5 August,2020

المخرج إيلي فهد عن فيلمه القصير "ست الدنيا":اخترت كارمن لأنها تشبه بيروت، وكارمن بصيبص : "رح منضاين" !

بقلم عبير انطون

ألف سؤال لبيروت

 هي بيروت التي قيل فيها أجمل القصائد والكلمات والتي قامت من تحت الرماد ألف مرة،   يصوّرها المخرج اللبناني الشاب إيلي فهد، مع الممثلة كارمن بصيبص في شريط قصير تحت عنوان “ست الدنيا”!.. “محاكاة” المدينة هذه ،عرفت أصداء حلوة كثيرة . وبمختصر مفيد وممتع ومتسّعِ لألف إحساس يطالعنا السؤال الدائم: هل نترك بيروت ونرحل عن البلد؟  وإن فعلنا هل ستتركنا من جانبها أو يبقى ظلها وسحرها وهواها والحنين اليها يطاردنا الى أقاصي الأرض؟ هل ستقوم المدينة من جديد وكيف؟ وهل إن نسينا أن نسأل عنها ، ستنسى هي السؤال عنا ؟

 جاءت الدقيقتان اللتان تشكلان الفيلم مفعمتين بكل الوجع وكل الامل الذي يحمله الثنائي فهد – بصيبص عن المدينة . فماذا عن الفيلم وكواليسه ، من هو مخرجه وماذا تقول بطلته؟

هما شاب وشابة امام بيروت يسألانها “هل ستصمدين”؟ مع جواب مسبق لديهما بالايجاب.  فلا يمكن لبيروت أن تموت وهي “ستضاين” كما يقول الفيلم . بكثير من الحرقة تسألها كارمن: “كيفك”؟ وكأنها بذلك تسأل تلك الصبية الفائقة الجمال التي عرفت المجد والعز في غابر الايام وتئن اليوم تحت وطأة القلق ونزاع البقاء على قيد الحياة، إن كانت بخير هي وأهلها.

فحياة شبابها كهولة، وأحلامهم ضائعة. تسأل كارمن ومعها إيلي وهما يرمزان الى كل شباب هذا الوطن الذي تضيع سنوات عمرهم بين ثنايا الأيام المتقلّبة والتي تحمل في كل يوم مفاجأة غير سارة : “كيف كبرنا هالقد؟”. فهموم المدينة أثقلتهما حتى باتا لا يعرفان من العمر إلا اللهاث خلفه..وكل ذلك يمر على خلفية صور لوسط البلد وسينما الريفولي  والمنازل القديمة والبيوت المتواضعة .

تقول كارمن إنها وافقت على الفور على الفكرة لأنها مسّتها بالعمق، وهي تحب نظرة ايلي لـ”الأمور وتصويره المبدع ورؤيته المختلفة معبرة عن سعادتها بأن الفيديو استطاع أن يؤثر لهذه الدرجة بالناس،

إيلي لن اتنازل عن فكرة الاحلام

وأن تصل الرسالة منه، خاصة لناحية الامل بالغد الذي يعطيه ، والصمود الذي تؤكده لنا بيروت، على الرغم من الحزن الذي فيه”.

 من جهته يروي صاحب الفكرة، مخرجها والمشارك في أدائها ايلي فهد جوانب شريطه لحبيبة القلب “بيروت” كما يحلو له أن يدعوها :

في كانون الاول ( ديسمبر) الماضي ولدت الفكرة وكنت  بدأت أشعر بأننا لم نعد نسأل عن بيروت كفاية.. ما عادت همّنا، وكأننا نسينا المدينة وتخلينا عنها في محنتها، والتهى كل منا بنفسه، فكتبت ما يشبه رسالة أتوجه فيها الى “ست الدنيا”:  قرأتها على مسامع صديقتي كارمن، فوافقت على الفور بعد أن أدمعت. الا أنني وضعت الموضوع جانباً، وجاءت الثورة ومن بعدها “كورونا” حتى أتى يوم كنت أسير فيه  منذ  ثلاثة  اسابيع في منطقة الجميزة في “الأشرفية” ، فوجدت المحلات مقفلة، والشرفات مكفهرة، لونها حزين، وكأنها “زعلانة”  فأردت أن أترجم ما أراه، وعدت الى رسالتي . اتصلت بكارمن ومدير الاضاءة  جهاد سعادة اللذين كانا حاضرين، ونفذنا الفيلم الذي يقع في دقيقتين بشكل تلقائي جداً .

صداقة ايلي مع كارمن تعود الى لقاء جرى بينهما للمرة الاولى منذ حوالي 12 عاماً في أحد مهرجانات الافلام، حيث كان لكل منهما فيلم خاص به ، ومنذ ذلك الحين توطّدت صداقتهما. هو لم يخترها لأنها اكتسبت صفة “عروس بيروت” بعد المسلسل الناجح الذي تلعب كارمن بطولته، وتستمر في تصوير جزئه  الثاني حالياً في تركيا” إنما لأنها تشبه المدينة كما يقول ايلي “بجمالها وهدوئها وصخبها”، علماً

جائزة من البرتغال

أنه لم يولد فيها ولا هو حتى من سكانها.  

“هنا المفارقة”، يقول ايلي الذي تخرج من الجامعة اللبنانية قسم الاخراج في العام 2013:  فأنا من بلدة “زيتون” وهي ضيعة صغيرة فوق نهر براهيم. الا أن تعلقي  ببيروت بدأ لما  بتّ أشعر بأن هذه المدينة يمكن للشاب فيها أن يحقق احلامه، وأنا متعلق بفكرة الاحلام ، وستبقى تجذبني كل العمر. فلما بدأت ألمس أنه هنا في بيروت يبدأون بتحقيق الأحلام ومنها يتطلعون صوب الأبعد، صرت أتقرب من المدينة أكثر وأتعلق بها خاصة بعدما احتككت بحركتها، وناسها من خلال يومياتي وعملي الذي يتطلب وجودي فيها بشكل كبير.

دينامية… 

ست الدنيا

أجمل مطارح بيروت بالنسبة لـ”ايلي” هي “الجميزة”، و”أحب حي سرسق تحديداً حيث عملت كنادل في أحد مطاعمها لفترة . أنا متعلق بديناميكية المكان، علماً أنه في الصيف تشعرين أن بيروت “ما إلها جلادة حدا”، ولكن الناس تقصدها .  لما ترين السواح وسكان المدينة والى اي مدى هي  تجذب اشخاصاً من داخل البلد ومن خارجه يستوقفك ذلك،    خاصة أنك لا تجدين ذلك في مكان آخر، خاصة في الدول العربية . فعلاً، سحرها لا يقاوم وأنا لم اختبره سابقاً. كنت اسمع بذلك السحر، من اهلي والناس، لكنني لمسته واختبرته وعرفت معناه”.

 وعن الحلم الذي اتاحت له بيروت تحقيقه، فإنه اولاً ايمان فهد بفكرة السينما :

 “انا قادم من ضيعة لا تعني لها الافلام كثيراً، ولا مكاناً كبيراً لها فيها . عيشتها متواضعة جداً من ناحية الاحلام، والاختصاص السينمائي لا يدخل  في حسابات اهلها . كنت مقرراً التخصص في طب الاطفال، الا أنني شعرت نفسي “مخنوقاً”.. اصحو وانام واجدني غير قادر الا على صنع الافلام، فتقدمت الى امتحان السينما في الجامعة من دون أن يعلم أحد،  وتم قبولي . صحيح أن إمكانياتنا في المدينة صغيرة، لكن في الوقت عينه اعطتنا بيروت كل شيء حتى نحقق ما نصبو اليه . اعطتنا الوحي، والحب، والانفتاح على العالم.  

الافلام القصيرة التي قدمها ايلي، هو فخور جداً بها خاصة وأنها أوصلته الى مهرجانات لم يسبقه اليها كثيرون واكسبته جائزة في البرتغال مثلا :”كم هو جميل أن احكي واخبر من خلال الافلام القصيرة، ما اريد أن اعبر عنه. أنجزت فيلماً عن الأمور التي أحبّها فيّ”

 Things I Love كما أنجزت بين افلام اخرى ايضاً فيلماً لدقيقتين تحت عنوان  

إيلي فهد وكارمن الصديقة

“Life In 2 Minutes”(حياة في دقيقتين) لما خسرت والدي، كما وايضاً فيلم  

“The Fear Of Fear”  الذي أنجزته في العام 2019 ويتناول فكرة الخوف، والخشية من أن نمضي في تحقيق احلامنا بسبب الخوف، وان نغير اموراً في حياتنا بسببه ايضاً فنجده محوره عيشنا وهو يطالعنا عند كل مفرق .

 تغريدته عن الخوف التي  نشرها ايلي من وحي الفيلم اعجبت اليسا فأعادت نشرها ولقيت تفاعلاً . صحيح، يقول فهد. ويذكر أنه بهذا الفيلم الذي تم عرضه في مهرجان “GQ Portugal Men Of The Year event” عن الاشخاص الذين احرزوا فرقاً ما، نال جائزة :”كنت المخرج اللبناني الاول  الذي وصل الى هذا المهرجان في ليشبونة في البرتغال من خلال هذا الفيلم الناطق باللغة العربية فإذا بالناس تتفاعل مع فيلم لا يتحدث لغتهم ولا هواجسهم ، لكن الاحساس وصلهم ، وكنت ترجمته الى الانكليزية كما افعل لكل افلامي عبر اليوتيوب” .

كل يوم ..

بالعودة الى فيلمه “ست الدنيا” كما سماها الشاعر الكبير نزار قباني ، نسأل ايلي :

 برأيك، كيف يمكننا أن نضاين وماذا تفعل أنت كي تصمد ؟ هل تفكر بحزم الحقائب والسير الى حلمك خارج البلد؟

إنه السؤال الذي أطرحه على نفسي في كل يوم. لسنا نعرف ماذا يخبئ لنا الغد، حياتنا،   ارضنا، المال الذي جنيناه بعرق جبيننا وأودعناه المصارف، هل سيكون لنا ؟ نعيش في “اللا طمأنينة ” كل الوقت، نحمل هم البلد على أكتافنا في حين أننا اوكلنا المهمة الى من انتخبناهم، وعليهم هم أن يقوموا بالمهمة، ولا يفعلون. فكمية  الهموم والتساؤلات لابن 25 عاماً كبيرة، في حين أنه في مختلف دول العالم يكون ابن الخامسة والعشرين بصدد تحقيق حلمه الثاني لا الاول. شخصياً، لا اعرف أن كنت اترك الى بلد آخر . ما زلت في مرحلة رمادية مترددة، وقد أكون بين سفر وعودة من دون اقامة دائمة في بلد آخر، على أن يشبهني هذا البلد الآخر ولا يكسر احلامي .

هل ستصمدين؟

وعن الكلام الكثير الذي كتب عن الفيلم القصير، وإيه كان اجمله بالنسبة اليه واثر فيه     يقول ايلي:

في الواقع ، وبصدق، أنا نفسي تفاجأت برد الفعل الذي لقيه الشريط، فبعد أن نشرناه على مواقع التواصل كارمن وأنا، ما هدأت الاتصالات بنا. لن اقول لكم اجمل ما قرأته وهو كثير كثير، لكن اجمل ما سمعته وردني من صديق لي يقيم في قطر وهو نصف قطري – نصف لبناني يقول لي فيه : نشاهده ونبكي . هناك الكثير من البلدان ولكن ليس هنالك الكثير من الاوطان ، ولبنان وطن. ويضيف ايلي :

 إنه فعلاً اجمل الاوطان مع كل “البلاوي الزرقا” التي نعيشها فيه.

  وعن التحضير لفيلمه الروائي الطويل يؤكد ايلي أن العمل عليه قائم، ويمكن أن يوضع في خانة الافلام الاجتماعية، وهو “كتير لبناني”، من الحياة اليومية. الفكرة جاهزة، ونصف النص ايضاً .

وحول ما اذا كانت البطولة ستعقد لكارمن بصيبص أيضاً، يجزم فهد أنه من المبكر الحديث عن ذلك بعد .أما الكليبات الغنائية التي أخرج العديد منها فيفضل عليها الآن الكليبات التي تهتم بالموضة والتصاميم والازياء ويشرح :

“في هذه المرحلة أنا على مشكلة مع الموسيقى . لا تجذبني الا تلك المستقلة، المغايرة والمختلفة . أما الـ” فاشن فيلمز” او الاعلانات والفيديوهات التي تختص بالموضة فهي تجذبني جداً ، وانجزت العديد منها في دبي لـ” ديور” و”شانيل” وايلي صعب وزهير مراد ونيكولا جبران وغيرهم. مؤخراً صورت اعلاناً لاحد الهواتف الخلوية مع سيرين عبد النور، وقبلها لماركة مجوهرات مع اليسا، وفيلماً لـ”بولغاري” مع نادين نجيم .

 ماذا اخيراً عن الإخراج التلفزيوني ؟ هذا ليس مستبعداً بالنسبة لايلي، بانتظار العرض المناسب وما يقدم له من اقتراحات ترضيه .