21 October,2020

النزاع السياسي يفتح باب الأمن على مصرعيه

بقلم علي الحسيني

“داعش” وحلم العودة الى لبنان

عادت مؤسسّة الجيش إلى دائرة الإستهداف على يد جماعات التطرّف التي سلكت منذ العام 2011، طريق الإجرام والقتل للتعبير عن سلوك إجرامي متجذّر في عقلية رجعية متخلّفة ترى في إجرامها وإنحرافها عن طريق الحق والعدالة، الطريق الأقوم والصحيح لتحقيق نهجها وإعلاء رايتها. هذا الإجرام عاد الاسبوع المنصرم ليطال أربعة عسكريين رسموا بدمائهم طريق الشهادة تحت عنوان، شرف تضحية وفاء.

ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات

سُفك الاسبوع المنصرم، دم الجيش في الشمال على يد مجموعة مسلحة بالإرهاب وإيمان مُزيّف اتخذت من رصاص الغدر والخيانة، قانوناً لتنفيذ حكم الإعدام بحق أربعة جنود قرّروا المضي على خط أسلافهم الشهداء الذين رفعوا رايات النصر والعزّة عند الحدود، ودحروا الإرهاب خلف جبال تُشبه هاماتهم وصلابتهم. وضمن هذا الخط المُزيّن بالإنتصارات، فتح الجيش منذ أيّام جانباً من حروبه الأساسية مع الإرهاب في معركة توّجت بقتله مسؤول مجموعة “داعشية” (خالد التلاوي) واعتقال شريكه عبد الرحمن الرزاق، على الرغم من الخسارة الكبيرة التي لحقت به جرّاء استشهاد أربعة من جنوده.

في السياق، تؤكد مصادر أمنية أن لبنان كله مفتوح أمام العمليات الاستباقية التي تقوم بها مخابرات الجيش بالإضافة إلى بقية المؤسسات الأمنية في البلد والتي تُنتج في كل مرّة، عن كشف خلايا نائمة ومجموعات إرهابية متنقلة، بالإضافة إلى مخابئ للأسلحة أو عبوات معدة للتفجير أو قيد الاعداد. أمّا ما حصل منذ أيّام قليلة، فالمؤكد انه لا يقع ضمن الجرائم التي تتم عن طريق الصدفة، فالمجموعة الإرهابية كانت تُعد لمُخطّط كبير في البلد، لكن حكمة القيادة العسكرية والمُشرفين عليها بالإضافة إلى بقية الأجهزة الامنية، أحبطت هذه المحاولة، والمعروف أن هناك تكلفة غالية دائماً تُدفع في مثل هذه الحالات.
أيضاً، من نافل القول، إن البلد مفتوح على كل الاحتمالات طالما أن الطمأنينة السياسية شبه غائبة عن الواقع اللبناني، وهذا ما يسمح للعديد من الجهات المتربصة بنا، استغلال هذه الثغرة للنفاذ منها الى الواقع اللبناني وتنفيذ عمليات متعددة في أكثر من منطقة. وهذا الامر يجب التنبّه له خصوصاً لدى المسؤولين الكبار الذين يؤجّجون الخلافات السياسية بينهم على خلفيّة المحاصصة وتقاسم المغانم، مقدمين بذلك مصالحهم الخاصة، على المصلحة الوطنية التي بدأت تظهر خلال الفترة الماضية مدى هشاشتها، سواء بالنسبة إلى الأمن المتفلّت ولن يكون اخرها ما جرى في خلدة، أو بما يتعّلق بعودة تنظيم “داعش” للعبث بالساحة الداخلية.

إفشال عملية إنغماسية

الارهابي خالد التلاوي

منذ فترة غير بعيدة، أعلنت قوى الأمن الداخلي أنها أفشلت في عملية استباقية مخططاً كان أحد الاشخاص من التابعية السورية، تنفيذه وهو عبارة عن عملية “انغماسية” ضد عناصر الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. واللافت أن الموقوف كان يعمل في مجال رفع الأنقاض والزجاج المحطم في أحياء الأشرفية المدمرة جراء تفجير مرفأ بيروت، وفي تلك الأثناء تولدت لديه فكرة استهداف الدوريات بقنابل يدوية، كان ينوي الحصول عليها من أحد المخيمات الفلسطينية في لبنان.

المعلومات تُشير إلى أن الموقوف دخل خلسة إلى لبنان للمرة الأولى، واستدرج إلى التوقيف بعد أن أخضع للمراقبة، مشيرة إلى أنه يعمل مياوماً لمصلحة شركة تنظيفات في الجميزة، ويسكن في منطقة متداخلة بين مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت. وقالت إنه اعترف بأنه كان يخطط لتنفيذ عملية انغماسية ضد عناصر الجيش وقوى الأمن الداخلي عبر إطلاق القنابل عليهم في شارع الجميزة حين يعمل، وكان يبحث عن أدوات لتنفيذ مخططه قبل أن يتم توقيفه أثناء التحضير لعمليته. ولفتت إلى أن اعترف بأنه خضع لدورات تدريب عسكري في تنظيم داعش، وتلقى دروساً بالفكر المتطرف لمدة ست سنوات، تنقّل خلالها بين سوريا والعراق ولبنان.

الخبير الأمني العميد المتقاعد ناجي ملاعب، يرى أن اعتقال مديرية قوى الأمن الداخلي لعنصر من داعش، يؤكد جهوزية الأجهزة الأمنية لضبط الأمن في لبنان حتى وسط أعقد الظروف. كما أن وحدات المخابرات والمعلومات والاستقصاء تعمل بطريقة منسقة للقضاء على الإرهاب المحلي والعابر للحدود. وأكد  أن ساحة انفجار مرفأ بيروت والمناطق المحيطة لا تزال تخضع لإجراءات أمنية مشددة للحؤول دون حصول أي خروقات أمنية أو عمليات إرهابية.

أضاف: مما لا شك فيه أن الساحة اللبنانية بعد انفجار مرفأ بيروت، باتت أرضاً خصبة لعودة داعش، لكن الأجهزة الأمنية اللبنانية تمتلك تقنيات حديثة في عالم الاتصالات، بينها تقنيات تسمح لها بكشف الخلايا الإرهابية النائمة.

لا بيئة حاضنة لداعش في لبنان

 مصدر أمني رفيع يؤكد أن قيادة الجيش ومنذ الإنتصار الكبير في الجرود، وضعت في الحسبان فرضيات عدة أبرزها: محاولة الجماعات الارهابية إستنهاض بعض “الخلايا النائمة” في بعض المناطق مع العلم أنه لا توجد لهؤلاء أي بيئة حاضنة في الداخل على الإطلاق. لكن هناك مسعىً دائماً لأفراد أو مجموعات سواء بقرار خارجي أو ذاتي، إلى هز الوضع الأمني في البلد وضرب استقراره بطرق متعددة.

شهداء الجيش الأربعة الى مثواهم الأخير

وجزم المصدر بأن إستباحة الأمن لم تعد مسموحة بأي شكل من الأشكال، ومن الآن وصاعداً، ليس من السهل جعل البلد، ساحة مفتوحة للعبة الأمنية ولا حتى ملعباً للمغامرين يُنفذون فيه “هواية” الإجرام والقتل، ولا حتى جعل أي بقعة في لبنان، مقرّاً للإرهابيين أو مستقراً لهم.

وأهم ما برزه المصدر في عملية تثبيت الأمن التي يعتمدها الجيش: إغلاق الحدود البرية بشكل كامل وعدم السماح تحت أي من الظروف، بعودة الجماعات الارهابية إلى الداخل اللبناني أو مجرد التفكير بهذا الموضوع. ويجب عدم نسيان أن لبنان ومقارنة مع الدول الأوروبية، هو أقل بلد يتعرض لاعتداءات أو هجمات إرهابية ناجمة عن تحركات لخلايا نائمة. ولكن كل هذا لا يعني أن لبنان بمنأى عن الأحداث بشكل كلّي أو أن الأمن مُستتب مئة في المئة.

دور السفارات في تثبيت الأمن وزعزعته

كثيراً ما يتردد في الإعلام اللبناني، دور السفارات في لبنان في عملية تثبيت واستقرار الأمن في البلد، أو اهتزازه. وتتناقل الاتهامات حول دور السفارات وأجهزتها بين فريقي 8 و14 أذار. ففي حين يتهم الفريق الأول كل من السفارة الأميركية والسعودية والإمارتية والتركية بالعمل على تخريب الوضع الأمني الداخلي وزعزعة الاستقرار لمآرب إقليمية ودولية، يرى الفريق الآخر أن للنظامين الإيراني والسوري الدور الأبرز في عملية هزّ الاستقرار الداخلي، ودعم مجموعات داخلية لتفجير الوضع، من خلال الاستقواء بسلاح حزب الله.

وعلى سبيل المثال، يرى البعض أن الهدف الأساسي لبعض المجموعات التي تخرج بين الحين والآخر الى الشارع تحت حجّة المطالبة بالإصلاحات، إنما هي موجهة بشكل واضح من ​السفارة الأميركية​ وسفارات أخرى ويديرها على الأرض مسؤولون حزبيون لأحزاب في المعارضة، وكذلك تتحرك بشكل متزامن في مناطق متعددة لإشغال الجيش وإرباكه، وكذلك الاصطدام حيث أمكن مع ​القوى الأمنية​ والاعتداء على آليات الجيش والاحتكاك جسدياً به لإثارة ردود فعل قاسية منه.

ويكشف مرجع أمني سابق أن تحريك مدينة ​طرابلس​ من قبل البعض، يأتي لأسباب عدة: اولاً إنها تفتقد إلى المرجعية السياسية الواحدة، وكذلك إلى الانقسام بين قواها السياسية والنيابية والوزارية بالإضافة إلى الخلاف بين تيار “المستقبل” والقوى السنية الأخرى، وكذلك إلى وجود حالة انقطاع كاملة بين الناس وبين الطبقة السياسية التي تعاقبت على طرابلس، وهي اليوم في المعارضة لكنها لا تزال في ​الدولة​ ولها نفوذ سياسي ونيابي، ولكنها لم تقدم فلساً للطرابلسيين بل تستغلهم في ​الانتخابات​ والمهرجانات التي كانت تجرى قبل 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019.

مطار بيروت.. الخوف الأبرز

مطار بيروت في ظل الاجراءات الامنية

بعد إنفجار المرفأ، راح الحديث يكثر عن احتمال كبير بحصول خضّة أمنية ما، داخل مطار بيروت سواء بفعل فاعل، أو نتيجة استهتار ما يُشبه ما حصل في المرفأ. والسؤال الذي يتبادر اليوم، ماذا لو تم استهداف المسافرين في مطار رفيق الحريري الدولي؟، هل فعلاً المطار آمن وبعيد عن دائرة الاستهداف، وهل الإجراءات الامنية التي تقوم بها كل الأجهزة، كفيلة بمنع حصول أي اعتداء، ام انها تحتاج إلى جرعات مكثفة من التفعيل والتنشيط، على قاعدة استخلاص الدروس والعبر مما تتعرض له مطارات دولية أخرى كان يُعتقَد أنها محصنة ومحمية؟.

المصادر الامنية المواكبة لكل هذه الإجراءات والتي تُتخذ على أعلى المستويات، تؤكد أن هناك العديد من الإجراءات الامنية قد اتخذت سابقاً وخلال الفترة القريبة، من شأنها ان تمنع وقوع عمليات إرهابية وتحول دون وقوع خسائر يُمكن ان تعتبرها هذه الجماعات بمنزلة إنجاز لها. وتكشف المصادر أن حماية المطار تخضع للعديد من الإجراءات لا يُمكن الكشف عن معظمها كونها تقع ضمن السرية الكاملة التي تحتفظ بها الأجهزة المولجة بحمايته وهذا يتم بالتنسيق والتدريب بين هذه الأجهزة وبإدارة وإشراف الوزارات المختصة.

وتضيف: لكن من ضمن الإجراءات العلنية، المُتخذة للحماية، يمكن الحديث عن وجود سور خارجي متين ومتطور، للحؤول دون اختراق حرم المطار، إضافة إلى نشر كاميرات ونقاط استطلاع للجيش والقوى الأمنية (أبراج مراقبة) في الجهات الأربع خارج نطاق السور لمنع التسلل ورصد أي جسم مشبوه. كما يتم تغليف كل حقيبة سفر بالنايلون، لكشف أي محاولة لفتحها أو العبث بها، خصوصاً في مرحلة نقلها يدوياً إلى الطائرة بعد عبورها أجهزة الـسكانر. ويُضاف إلى هذه الأمور، تخصيص مراقبين من شركات السفر للإشراف على نقل الحقائب إلى الطائرة، مع إجراء مسح لهويات الموظفين والعمال في مرافق المطار الحساسة أمنياً.