30 September,2020

المايسترو إيلي العليا يطلق الصرخة: القطاع الموسيقي في لبنان يتدمّر .. ونعدّ لتحرك واسع !

  

بقلم عبير انطون

اخترت بيتي مطلاً على بيروت لؤلؤة البحر ..

 من وجع عميق أطلق المايسترو إيلي العليا صرخته حول القطاع الموسيقي في لبنان . الحفلات التي أحياها قائداً للفرقة الموسيقية لكبار النجوم اللبنانيين والعرب ، لم تنزع عنه صفة التواضع الجمّ ، أما المهنية التي يتميز بها فتجعله مقدراً من قبل الجميع .

في لقاء “الافكار” معه كانت باقة من الأسئلة ، تطرقنا فيها الى حال الموسيقى وأهلها ، والى الحبيبتين، بيروت وفيروز .. فماذا قال صاحب مقطوعة “الامل” التي صورها مؤخراً ؟ وما الذي يعده للقريب من الأيام ؟

سألناه بداية:

– أنتم كموسيقيين تشكلون الـ”بارومتر” لحال البلد كيف كان قبلاً ، وما حاله اليوم ، ما الذي يمكن ان تقوله عن القطاع الموسيقي حالياً ، وما أسباب الصرخة التي اطلقتها ؟

 لم أطلق صرخة لأقول يا حكومة تعالي وساعدينا ولا يا ناس هلموا بدعمكم . ليس هذا المطلوب، ولا مطلوباً ان تُنشأ لنا صناديق ، ولا ان ترسل لنا إعانات ، إنّما ، وبكل بساطة ان يدعونا نعمل. لا أخفي عليكم بأنني سمعت بعض التعليقات على منوال “هلق وقتا” ؟ او “وين بالك” وغيرها، واجيب بأن “بالي واضح”. فنحن الذين نعمل في هذه المهنة ، نبيع منتجنا الذي هو الموسيقى ، وعليه نعتمد كي نعيش ، ونكفي عائلاتنا ، تماماً كما الصيدلي ، والمحامي وبائع الخضار وغيرهم. لقد التزمنا من دون اي تأفف في فترة التعبئة ، لكن مع السماح للقطاعات الاخرى بفتح ابوابها ، ومع الزحمة التي نشهدها فيها ، لماذا يقتصر المنع علينا ؟

– وللذي يقول إن الفن رسالة، ورسالته في هذه الأيام أن يكون مثالاً في التوعية والالتزام بالتعبئة . بماذا تجيب؟

 القصة ليست كلام شعر . الفن رسالة ، إنما هو مهنة ايضاً لكثيرين يعتاشون منها . قد يكون رسالة لطبيب او محام او اي انسان له عمله ، ويهدف من خلال معزوفة او اغنية الخ .. في مناسبة معينة ايصال رسالة ما ..لكن ان تكون مهنة الانسان هي عزف الموسيقى فهذا شأن آخر، وعلينا ارتباطات وواجبات . لسنا من الكماليات في هذا البلد ، وقطاعنا اساسي كغيره، كما ان سلسلة معيشية حياتية كبيرة ترتبط به ، من مطاعم ونواد ليلية وغيرها، فاذا ما اتيح لهذا القطاع العمل فإنه يشغّل مهندس الصوت والاضاءة والشيف والنادل ، كما يشغّل اللحام والخضرجي وبائع الثلج ، وهذا كله يعيد دوران العجلة الاقتصادية . وبلغة الأرقام فإن الموسيقيين والعاملين في القطاع يبلغون الأربعمئة الف. من يأتي على سيرتهم؟ اجتمع مجلس الوزراء لعدة مرات و”ما حدا جاب سيرتنا ” ولا التفتت الدولة الى معاناتنا .

– ربما يعتبرون أهل الفن “مريّشين” وليسوا بحاجة !

 لنسلّم جدلا بهذا المنطق! من واجباتهم ان يعاملونا كأي مواطن. فنحن ندفع ضرائبنا وعليهم واجبات تجاهنا .

– تحديداً، ما هو المطلوب؟

المطلوب أنهم ، وكما وضعوا نظاماً لعمل القطاعات المختلفة الأخرى ينظم فتحها، أن يعاملونا  بالمثل ويدعونا نعمل . “كل ما دق الكوز بالجرة يقفلون المطاعم والنوادي”. منذ اليوم الأول التزمنا، واعتبرنا أننا كالجميع تحت القانون وما تقرره الدولة نسير به. كان يمكن اقفال البلد نهائيا 15 يوماً مثلاً ، وتُدرس من بعده ما تؤول اليه النتائج ، وعلى ضوء ذلك تُعالج الثغرات ويُتخذ القرار الملائم . اما ناس تشتغل وأخرى بلا شغل فهذا ليس منصفاً .

ويضيف العليا:

سائقو الأجرة والتاكسي لما نزلوا الى الشارع وعلوا صوتهم ، وضعت لهم آلية معينة وساروا بها . ليضعوا لنا آلية نسير وفقها ضمن الضوابط المطلوبة . ما الضير في ان تقام حفلات خاصة مثلاً او حتى أعراس وغيرها ضمن هذه الضوابط ويمكنهم ان يسهروا على تطبيقها .

هل تعتقد انه مع الوضع اليائس للبنانيين ستخرج الناس الى المطاعم والحفلات ؟

مقطوعة أمل بعد خليك بالبيت ويا ليلي ..والبوم على الطريق.

 ليفتحوا لنا المجال ، وإن اشتغلنا نكون اشتغلنا ..

– ما الذي سيلي الصرخة التي اطلقتها؟

في ظل الجوّ الفوضوي الذي نعيش فيه برأيي، إذا لم نرفع الصوت سنبقى خارج اللعبة . “منريح اذا ما حكينا “. احضر لتجمع كبير. القطاعات التي تتعلق بنا ، كالملاهي والمطاعم تحركوا ايضاً ، على غير نطاق.

– ما الخطة للتحرك ؟

سنفاجئ بها. وانا اوضح انني لست بصدد القيام بثورة ، ولا ادعي انني زعيم حركة تصحيحية حتى لا تُفسر هذه الحركة على غير نطاقها . جلّ الأمر انه مطالبة بحق مشروع لنا لاننا مستبعدون .

– هل تأمل بأن يختلف الأمر مع الحكومة الجديدة اليوم ؟

ممكن ، لكن برأيي من المفروض ان نضيئ لهم ، وندلهم علينا .

– من تجاوب معك من الموسيقيين ؟

للصراحة، سجلت هذا الفيديو من دون اية توقعات مسبقة لما ستكون عليه ردة الفعل . لست ناشطاً كبيراً على موقع فيسبوك ، انما بشكل اكبر على موقعي انستغرام وتويتر، الا انني تفاجأت انه في خلال يوم ونصف اليوم شاهد الفيديو 15 الف متابع والكثير منهم من اهل المهنة ، وتابعت التعليقات التي كتبت . ما الذي يعنيه ذلك؟ لقد ثبّت ذلك أن القطاع موجوع. فبعد ستة اشهر على الـ”كورونا” سمعت من الشباب والاصدقاء المشاكل والصعاب التي يمرون بها .

 – وثبّت ايضاً أنكم كفنانين من مختلف القطاعات مشرذمون ، والهوة تفصل بينكم في النقابات الفنية العديدة .اليس كذلك؟

للصراحة لو ان النقابات تتحدث بهذه الامور وتقوم بالتحرك ، لما كنا اضطررنا الى رفع الصوت . ولكن النقابات عادة ما يكون تعاطيها مع الدولة عبر نطاق رسمي، ومن ضمن بروتوكول معين. وبما ان الأزمات تتوالى علينا وآخرها انفجار 4 آب (اغسطس) الماضي  الرهيب مع آثاره النفسية والمعنوية والمادية الكبيرة فإن اي نقيب من النقابات الفنية سيطلب موعداً مع الوزير المعني في ظل المشاكل القائمة، لن يكون التجاوب معه سريعاً.

المجمع العربي ..

– أهل المسرح يحاولون لملمة القطاع وناسه من خلال صناديق او بيع دعوات افتراضية هل يمكن ان يشكل ذلك سبيلاً لانقاذ ما؟

 دعوني اتكلم بالموسيقى…لقد وجّهت أكثر من دعوة “اونلاين” حول مدى تأثير كورونا على الوضع الفني الموسيقي وبينها دعوة انطلقت من جامعة الدول العربية والمجمع العربي للموسيقى ، والقيت كلمة باسم لبنان بعد ان تواصلت مع وزارة الثقافة ووضعتهم بالصورة ..هذه الندوات والاجتماعات جيدة ومهمة خاصة للتوعية والتواصل وتبادل الخبرات ، لكن عملياً على الارض ، وبما يختص  المعالجة السريعة يجب ان يكون هناك شيء آخر. قمنا بندوة واقررنا توصيات، هذه التوصيات يجب ان تدرس ويتم العمل عليها، الا انها تتطلب وقتاً حتى تثمر نتائجها. فهل لدينا ترف الوقت ؟

إيلي العليا: 400 ألف يعتاشون من القطاع الموسيقي وحده.

– ما حال مصر موسيقياً مثلاً في ظل “الجائحة”؟

كل الدول العربية تضرّرت وبعض الدول الغربية حاولوا أن يتحاشوا ضرب القطاعات بسبب الـ”كورونا” حتى لا يبلغوا الانهيارات الاقتصادية الضخمة .الا ان مشكلتنا في لبنان اكبر من مشاكل غيرنا لأن الأزمة بدأت بالنقد والاموال في المصارف، زد عليها انطلاق الثورة، وقد تأثرنا جداً في تلك الفترة حول اماكن وجود الثوار ووضع الطرقات ، الى ان وصل الفيروس المستجد واصاب البلد بالشلل وفاقم من الأزمة الاقتصادية ..

– هل تشكل برأيك عودة المدارس في أواخر ايلول (سبتمبر) الجاري إن تمّت ، مؤشراً الى عودة “شبه طبيعية” للحياة عندنا؟

 ما قرأناه وسمعناه من مراكز الدراسات ومراكز البحوث العالمية هو أنه علينا التعايش مع الفيروس المستجد، بانتظار الحل الناجع له وقد يكون في ” طعم” ما . الامر مرهون بـ”كمامة” وغسل اليدين جيداً بالصابون مع الإبقاء على المسافة الآمنة ” . هل هذا صعب ؟ ربما لانهم فلسفوا وسيسوا الأمر جعلوا الناس لا تصدق وجود “كورونا”، ففتك بنا أكثر.

– من ناحية اخرى ، قد يسألك احدهم : إذا ما اصيب الموسيقي او افراد عائلته بالـ”كوفيد 19″ لا سمح الله ، هل يستطيع الاستشفاء؟ هل الاماكن في المستشفيات متاحة ؟

طبعاً ، وهناك صندوق التعاضد الموحد وهو لكل الفنانين في النقابات الفنية الثماني في لبنان. ثم ان الفنان والموسيقي سيعمل بوعي كبير ضمن اعلى معايير الوقاية المطلوبة . من استطاع ان يحجر نفسه لستة اشهر لن يعرض نفسه ولا غيره للخطر.

– وكنت ألّفت مقطوعة “خليك بالبيت ” لحث الناس على الالتزام  ..

صحيح . فمع بدايات الجائحة، وبين ترهيب وترغيب الناس، أردنا ان نحذرهم من خلال الموسيقى.  

– ماذا عن حال الفنانين المغنّين ؟

 كما في كل القطاعات هم على درجات . منهم المقتدر ومنهم من هو بحاجة.

– أين انت من الموسيقى التصويرية للمسلسلات والأفلام ؟

لم يُطلب مني هذا بعد ..أهوى القيام به علماً انني لم أجربه .

– والحفلات الافتراضية ، ما رأيك بها ؟

جميلة إن كانت ضمن الاختيارات المناسبة ، وهي تبقي على تواصل الفنان مع جمهوره، ما يحافظ على استمراريته .

– ماذا عن برامج الهواة وكنت قائد الفرقة الموسيقية في عدد منها؟

الانتاج متوقف الآن وأنا أؤلف موسيقاي.

– لنتحدث عن ” مقطوعة الأمل” الجميلة والكليب الذي رافقها . ماذا عنها؟

أخرجتها فانيسا ابنتي التي درست الاخراج، واقنعتني بها بعد ان قدمت لي فكرة بسيطة تحمل الأمل والبهجة، وتعكس حب الفرح والحياة في عيشنا نحن اللبنانيين، وقد ترجمتها بصورة بسيطة في غابة بولونيا المتنية .. قبلها ألفت معزوفة “يا ليلي”، والمقطوعة الثالثة اُعد لها حتى تتناسب واجواء الخريف والشتاء ونحن على عتبتهما ، وفيها الكلاسيكية الدافئة المطعمة بشكل أكبر بالآلات الشرقية.

– هل ستكون من ضمن البوم، وما سيكون اسمه ؟

نعم ، وربما يكون “بلا اسم” .. هذا الالبوم يعبر عني! وهو لمحبي الموسيقى من دون غناء.

 – وبيروت ، في مصابها ، ألم تلهمك ؟

 لا استطيع حتى اليوم ان اصدق ما جرى، خاصة وانني رأيت الانفجار لحظة وقوعه . علاقتي ببيروت وطيدة حتى إنني اخترت منزلي في الربوة مطلاً عليها فأراها متلألئة في الليل. الانفجار اضاء بوهجه امامي مع ابنتي ، وهي حتى اليوم تعيش “تروما” لما تتذكر تلك اللحظة ، وترتعب حتى لو سمعت صوت “ملعقة” تقع على الارض . إنه مشهد لا يغيب عن البال وكنت اتمنى لو رآه اللبنانيون جميعاً حتى ننتبه على وطننا ، ونعيش لبنانيتنا في بلد وهو لنا وليس لأي آخر .

– كيف قرأت زيارة الرئيس الفرنسي “ايمانويل ماكرون” للسيدة فيروز، وهل من معرفة لك بها ؟

ما من معرفة شخصية ، الا انه يكفيني فخراً انني اعيش في زمن فيروز ، وانا احتفظ حتى اليوم بكل مسرحياتها على “كاسيت” كانت هديتي الأجمل في اعياد ميلادي من قبل الأصدقاء لمعرفتهم بحبي الكبير لها وللرحابنة.

– ختاماً نسألك على أمل العودة اليها بأسرع وقت : ما كانت آخر حفلة أحييتها ؟

أذكر أنها كانت مع يارا في 14 شباط (فبراير) بمناسبة عيد العشاق في “كازينو لبنان”!