنه معروف بأن <الحزب> يخضع في حركته العامة والعريضة أو هو ملتزم بالحد الادنى، التحرّك وفقاً للسياسة الإيرانية التي عبّر عنها مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، بأنه <لن يكون لواشنطن مكان آمن في المنطقة بعد هدمها كل الجسور>.

في لبنان يتمنى الجميع عدم اقدام حزب الله على ارتكاب أي ردة فعل إنطلاقاً من الأراضي اللبنانية خصوصاً في مثل هذه الظروف التي تمر فيها البلاد لما لهذا الأمر من أثار سلبية على الوضع الاقتصادي والأمن المعيشي. في هذا السياق يستبعد المحلل السياسي نزار عبد القادر وقوع حرب بين اسرائيل وحزب الله خصوصاً وان الأخير يُدرك تماماً مدى خطورة فتح جبهة حرب جديدة في وقت لم يخرج فيه بعد من حربه في سوريا واليمن، وانغماسه بشكل من الأشكال في ما يحصل في العراق. كما ان لدى الطرفين أي اسرائيل و<الحزب> رغبة في الابقاء على الوضع الهادىء لأنهما يعلمان أن أي حرب هذه المرة، لن تكون نزهة، فلبنان سيتعرض لتدمير أين منه دمار 2006، وكذلك سيتعرض الأمن والمجتمع الإسرائيلي، الى صواريخ حزب الله وأيضاً بعض المنشآت النووية والحيوية. كما انه ليس هناك مصلحة لحزب الله بالرد على الاميركيين عبر الحدود الجنوبية وبقصف اسرائيل، من هنا نعتبر ان المعركة قد تكون مفتوحة داخل سوريا وربما العراق، وقد تصل الى بعض دول الجوار.

واللافت الأبرز كان في خطاب نصرالله وذلك بعد يومين على اغتيال سليماني، حين أكد أن قاسم سليماني ليس شأناً إيرانياً بحتاً، قاسم سليماني يعني كل محور المقاومة، قاسم سليماني يعني كل قوى المقاومة، قاسم سليماني يعني فلسطين، لبنان، سورية، والعراق، واليمن، وأفغانستان. وتحدّث نصرالله أيضاً عن الردّ على الاغتيال عبر استهداف الوجود الأميركي في المنطقة قائلاً: القصاص العادل هو ما يلي بشفافية ووضوح، الوجود العسكري الأمريكي في منطقتنا، القواعد العسكرية

الأمريكية، البوارج العسكرية الأمريكية، كل ضابط وجندي عسكري أمريكي في منطقتنا وفي بلادنا وعلى أراضينا، الجيش الأمريكي هو الذي قتل هؤلاء وهو الذي سيدفع الثمن، هذه هي المعادلة.

سليماني في عقل حزب الله!

في أي شكل من الأشكال، لا يمكن فصل مفعول الضربة التي تلقتها إيران على هيبتها وقدراتها، عن المفعول الذي شعر به حزب الله في لبنان. فسليماني كان له الدور الرئيس في رعاية الحزب ومده بالإمكانيات، أما الأبرز فقد تمثل في العلاقة التي جمعت سليماني بنصرالله إذ تؤكد العديد من المصادر أن سليماني كان يعتبر نصرالله مرجعاً سياسياً له في المنطقة ومحللاً استراتيجياً من الطراز الأول في جميع القضايا العربية وتحديداً المتعلقة بفلسطين وسوريا والعراق واليمن. وكانت استراتيجية سليماني قد ارتكزت على أن فكرة حماية إيران من جيرانها تتم باقتحام دولهم لتكون الحروب على أرضهم، بدلاً من أن تكون على أرضها كما حصل مع صدام، وبتطوير سلاح الصواريخ الذي افتقدته طهران إبان الحرب مع العراق، وهو الذي عمل على بناء شبكة من الأذرع الحليفة لطهران من أجل ضمان موطئ قدم حيث يستطيع. وكان حزب الله الذراع النموذجية و<المشروع الناجح> بحسب وصف الخبراء الأميركيين ومنهم المسؤول السابق في الخارجية <جيفري فيلتمان>.

من هنا، لم يكن غريباً أن يعلن نصر الله في بيان التعزية بسليماني أن القصاص العادل من قتلته المجرمين الذين هم أسوأ أشرار هذا العالم، سيكون مسؤولية وأمانة وفعل كل المقاومين والمجاهدين على امتداد العالم. وهذا بحد ذاته يُعتبر تأكيد بأن الرد آت. ومع أن أي نقاش في شأن ما يمكن للحزب أن يقوم به ينتهي عند المهتمين برصد توجهات طهران إلى الاستنتاج بأن كل الاحتمالات مفتوحة وتتوقف على نوع الرد ومحدوديته، وما إذا كان سيؤدي إلى حرب لا تريدها الدولتان، فإن الأوساط المتابعة لتوجهات الحزب تشير إلى أن نصر الله استخدم عبارة مطاطة، فترك مسؤولية <القصاص> للمقاومين في <العالم>، ما يرجح عدم حصول الرد في لبنان أو انطلاقاً منه.

أبعاد تصريح أبنة سليماني!

خلال إجراء تلفزيون المنار مقابلة مع زينب سليماني، ابنة قاسم سليماني، أعربت الأخيرة عن ثقتها العميقة بنصر الله. ولخصت المقابلة ببضعة كلمات <أعرف أنه سينتقم لدم والدي>. مجلة <فورين بوليسي> لم تعتبر تصريح زينب سليماني، مؤشراً على أن <الحزب> سيأخذ قريباً المبادرة لإطلاق رد عسكري ضد الولايات المتحدة، بل تضمن في جوهره رسائل ذكية، تذكر بالقوة الإقليمية لإيران، وتلمح إلى كيفية قيام سليماني نفسه بتطوير الحزب ليصبح أحد أعظم حلفاء إيران. وتقول المجلة: إذا ما تركنا الخطاب الناري جانباً، فإن نصر الله يعلم أنه لا يمكن أن يشارك مباشرة في أي نوع من الانتقام. وكما لاحظنا جميعاً، فهو لم يذكر لبنان في خطابه مرة واحدة، ولم يلمح إلى إسرائيل كهدف محتمل. وعلى الرغم من شجاعته، يعرف نصر الله أن الخيار الأفضل بالنسبة له ولإيران هو مواصلة البراغماتية وعدم بدء حرب إقليمية.

وأشارت إلى انه خلال العقد الماضي، كانت استراتيجية حزب الله في لبنان تتلخص بالحفاظ على الاستقرار الذي يحمي مصالح إيران. لهذا السبب بالتحديد رأت الجماعة اللبنانية وجوب إخماد الاحتجاجات الأخيرة في لبنان. وقد أرسل الحزب لهذه الغاية البلطجية لمهاجمة المحتجين في الشوارع، وخصوصاً في البلدات والقرى الشيعية، وزادت التهديدات ضد الناشطين والمعارضين الشيعة. وكشفت أن سليماني سافر مراراً إلى بيروت للمساعدة في تهدئة الاحتجاجات من خلال تقديم المشورة لمسؤولي الحزب، حول كيفية وتوقيت التعامل مع المتظاهرين. وركزت استراتيجيته على هدفين: منع الشيعة من المشاركة فيها والضغط على المؤسسات الأمنية لسحقها. فهو فهم أن أي اضطراب قد يشكل خطراً على مصالح إيران وإنجازاتها الهشة في المنطقة.

في السياق ترى مصادر سياسية لبنانية بارزة، أن حزب الله يواجه صعوبات في إقناع الشارع اللبناني عموماً والشيعي على وجه الخصوص في أي حرب مرتقبة أو أي عملية رد ينوي القيام بها رداً على اغتيال سليماني. إذ يبدو اللبنانيون أكثر تركيزاً اليوم على الاقتصاد والمصاعب اليومية، بدلاً من الخطاب الإيديولوجي. وتقول المصادر: بينما تحاول إيران تعزيز قوتها في العراق، عبر مؤسسات الدولة والمناورات المحدودة ضد القوات الأميركية، سيحاول الحزب، فعل الأمر نفسه في لبنان. ومن المحتمل أن يبذل جهداً لتشكيل حكومة في بيروت تكون أكثر ارتباطاً به وبحلفائه. كما سيحاول تسويق الحكومة كخيار وحيد يضمن الاستقرار، على أمل أن يقدّر المجتمع الدولي أولوية استقرار لبنان على الإصلاح، خصوصاً وأن المنطقة تغلي بالتوتر.