25 November,2020

الفنانة حياة ناظر صانعة "قلب الثورة" و"طائر الفينيق" و"شجرة الشعب": إنها شواهد على تاريخ المرحلة...وهذا هو الحلم الذي أطلق الصرخة لأجله!

 

بقلم عبير أنطون

حياة ناظر..والتمثال التحية.

 عروس المرفأ … عروس بيروت … تمثال الانفجار …كلها أسماء أُطلقت على التمثال الذي صنعته الفنانة اللبنانية حياة ناظر من دون أن تتبنى شخصياً أياً من هذه التسميات، وهو ليس الأول في مسيرة هذه الفنانة التي كانت صوتاً صارخاً في الثورة منذ اليوم الاول  لاندلاعها في ساحات بيروت. حشد الناس من حولها وهي تعمل عليه، ومواكبتهم لها وهي تنقله في الـ”بيك آب” الى الموقع، حملا دلالة ورمزية كبيرتين. فما هي هذه الرمزية؟ ولماذا لم تسمِ حياة تمثالها ؟ ما الذي أرادت ان توصله من خلاله؟ ما الصوت الذي أطلقته عبر صفحات “الأفكار” ونأمل معها أن يجد الصدى المطلوب ؟

 التفاصيل في لقائنا مع حياة التي لا تهدأ كما افكارها المبدعة، وسألناها اولاً :

– اي تسمية اخترتها لهذا النصب المعبّر وقد وضعته قبالة المرفأ حيث هز صوت انفجاره لبنان كله وصولاً الى قبرص ؟

 لم اسمه “عروس المرفأ” ولا اية تسمية اخرى. اترك الخيار للناس. الفنانة إليسا مثلاً سمته “تمثال الحرية اللبنانية”.

– جميل ان تتجسّد الحرية بامرأة اليس كذلك، وكانت لها وقفتها المميزة منذ 17 تشرين الاول،العام الماضي ؟

بكل تأكيد .

– كيف انطلقت بالفكرة؟ كم تطلّب التمثال وقتاً لانجازه وما المواد التي استخدمتها ؟  

بدأت به قبل الانفجار، في آذار (مارس) الماضي وفي فكرة مختلفة حينها. أردت ان أجسّد إحباطنا وانكسارنا

التمثال..القبضة..والفينيكس .

والى اي مدى نحن موجوعون. الا ان الانفجار غيّر مسار الفكرة. فقد هببنا جميعاً للتطوع وتنظيف الابنية وازالة الركام حتى يتمكن الاهالي من العودة الى بيوتهم، ورحت انقل معي المواد التي اجمعها من زجاج متناثر وركام وغيرها الى منزلي حتى لا تٌلقى في الطرقات ونفاقم الازمات واحدة بعد أخرى. وكانت الفكرة بأن اصنع المجسم من هذه المواد من دمار المرفأ.  

– ما كانت صعوبات العمل عليه؟

  كان شديد الصعوبة . تجرّحت يداي، ودخلت في عيني نثرة صغيرة من الزجاج . كنت اشتغل بالزجاج المتكسّر والباطون والحديد، وجميعها مواد صعبة. صحيح ان الهيكل الاساسي للمجسم كان حاضراً الا انه كإنشاء فككت ما فيه وأعدت العمل عليه بشكل متواصل لاكثر من 12 ساعة في اليوم.

– ما الذي تغير عن الفكرة الاساسية التي كنت بدأتها ؟  

 تضاعف الألم مرات ومرات. صحيح اننا تعرضنا كثوار للألم ولحقنا بعض الضرب والركل   والقنابل المسيلة للدموع ، ومع جائحة الـ”كورونا” نزعوا خيمنا، وانتابنا نوع من الاحباط النفسي، إلا أنّه بعد الانفجار اضحى الوجع “تروما” نفسية معطوفة على ألم جسدي. كنت أدخل البيوت وأرى الناس .هذا خسر عينه، ذاك يديه، آخر تكرسح او فقد البصر، وآخرون خسروا محبيهم ومعيليهم وبيوتهم وأرزاقهم. لذلك كان التعبير من خلال  المجسم أقوى بكثير. والألم الأكبر أن أحداً لم يحسم حتى الآن سبب الانفجار. وُعدنا بالتحقيق العاجل، وكشف الفاعل او المسؤول بعد خمسة أيام، وكالعادة لم نعرف شيئاً..” قرفنا!”.

 في المجسّم بقي تجسيد للانكسار الذي طالنا، وقد توقّفت عند اصغر تفصيل فيه. فمن يتمعّن بالسيدة، يجدها حانية بعض الشيء، الا انها

إليسا سمته تمثال الحرية.

تستعد للوقوف من جديد، تريد ان تنهض وتمشي. ترفع يدها، ووجهها مشطّب. حتى حركة شعرها المتطاير في الهواء تعبّر عن عصف الانفجار، وكأننا ما زلنا في لحظته . الساعة عند أسفل المجسّم توقّفت عند السادسة والدقيقة السابعة من مساء الرابع من آب . كأن الزمن كله توقّف وبقي عند تلك اللحظة.   حتى انني وضعت في يد التمثال مرآةً، تكسرت للأسف، في رمزية الى الحقيقة، الى الواقع الذي نحن فيه، على ان تجسّد في آن معاً النور والأمل لمّا ينعكس الضوء عليها.

وتضيف حياة:

  لذلك لا اسميها عروس المرفأ ..هي “كتير اكتر!” . وانا اطلب من الناس ان تسميها، وترسل لي الاقتراح الى موقع الانستغرام الخاص بي، ونقوم بالاقتراع على الاسم الأفضل . منهم من اقترح ان اسميها بكلمة واحدة “مندمار” ..اي من دمار المرفأ. احب ان اشرك الناس في اعمالي الفنية، وبالمشاركة وحدها، ووضع اليد باليد يمكننا ان نبني البلد من دون اي فرض او املاء.  قد تكون فعلاً ” تمثال الحرية اللبناني”، او اي اسم يحمل الحياة وقوة الأمل.  فأكثر ما نحن بحاجة اليه اليوم هو الأمل .  

– هل تعتقدين بأن الثورة خذلت الناس؟

 كلما قال احدهم ذلك أجيب بأن الثورة ليست من خذلنا .الثورة هي مبدأ وفكر وحلم. لا يمكن للحلم أن يخذل. ما خذلنا هو الى اي مدى السياسيون في بلادنا هم بلا دم وبلا ضمير. هم مَن خذلنا، ولو كنا في بلد آخر لاستقالوا جماعياً . كذلك، فإنّ  الناس خذلتنا . جلسوا في 

يداً بيد..يبقى الأمل.

بيوتهم، استسلموا اوعادوا الى حياتهم الطبيعية، ومنهم من راحوا ينظّرون حول الثورة والثوار من بيوتهم. انا من الذين بقيوا حتى اللحظة الأخيرة، وكنت من اوائل من انضموا الى الساحة، الى ان توقفت في حزيران (يونيو) الماضي .

وتضيف حياة:

 لست في موقع اللوم، الا انه، وإن كنّا الفاً في الساحة فإنه لا يمكننا ان نحكي عن 4 ملايين.  اين الفقير لا ينزل؟ اين من خرب بيته بعد الانفجار؟ لا،لا يمكننا القول ان الثورة خذلتنا . يمكننا القول ان هناك اشخاصاً تعبوا وخُوّفوا ، ثم جاءت جائحة “كورونا” وتبعها الانفجار فكان الاحباط. الا ان الاحباط الأكبر أتانا من جانب اولئك الذين بقيوا على تبعيّتهم، كلٌ لزعيمه.  

-هل انت مع قيادة موحدة للثورة ؟

كان هناك اجتماع، وشبّهت الأمر وكأننا، نحن المجموعات الثورية، مثل البحص الصغير”مفرطعين”. والبحص لا يوقف السيارة، علينا ان نتجمع لنصير بلوك واحد قادر على ايقاف ما يجري. لا قائد واحد، انما قوة كبيرة .

– البعض اعتبر ان زيارة الرئيس الفرنس “ايمانويل ماكرون” ساهمت في الاحباط بحيث اعاد تعويم الطبقة السياسية .هل تجدين ذلك محقاً؟

الرئيس” ماكرون” أعطى فرصة للبلد ..قد يكون “عوّم السياسيين” لتعويم البلد. لكن هم “مش فارقة معهم”.

عروس الشمال…

حياة وطائر الفينيق.

-انت من طرابلس. لماذا تعني لك بيروت الى هذا الحدّ؟

لقد درست الـ”غرافيك ديزاين” في جامعة “ال اي يو”، واعيش في العاصمة منذ 12 عاماً. سافرت الى لندن للـ” ماسترز” وعدت الى بيروت. بيروت تمثل كل لبنان. فيها المسيحي والسني والشيعي والدرزي ومن كل المناطق، وانا احب هذا  التنوع، وان اتعرف الى اشخاص من فكر مختلف. يجذبني هذا الخليط . بيروت فيها ما لا يقاوم، ومن دون ان نفهم السبب. سبق وزرت العالم كله من اوروبا الى اميركا اللاتينية وصولاً الى الصين، ولا اجد بلداً مثل لبنان ولا مدينة مثل بيروت.

– مع الأحداث الأخيرة ،هل تمنيت لو بقيت في لندن؟

بغير لندن عشت في ابو ظبي ايضاً، والاثنان احبهما. من الأكيد انني لو استقّررت في الخارج لكنت حصدت اكثر مهنياً ومادياً. الا انني افضّل الاحساس الذي اشعر به في لبنان ولا اجده في اي مكان آخر. لقد عملت مع الامم المتحدة، واعرف الكثير من الاجانب بحكم عملهم في السفارات وغيرها،ّ ومعظمهم لمّا يتعرف الى لبنان يأبى ان يرحل عنه.

– انت متطوعة دائمة للعمل الاجتماعي. اذا اردت ان توجهي احداً للمساعدة، الى اين تدلينه؟ 

 لقد بدأت بمبادرة تحت عنوان “رايتس ليبانون” وهي تركز على الاعمال التي طالها الانفجار، كمثل محلٍ تضرّر وكان صاحبه يستفيد منه ليعيل عائلته، او سيارة أجرة  كان صاحبها يتكل عليها لتأمين لقمة العيش. لا اتقبّل ابداً الشعور بأن يفقد شخص استقلاليته المادية، ويصبح متعلقاً بغيره ليساعده. من هنا كانت المبادرة واستطعنا اصلاح بعض المحلات او السيارات لمن يتكلون عليها . 

-ممن لقيت التجاوب، من ساعدك؟

بدأت بجمع المساعدات في نطاق الاصحاب والعائلة، وتوسعت نوعاً مع متابعي على  “انستغرام” وعددهم 14 الفاً . كذلك فإن التواصل معي من قبل وسائل اعلام محلية وعالمية  من “سكاي نيوز” الى وسائل في الـ”دانمارك” وغيرها جعل الناس تتعرف على المبادرة، والبعض لمس انني استطعت الحصول على مساعدات وخيم .. المبالغ بسيطة لكنها أحدثت فرقاً في حياة من وصلتهم .

-ليس التمثال مقابل المرفأ اول اعمالك، والجميع تكلم عن طائر الفينيق الذي احتل الساحة أيضا (تم تدميره مؤخراً مع احراق قبضة الثورة) الى غيرها العديد من المجسمات التي رافقت هذه الفترة.هل ستجمعين كل ذلك في مكان واحد وتبقى شاهداً على مرحلة ؟

فن الشارع للناس.

 هناك امر مهم جداً اتمنى ان تتم الاضاءة عليه بشكل كبير.

مجسم “طائر الفينيق” مثلاً كسروه اكثر من مرة. وكذلك مجسم “قلب الثورة” في ساحة الشهداء وكنت صنعته من قنابل وحجارة، فقد رموا عليه البنزين بهدف ان يحرقوه.  اما “شجرة الطناجر” التي اتخذت لها مكاناً في ساحة النور في طرابلس، وسميتها شجرة الشعب، وكنت طلبت فيها من كل من يتقدم لي بطنجرة ان يكتب اسمه عليها ومنطقته وامنيته للبنان، في رمز لوحدة بين مختلف الطوائف والمناطق وللاسف شوّهت، وأخذت  منها بعض الطناجر . كل هذه التجهيزات معرّضة للزوال لاكثر من عامل وسبب. لذلك اتمنى المساعدة في الحفاظ عليها.  لقد أضحت هذه المجسمات جزءاً من التراث الذي يروي قصتنا، ويمكننا ان نستفيد منه سياحياً، واتمنى جمعها في مكان واحد لاحقاً. هناك  سواح يقصدون البلاد فقط لرؤية ما هو فني فيها .  

وتضيف حياة :

وما هو أهم بعد، ان مجسم التمثال قبالة المرفأ، ليس سوى نموذج عملت عليه بفترة محدودة، وبالامكانيات الموجودة، وهدفي هو ان يكون نموذجاً مصغّراً لمجسم كبير احلم بالقيام به. ما أصابنا هو الانفجار الثالث في العالم بحسب قوته، والتمثال الموجود حاليا لا يتناسب وفداحة ما حدث . وكمثل تمثال الحرية في “نيويورك” الذي بدأ بمجسم صغير بانتظار دعم مادي جعله اكبر بكثير وقبلة للزوار من مختلف انحاء العالم، اتمنى ان احصل على هذا الدعم للقيام بهذه الخطوة ولتدعيم المجسمات الأخرى، ويبقى تعبيراً عن المنا  وتحيةً للذين قضوا ولمن فقدوا الاعزاء . لو كان باستطاعتي ذلك بشكل منفرد لما ترددت للحظة. الا ان كل ما سبق وصنعته كان من جيبي الخاص. انتظر ان ابيع لوحة في المعرض لأصرف فيها على المجسمات. وانا لا اوقّع اسمي على اي مجسم لانني لا اعتبره ملكاً لي انما للناس .

– هل من صعوبة في ايجاد الاذونات لوضع المجسّمات في المكان المناسب لها ؟

هذا يتم عليه العمل لاحقاً مع المسؤولين المعنيين .  

– ماذا عن اللوحات التي ترسمينها، من اي نوع هي واين تُعرض؟

ارسم لوحات الـ”ابستريه” وهي  مختلفة كلياً عن جانب الـ “ستريت آرت” الذي اقوم به . فالأخير هو للناس، لاوصل صرخة، لأحكي قصة. اللوحات مختلفة تماماً، وبعض منها  معروض في غاليري “ارت هاوس” في الجميزة.