22 October,2020

الولايات المتحدة تخوض كل أنواع الحروب ولكن الصين تكسبها كلها من دون أن.. تحارب

 

بقلم خالد عوض

جندي أميركي يقتاد كلباً آلياً لتدريبه على كشف الكمائن: هل هذا شكل جنود المستقبل؟

  العنوان هو قول مأثور لأحد الباحثين الأميركيين وهو يلخص اليوم حقيقة المنافسة الصينية الأميركية على كل الصعد، العسكرية منها وحتى التجارية. وطالما من الصعب أن تكون الصدفة وحدها هي التي أدت إلى هذه الحقيقة المثبتة اليوم، فمعنى ذلك أن الإستراتيجية الصينية أثقب وأبعد مدى، وبأشواط، من الإستراتيجية الأميركية غير واضحة المعالم. الشريك التجاري الأول للعراق، حيث خاضت الولايات المتحدة أعتى الحروب منذ ٢٠٠٣، هو اليوم الصين. كذلك فإن الإستعدادات الصينية على قدم وساق للإستثمار مع حكومة الطالبان في أفغانستان حيث انغمست الولايات المتحدة عسكرياً منذ عام ٢٠٠١ إثر أحداث ١١ أيلول (سبتمبر)، والإتفاق الصيني الأفغاني الشامل ينتظر خروج الولايات المتحدة من أفغانستان حتى يبصر النور. حتى الحرب التجارية التي أعلنها الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” عام ٢٠١٨ على الصين يبدو أنها باءت بالفشل. فقد سجل العجز التجاري الأميركي في تموز (يوليو) المنصرم حوالي ٦٣ مليار دولار، نصفه مع الصين، وهو ثاني أعلى مستوى عجز شهري منذ ٢٠٠٨، رغم أن “ترامب” أعلن منذ ترشحه عام ٢٠١٦ أن هدفه الأول سيكون تقليص العجز التجاري الأميركي، خاصة مع الصين. أما في مسألة فيروس “كورونا” فالنتيجة واضحة كالشمس مهما كانت الأرقام الحقيقية للإصابات والوفيات في الصين. الولايات المتحدة سقطت في الإختبار الصحي أمام “كوفيد ١٩” بينما تبدو الصين أكثر سيطرة عليه من أي دولة أخرى في العالم. 

الحروب الكلاسيكية انتهت إلى غير رجعة  

الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”: “لم نعد نربح أي حرب”.

بعد فترة وجيزة من استلامه سدة الرئاسة قال الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” لمجموعة من حكام الولايات خلال دردشة معهم : “عندما كنت فتى، في المدرسة والجامعة، كان الكل يقول إننا لم نخسر قط أي حرب. أما اليوم فأقول لكم نحن لا نربح أي حرب”. هناك عدة تفسيرات لكلام “ترامب”. الأول هو أن شكل الحروب إختلف تماماً عما كان في الماضي. لم تعد الحرب منازلة بين جيشين وعلى مساحة معينة من الأرض أو في الجو أو في البحر. هناك حرب العصابات والحروب السيبريانية والحرب البيولوجية وأشكال متعددة أخرى لا تنفع معها حتى القنابل النووية. التفسير الثاني، والذي كرره “ترامب” مؤخراً، هو أن شركات الأسلحة تؤثر على إستراتيجية وقرارات وزارة الدفاع أو”البنتاغون”، وهذا ما يحب أن يسميه الرئيس الأميركي “المجمع الصناعي العسكري الكبير” أي الشراكة الوطيدة بين صناعة الأسلحة والماكينة العسكرية الأميركية التي لا تأخذ بالضرورة مصلحة الولايات المتحدة على المدى الطويل لأنها تؤمن فقط بالحسم العسكري وبالأسلحة المتطورة. أما التفسير الثالث فهو أن العدو في حروب هذه الأيام يبقى أحياناً مجهول الهوية والمكان. هل هو دولة أو منظمة أو مجموعة ممولين أو جرثومة أو أنظمة استخباراتية تعمل مرات خارج قرارات دولها؟ من يدعم حركة “طالبان” مثلاً؟ إيران أو روسيا أو مجموعة متمولين إسلاميين أو كل هؤلاء؟

الصين والشرق الأوسط: مسألة وقت

الرئيس الصيني “شي جين بينغ”: إستراتيجية كسب الحروب من دون.. قتال.

 لا يختلف اثنان أن الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط كان باهظ الكلفة مقابل مردود متواضع نسبياً وأن كل الأهداف التي حددتها الولايات المتحدة لوجودها في المنطقة لم تتحقق. لا نفط العراق أصبح تحت سيطرة الأميركيين ولا الديمقراطية عمت الدول العربية ولا تراجع “محور الشر” أو جبهة الممانعة المعادية للنهج الأميركي. هناك طبعاً بعض النجاحات الأميركية من صفقات سلاح وغيرها، ولكن الحاصل النهائي سلبي بالتأكيد. آلاف الجنود الأميركيين قتلوا وآلاف المليارات تبخرت في الأسلحة وغيرها من النفقات العسكرية والنتيجة أقرب إلى الصفر. فقط الجزء المتعلق بإسرائيل ما زال ناجحاً أي الحفاظ على الكيان الصهيوني ومصالحه الإقتصادية وتفوقه العسكري في المنطقة. ولكن خلال السنوات العشر المنصرمة تمكنت الصين من الدخول بقوة إلى إقتصادات المنطقة وخاصة مصر والعراق، كما حققت بعض النجاحات التجارية في بعض دول الخليج مثل الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان رغم التصدي الأميركي القوي لها هناك. حتى في إسرائيل نما التبادل التجاري مع الصين من ٥٠ مليون دولار إلى أكثر من ١٠ مليارات دولار سنوياً، كما تستثمر الصين حالياً مئات ملايين الدولارات في شركات التكنولوجيا ومراكز الأبحاث الإسرائيلية. الصين تنتظر اليوم تطور الأحداث في الشرق الأوسط، وهي كما فعلت في كل المناطق الأخرى من العالم تنتظر التعثر الأميركي حتى تدخل من الأبواب العريضة.

           

لبنان: لا مساعدات قبل إعادة.. الأموال 

 الكلام اللبناني وخاصة من قبل حزب الله حول ضرورة التوجه شرقاً ليس في محله اليوم. فحتى الصين وجبروتها المالي والإقتصادي لا تعاند في مسألة العقوبات. وبعد فرض الأميركيين عقوبات على الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس يبدو أن عصا الأميركيين الغليظة ضد الفساد في لبنان بدأت تضرب ولم تعد تهديداً فحسب. المنطق الغربي واضح: لا مساعدات قبل إعادة أموال السياسيين اللبنانيين إلى المصارف وحجزها هناك حتى يتبين الفاسد من النظيف. هذا ما يفسر التعميم رقم ١٥٤ لمصرف لبنان الذي “يطلب” من كل المودعين أن يعيدوا بين ١٥ و٣٠ بالمئة من المبالغ المحولة إلى الخارج في الفترة من ٢٠١٧ إلى ٢٠٢٠. وإذا رفضوا سترفع السرية المصرفية عن حساباتهم. هذا التعميم يتمتع بغطاء دولي مطلق. لا صندوق النقد الدولي ولا أموال “سيدر”  ولا حتى أي إستثمار صيني يمكن أن يأتي إلى البلد قبل إعادة ما جناه سياسيو لبنان من أموال الناس والخزينة. ولذلك فالعقوبات على خليل وفنيانوس هي أول الغيث، الآتي بسرعة إلينا.

رغم كل التقهقر في المنطقة ما زال الأميركيون يتمتعون بسلاح لم يتمكن الصينيون حتى اليوم من التحايل عليه اسمه الدولار الذي يسيطر على أكثر من ستين بالمئة من التبادلات المالية العالمية. صحيح أن الصين تعمل بقوة لخلق بدائل نقدية وهي تقلص بسرعة حجم إستثماراتها في سندات الخزينة الأميركية كما أعلنت منذ أسبوع وستستبدلها بسلة عملات مختلفة ولكنها لا تواجه الأميركيين في مسألة العقوبات. حتى يأتي اليوم الذي يمكن على الصين أن تقفز فوق العقوبات الأميركية ستظل بوابة لبنان مقفلة.