25 November,2020

المبادرة الفرنسية.. طارت أم لم تطر؟

بقلم علي الحسيني

 

الرئيس ميشال عون والسفير “باتريك دوريل”.. الوضع راوح مكانك.

 بعد العقوبات المالية التي فرضتها الولايات المتحدة الاميركية على رئيس “التيّار الوطني الحر” النائب جبران باسيل، استنفرت الدولة الفرنسية بكامل أجهزتها السياسية والدبلوماسية خشية أن تنسف العقوبات هذه، الجهود التي ما زالت تبذلها فرنسا من خلال مبادرتها المتعلقة بعملية تأليف الحكومة. واللافت أن العقوبات فُسّرت على أكثر من جبهة، على أنها تستهدف المبادرة الفرنسية بشكل أو بآخر، وكأنها جاءت لتُفرمل التشكيل الذي كان قاب قوسين أو أدنى من خروجه للعلن، خلال الأيّام القليلة التي سبقت القرار الأميركي.

خشية فرنسية

 توجد خشية فرنسية فعلية اليوم، من تطيير مبادرة الرئيس “إيمانويل ماكرون”، سواء بحجج داخلية معقدة، أو عبر قرارات خارجية ترمي إلى إفشال الدور الأوروبي في المنطقة. ومن بوابة استلحاق ما يُمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، قرّر سيد الإليزيه إيفاد مستشاره لشؤون الشرق الادنى” باتريك دوريل” إلى بيروت الاسبوع الماضي، واضعاً في جعبته جملة من الأسئلة بالإضافة الى مقترحات جديدة، من شأنها إعادة الروح الى المبادرة الفرنسية والدفع بها مُجدداً نحو السكّة الصحيحة.

ثمّة أسئلة كثيرة كانت تُطرح على طاولة النقاش السياسي وتحديداً داخل أروقة المعنيين بعملية تشكيل الحكومة، سواء من أحزاب أو من جهات سياسية، تزامناً مع توقيت الرحلة التي كانت تُقلّ “دوريل” من باريس إلى بيروت، لدرجة أن البعض كان على علم مُسبق بأن ثمّة نبرة فرنسية عالية هذه المرّة، سيوجهها الموفد الفرنسي للمسؤولين اللبنانيين، تتضمّن تأنيبات قد تصل ربما إلى حد التهديد بعقوبات على المسؤولين عن التعطيل، يُمكن ان تُضاهي في مكان ما، العقوبات التي فرضتها الخزانة الأميركية على باسيل، في حال استمرّ هؤلاء في إفشال

الرئيس نبيه بري ..ملجأ الوفود وحصن المبادرات.

المبادرات.

في السياق، يكشف مرجع دبلوماسي أن اللبنانيين يبرهنون كل يوم انهم عاجزون عن إدارة شؤونهم بأنفسهم وانهم ما زالوا يحتاجون إلى وصي خارجي لكي يُدير أمورهم، خصوصاً في ما يتعلّق بعمليات تشكيل الحكومة التي تحوّل التعطيل فيها إلى عُرف أو دستور يجب اتباعه بين فترة وحين. أمّا بخصوص المبادرة الفرنسية التي هي بمثابة خشبة خلاصنا الاخيرة، فيؤكد المرجع نفسه أنها لن تنتهي إلا إذا قرر السياسيون في لبنان إنهاءها، وهذا الأمر ستكون تكلفته غالية جداً، علينا كشعب وعلى السلطة الحاكمة، خصوصاً لجهة العقوبات التي عُلم أن “دوريل” قد لوّح بها وإن بطرق غير مباشرة.

خفايا النقاش بين رعد والموفد الفرنسي

مصادر سياسية كشفت لـ”الأفكار” خفايا اللقاء الذي عُقد بعد ظهر يوم الخميس الماضي بين السفير “دوريل” ورئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد في الضاحية الجنوبية، مشيرة إلى انه لم يكن إيجابياً على النحو الذي كان يأمله الجانب الفرنسي.

وأكدت المصادر أن “دوريل” طلب من رعد تسهيل حزب الله مهمة الرئيس سعد الحريري والتدخل لدى النائب جبران باسيل لحل عقدة وزارة الطاقة خصوصاً وأننا قمنا نحن بما علينا في موضوع تثبيت وزير المالية من حصّة الطائفة الشيعية بالإضافة إلى تسمية وزرائكم.

رعد رد على “دوريل” بحسب المصادر: ما حصلنا عليه هو حقنا كقوى سياسية لها تمثيلها الواسع والرأي الواحد، وحقنا في أن يكون لنا رأي في القرارات التي تُتخذ بين رئيسي الجمهورية ورئيس الحكومة، ليرد عليه “دوريل” ممازحاً: انتم تحصلون يا سعادة النائب على كل البلد وليس فقط على حقيبة أو بضعة مقاعد وزارية. وتابع رعد: حجمنا التمثيلي يتخطى كل هذه الاعتبارات ومن حقنا حماية مقاومتنا. والأبرز أننا لا نستطيع أن

النائب محمد رعد.. ماذا قال للموفد الفرنسي؟

نمون على حلفائنا بالطلب منهم التنازل عن أي حقيبة أو أن يكون التسهيل على حسابهم، فما لا نرتضيه لأنفسنا لا نرضى به لحلفائنا.

أضاف رعد: يُمكنكم الطلب من الرئيس المكلف إعادة النظر في بعض الأمور التي يتشدد بها بطلب منكم طالما أن مصلحة الجميع تقتضي تشكيل حكومة وحدة وطنية مهمتها إنقاذ الوضع المالي والاقتصادي. وتلفت المصادر إلى أن “دوريل” استفسر رعد عن حالة التأهب عند الحدود الجنوبية مطالباً التخفيف من حدة التوتر، أقله إلى حين تأليف الحكومة، فكان جواب رعد: نحن في سياساتنا لا نفصل بين عملنا كمقاومة وبين العمل السياسي وبالنسبة إلى “المقاومة”، فهي تقوم بما تراه مناسباً.

ربط العقوبات الأميركية بالمبادرة الفرنسية

بطبيعة الحال، فإن الزيارة الفرنسية لبيروت جاءت بعيد انقضاء مهلة الاسابيع الخمسة التي مددها “ماكرون” للمبادرة في مؤتمره الصحافي، على اثر اعتذار السفير مصطفى اديب عن تشكيل الحكومة في 26 ايلول (سبتمبر) الفائت، بحيث استوضح الموفد الرئاسي المسؤولين اللبنانيين عن مدى التزامهم بالمبادرة التي تعهدوا تنفيذها، وإلا وخلاف ذلك، يعني تحمل تبعات سقوطها، بما يعني هذا السقوط على مستوى مصير لبنان الذي حذر وزير خارجية فرنسا “جان ايف لودريان” من زواله عن الخريطة في ما لو لم ينفذ الاصلاحات.

أمّا حول ربط العقوبات الأميركية على باسيل بموضوع تأليف الحكومة وبأنها تستهدف المبادرة الفرنسية بشكل أساسي، ينفي أكثر من مصدر هذا التفسير، كون العقوبات برأيهم تهدف إلى ما هو أبعد بكثير من عملية تأليف الحكومة، فهي استهداف لخط سياسي مُرتبط بتعاون لصيق مع حزب الله وبخط يمتد من لبنان إلى ايران ولو تحت حجّة الإصلاح والفساد. وفي جميع الأحوال، فقد سمع أهل السلطة من “دوريل”، كلاماً قاسياً وضعهم جميعهم أمام مسؤولياتهم، وأكثر من ذلك، فقد سمّي خلال لقاءاته السياسيين، الأشياء بأسمائها ودل

“دوريل” يسأل عن وضع الحدود.

بأصبعه على الجهة المُعرقلة.

هذا في القراءة الدبلوماسية، أمّا في القراءة السياسية، فثّمة فريق يعتبر إصرار الرئيس المكلف سعد الحريري على إخراج حقيبة الطاقة من يد تياره السياسي، أنه ليس أمراً شخصياً أو له علاقة بطبيعة العمل الحكومي، إنّما كونه مطلباً فرنسيّاً مُباشراً يعود إلى طموح الدولة الفرنسية بلعب دور مهم في مجال الطاقة في لبنان لما تتضمنه من نفط وغاز، ولذلك ثمة إصرار دائم من “ماكرون” على أن مدخل الإصلاح ومكافحة الفساد لا يكون إلا من هذه الوزارة.

ومن جهة أخرى، ثمّة كلام عن ان باسيل يخوض منذ سنوات طويلة تسويّات مع الجانب الروسي تقوم على تعاون في مجال الطاقة وتحديداً في مجال النفط والغاز، مقابل دعم روسي لوصول باسيل الى رئاسة الجمهورية. والبعض يؤكد هذا الإستنتاج، لما رآه اللبنانيون خلال الزيارة التي كان قام بها رئيس الجمهورية ميشال عون إلى موسكو منذ أكثر من عام، والطريقة التي تم فيها اصطحاب باسيل، في حين كان مقرراً يومها أن يصطحب معه وزير الدفاع آنذاك الياس بو صعب.

هل أنقذ الحريري المبادرة؟

اليوم وعلى رغم انقضاء كل المهل ومحاولة تفريغ المبادرة “الماكرونية” من مضمونها لمصلحة الاسلوب اللبناني المحاصصاتي الذي اثبت فشله حكومياً واسقط الدولة في المحظور، إلّا انه لم يصدر اي نعي رسمي لهذه المبادرة المفترض انها انقاذية، اذا ما تبقى فيها من سبيل للانقاذ. فالمشاورات لم تتوقف وكذلك الاتصالات التي كانت اعادت تحريكها مبادرة الرئيس الحريري بعد دخولها في “كوما” لفترة زمنية غير طويلة، بفعل الشروط الطائفية والمذهبية التي وضعها من يُفترض أنهم الجهة المؤتمنة على إنجاح المبادرة.

الرئيس سعد الحريري والنائب جبران باسيل ..لا سلام ولا كلام.

وفي حين ترى جهات سياسية محددة ان ايران تستخدم المبادرة الفرنسية وتحديداً تشكيل حكومة لبنان في اطار صراعها مع الولايات المتحدة الاميركية من باب الضغط على الفرنسيين لحمل الاتحاد الاوروبي على مواجهة عقوبات واشنطن المفروضة عليها والاصطفاف الى جانب طهران في المواجهة عبر كسر طوق الحصار، ترى جهات مقابلة أن الأميركي هو الذي يُمعن في إسقاط المبادرات المعنية بخروج لبنان من أزماته، لأسباب باتت معروفة وهي تحميل ايران وحزب الله، مسؤولية هذا التدهور، وجعلهما السبب الرئيسي أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، لمنع تشكيل الحكومة وبالتالي مع ما تستوجب هذه الإتهامات من تحركّات شعبية ومطلبية في مواجهة حزب الله.

الحقيقة، أن الحريري قدم آخر ما لديه مغامراً بكل رصيده الشعبي وبعلاقته مع رؤساء الحكومات وبما تبقى له من صلات بالمملكة العربية السعودية التي اطل ملكها منذ فترة مهاجماً حزب الله امام المجتمع الدولي، فهل يكون في وارد الاندفاع اكثر نحو الانتحار السياسي بالرضوخ لمزيد من شروط الثنائي المراهن على وطنيته ومحاولاته الانقاذية للبنان لانتزاع مكاسب حكومية اضافية، أم انه سيتخذ قرار الاعتذار ويترك الجمل بما حمل؟. والسؤال الأبرز، هل يُمكن للثنائي الشيعي أو لباسيل، إيجاد بديل عن الحريري ينال رضى الخارج قبل الداخل، كي يتسلّم دفّة التأليف في هذا الوقت العصيب؟