15 July,2020

الفيلم الروائي الأول لجيمي كيروز في "مهرجان كان السينمائي الدولي": لنتعلم الرقص تحت المطر!

بقلم عبير أنطون

خلال تصوير مفاتيح مكسورة

بـ”مفاتيح مكسورة” يطير لبنان المكسور الجناحين في هذه الأيام الى “مهرجان كان السينمائي الدولي” في فيلم من كتابة وتوقيع المخرج اللبناني الشاب جيمي كيروز. المهرجان الذي تقدم إليه 2067 فيلماً من حول العالم، اختار في لائحته النهائية فيلم “المفاتيح الكسورة” بين 56 فيلماً فقط، ليتنافس بذلك من ضمن فئة «فيرست فيتشر» مع فيلم عربي آخر بعنوان «سعاد» للمخرجة المصرية إيتان أمين في الفئة نفسها.

 إلا أن إلغاء “مهرجان كان” لهذا العام بسبب جائحة “كورونا”  لن يمنع لجنته من إلقاء الضوء على ما تم اختياره، إذ أعلنت اللجنة المنظمة للمهرجان العريق أنها ستنشر برنامجها للأفلام التي تم اختيارها  للعرض تحت عنوان “كان 2020”.

 فما هي  قصة الفيلم الذي غامر فريقه في السفر لتصويره في العراق تحت الخطر، وفي مدينة الموصل تحديداً ؟ من هم أبطاله ؟ وما الذي جعل الاعلامية السابقة رلى بقسماتي تحمل البارودة وتتوجه الى “أرض المعارك” وماذا تقول لـ”الافكار” عن هذه التجربة الفريدة؟

 بمزيج من الوجوه المخضرمة والأخرى الشابة، قدم جيمي كيروز فيلمه السينمائي الروائي الأول، متجاوزاً الكثير من الحواجز والمطبات والعوائق، من ضمنها التصوير تحت الخطر  في مدينة الموصل في العراق وسط إجراءات أمنية مشددة، بهدف نقل صورة الدمار والواقع كما يفترض.

 وإلى تحديات الأمن في الموصل، جاء اندلاع  الثورة في لبنان ليوقف العمل في الفيلم لفترة وليأتي بعدها الحجر العالمي بسبب ” كورونا” وسط  اصرار المنتج أنطوان الصحناوي على انهائه، هو الذي كان له بحسب كيروز، الفضل الأكبر في صناعة الفيلم وولادته.

عادل كرم، بديع ابو شقرا، غابريال يمين، سارة ابي كنعان، طارق يعقوب، رلى بقسماتي، جوليان فرحات، حسن مراد، منير معاصري، والطفل عيسى الحاج اجتمعوا ليجسدوا القصة    المؤثّرة التي تدور أحداثها ما بين العراق وسوريا من خلال “كريم” الذي يعيش في قرية منكوبة في سوريا. طريقه الوحيد إلى الهجرة الى اوروبا هو بيع البيانو الخاص به الذي حطمه المقاتلون أثناء الحرب بين سوريا والعراق في مناطق احتلها داعش.  لذلك هو بحاجة إلى إصلاحه، ومحيطه الذي يجنح إلى التطرف لا يسمح بالموسيقى. يصبح كريم عالقاً بين حبه للموسيقى، وعدم قدرته على التعبير عنها، إلى جانب عدم قدرته على مغادرة المنطقة المنكوبة التي يعيش فيها .

 حلم كريم بالهجرة وتمسكه بالموسيقى التي تشكل أمله ومحور حياته جعلت كاتب النص جيمي كيروز يقول: “نحن محكومون بالأمل..إنها رسالة الفيلم  في هذا الوضع القاتم.علينا أن نواصل العمل وأن نواصل المضي قدماً.إن أردت اختصار روح الفيلم في جملة واحدة أو قول مأثور فسأقول: الحياة لا تتعلق بانتظار مرور العاصفة، بل بتعلم الرقص تحت المطر”.

 هكذا  يصف كيروز الهدف من فيلمه المستوحى من أحداث واقعية ، وهو بدأ بالتحضير له منذ العام 2018 وقصد الموصل العراقية لأجله، وقد كانت الأنسب بين المدن المدمرة بحسب ما سمحت الميزانية المرصودة للعمل والموافِقة للقصة في

كريم ..المفاتيح المكسورة والحلم بالهجرة

أحداثها المشوّقة والتي تحمل نظرة ثاقبة داخل المأساة المستمرّة في المنطقة.

 في الموصل، تم التصوير لخمسة أيام من ضمن 43 يوماً استغرقها الفيلم الذي استكمل تصوير مشاهده في لبنان أيضاً، من دون مؤثرات ضخمة كغالبية الانتاج السينمائي في لبنان الذي يعاني من عدم  الدعم الواجب له والمتكل دائماً وأبداً على المبادرات الفردية ، والتي اثبتت، كما يقول كيروز، ومع العديد من الاسماء نجاحها واختراقها لساحات المهرجانات الأجنبية والعالمية .

 لا يخفي جيمي مفاجاته لما علم بأن تم اختيار فيلمه في أحد أعرق المهرجانات السينمائية الدولية خاصة أن لا باع طويلاً له في هذا المجال، وهو الفيلم الروائي الأول له، في ظل وقت محدود، وبميزانية وإمكانيات “متواضعة “، زد عليها العوائق التي اعترضت الفيلم وسبق وأشرنا اليها. هو طبعاً يتمنى أن يقطف فيلمه جائزة فئته، إلا أن الهدف الاكبر سبق وحصل بمجرّد أن تمت تسميته وحمل اسم لبنان ومواهبه الى الخارج. أما ما  تبقى من تفاصيل من سجادة حمراء وعدسات مصورين فتبقى ثانوية أمام ما هو أهم .

“داعش” والموسيقى ..

فكرة الفيلم ولدت من خبر سمعه كيروز في العام 2014 وكان حينها طالباً في جامعة كولومبيا لما استوقفه خبر تحريم تنظيم الدولة الاسلامية للموسيقى عزفاً او حتى استماعاً، ما شكّل مادة متابعة دقيقة من قبله عن كيفية مواجهة الموسيقيين لهذا الوضع المفروض عليهم. من هنا كانت شخصية بطله كريم، عازف البيانو الذي يعاني كما مختلف الموسيقيين الموهوبين جراء ذلك.

 وبما أن العزف والموسيقى يشكلان العتبة الاولى التي تجري مختلف الأحداث على خلفيتها، جاء تعاون كيروز مع الموسيقي اللبناني العالمي غبريال يارد الذي عرف شهرة عالمية وحمل الجوائز الرفيعة بينها الغولدن غلوب، بافتا، غرامي والأوسكارعن موسيقى فيلم “المريض الانكليزي”. من هنا، فإن الأكيد ان الموسيقى ستلعب من جانبها  دور بطولة رئيسي في الفيلم الذي لم يتردد يارد لحظة في الموافقة على تأليف موسيقاه خاصة وأن الموضوع جذبه، وهو يدخل من ضمن عالمه بين النوطات والمقطوعات، ويحمل شغف الموسيقي وأحلامه وتطلعاته وعشقه لآلاته ما ينبؤنا برحلة موسيقية رائعة فيه.

  “سمر”…والقضية

رلى بقسماتي.. المقاتلة الكردية الشرسة سمر

 الى قصة الموسيقي الذي يكافح من أجل إعادة بناء آلة البيانو الخاصة به وسط الدمار والفوضى من حوله التي خلّفتها الحرب في بلده الشرق أوسطي، يتطرق الفيلم ايضاً الى القضية الكردية من خلال إحدى شاباتها.

 في الفيلم تلعب رلى بقسماتي دور “سمر”. من هي سمر؟ مقاتلة كردية تحمل البارودة وتدافع عن قضيتها.

 عن ترشيحها للدور تقول رلى لـ”الأفكار”:  تواصلوا معي من شركة الانتاج “جينجر بروداكشن” لعبلة خوري ولارا شاكردجيان. وكانوا شاهدوني في فيلم “خبصة” الذي عرف نجاحاً عندما عرض. تقدمت للـ” كاستينغ”، وقابلت المخرج فتحدثنا وتناقشنا. تسعون بالمئة من مشاهدي تم تصويرها في العراق ومشاهد قليلة في لبنان، والجزء الذي صورته هو الوحيد المنفصل عن باقي القصة إذ له زاوية خاصة به لوحده.

 تلتقي “سمر” ببطل الفيلم (طارق يعقوب) الذي ينتقل من منطقة الى أخرى بحثاً عن مفاتيح بيانو بديلة للتي تكسرت. التجربة على بعضها تقول رلى كانت مختلفة، والنص رائع وهو إنساني جداً حتى ولو أن الأحداث تجري في عز الحرب، و”الجو ولعان” . كثير من المشاعر والأمور الانسانية اختنقت وكبتت في اشخاص كثيرين بسبب الدواعش الذين يمنعون القراءة والموسيقى والشعر والسهر وغيرها من مقومات الحياة وجمالاتها، وقد تطرّق الفيلم الى ذلك  ومدى تأثيره على الانسان .

 وهنا تثني رلى على نص جيمي كيروز المخرج: “لقد جمع بدقّة مختلف العناصر التي كونت رؤيته الاخراجية، وبما انه الكاتب فقد شعر بكل كلمة لشخصيات قصته فترجمها بحرص شديد في الصورة “. إنها تجربته السينمائية الأولى في هذا الفيلم الطويل المنبثق عن فيلمه

“Nocturne in Black” (موسيقى هادئة بالأسود)

 وهو كان فيلم تخرجه القصيرعام  2016 ونال عنه ايضاً جائزة رفيعة (جائزة الأوسكار المخصّصة للطلاب ضمن فئة «القصة»، وكان فيلمه قد فاز سابقاً بجائزة الأفلام في جامعة كولومبيا). يواكب جيمي عمله بالتفاصيل وكذلك شخصيات فيلمه، وكم من مرة فاجأني بـ”لينك” عبر يوتيوب يرسله لي وفيه عن المقاتلات الكرديات وطريقة تصرفهن” .

 أما “مغامرة” السفر الى العراق فـ”كانت ممتعة على الرغم من خطورتها” تقول رلى، وقد  جعلونا نوقع على ان الامر على مسؤوليتنا ،إذ إن الثورة كانت بدأت هناك، ونحن قصدنا منطقة الموصل وسط الخشية لأن تمتد اليها من بغداد، او يتحرك عناصر داعش لأنه معقلهم.  من هنا فإن قرار السفر لم يكن سهلاً على أم تترك زوجها وابنتها الصغيرة: “كنت اتابع الأخبار دورياً، لكننا ركبنا الخطر لأن الفريق كله  كان شاعراً بأن الأمر يستحق العناء.هذه المغامرة ما كانت لتؤتي هذه النتائج لو تم التصوير في شارع او في حي لبنانيين. لو لم نذهب الى هناك، “لما كنا شفنا مهرجان كان ربما”، تقول رلى . فـ”تصوير القصة تم بواقعية تامة من دون استخفاف بعقل المشاهد .”راحوا فيها للآخر”. لقد اتجهنا الى المنطقة حيث اندحرت داعش، ولا تزال جثثهم فيها إذ  لم يدخلها الجيش بعد لتنظيفها، واعادتها الى سابق عهدها، فلا عامود إنارة يستقيم مكانه مثلاً، وكنا نعرف مكان الجثث من الروائح ومن كثرة الذباب فوقها، والركام يملأ الأمكنة.

رلى بقسماتي صوّرنا في الموصل تحت الخطر

وتزيد رلى:

 أثناء التصوير كان 25 عنصراً من الجيش يواكبوننا يومياً مع مدرعات للدخول الى الموصل، وقد فتحوا لنا ممرات بين الأبنية المهدمة  فكنا نترك المكان مع غروب الشمس  لنتوجه يومياً الى اربيل حيث ننام، ونعود فنستيقظ عند الخامسة صباحاً، ونقضي حوالي ساعتين ونصف الساعة على الطريق حتى نصل الى الموصل من جديد فنصور قبل مغيب الشمس وذلك على مدى ايام  كانت “دسمة” ومكثفة جداً .

وعن تحضيرها للشخصية تشرح “سمر” الفيلم:

 للأكراد بشكل عام  بنية قوية جداً رجالاً ونساء، وهم يحافظون على عاداتهم وثقافتهم ووجودهم بما أنهم أقليات، ومضطهدون في منطقتهم. عرفوا حروباً عديدة من أكثر من جهة، ومن وعدهم بالمساعدة عاد وطعن بهم في الظهر. والأكراد ، لولا نساؤهن لما استطاعوا الصمود. هن بطبيعتهن جبارات، وقويات ومقاتلات. والملاحظ أنّ المتعلمة منهن تماماً كما التي لا تقرأ ولا تكتب انخرطت في الحرب والقتال وأصبحت قيادية على رأس مجموعات. وعندما يعرف العدو أن هناك مجموعة مقاتلين تنضوي تحت قيادة إمراة كانوا يقومون بألف حساب. وقرأت ان الدواعش كانوا يرتعدون لما يعرفون ان قائدة المجموعة هي إمراة، تحت سلطتها مجموعة من الرجال يأتمرون بتعليماتها.

 في الفيلم القضية التي تحملها “سمر” مفسّرة بشكل جلي، تقول رلى، إلا أنني لا أريد أن أفضح القصة أكثر..هي تعمل لقضية تراها سامية من وجهة نظرها وتدافع عنها .

 وعما اذا طلب منها حركات قتالية معينة او أية تحضيرات جسدية تقول رلى: لقد تطلبت مني جهداً كبيراً وقوة تحمّل بدنية وقدرة على الركض في الطرقات الوعرة ،إلا أنني رياضية بطبعي وهذا ما ساعدني، كما أنني أقاتل وأحمل البارودة وأحياناً البارودة الأصلية ووزنها لا يستهان به.

 وتختم رلى: كنت أشعر بصدق أن الفيلم سوف يصل الى مكان ما، “مهرجان كان” او غيره فالجميع عمل على قلب واحد، والموجة عينها. لقد  فاجأنا جيمي عبر غروب الواتساب الذي  جمع فيه اسماء كل من اشتركوا في الفيلم بخبر اختياره من قبل مهرجان كان السينمائي الدولي وكان الفرح غامراً للجميع، حتى ولو أننا لن نستطيع أن نكون على السجادة الحمراء بسبب الـ”كوفيد 19″ وإلغاء الفعاليات إلا أنه يكفينا فخراً أن تعبنا أزهر في مهرجان كبير كهذا .

 الفخر بالترشح الى المهرجان الدولي كان عبّر عنه ايضاً الممثل والمقدم عادل كرم المشارك  في الفيلم مصوباً عينه على الأوسكار أيضاً حيث قال: “مبروك للبنان ترشح “المفاتيح المكسورة” للكاتب والمخرج جيمي كيروز والمنتج أنطون صحناوي لمهرجان كان السينمائي 2020 وعاقبال الأوسكار للمرة التانية”.