8 August,2020

الـحكـومــــة تــدرس خـفـــض تعويـضــــات الـعـسكريـيــــن مــن ضمــن إجــراءات مواجهــة العجــز المالـي فـي الخزينــة!

 

عندما خاطب قائد الجيش العماد جوزف عون العسكريين خلال تفقده معهد التعليم في ثكنة محمد مكي في بعلبك الأسبوع الماضي، مطمئناً إياهم ومن خلالهم جميع رفاقهم العسكريين بأن حقوقهم محفوظة خصوصاً في ما يتعلق بالتعويضات، لم يكن يخاطب العسكريين فقط، بل كان يوجّه رسالة غير مباشرة الى المسؤولين والسياسيين، مفادها أن المساس بحقوق العسكريين لأي رتبة انتموا هو خط أحمر لن تسمح قيادة الجيش بتجاوزه مهما كانت الاعتبارات والظروف، وبالتالي فإن معالجة الأوضاع المالية المتعثرة لا يجوز أن تكون على حساب العسكريين الذين يسهرون على أمن اللبنانيين وعلى سلامة الأرض وسيادة الحدود وحماية الاستقرار!

والواقع أن كلام العماد عون لم يأت من فراغ، ذلك أنه منذ أن طُرحت مسألة التعثر المالي الذي تواجهه خزينة الدولة نتيجة الظروف الاقتصادية والمالية التي يعيشها لبنان ودول المنطقة، صوّبت السهام في اتجاه المؤسسة العسكرية وارتفعت أصوات تنادي بخفض الاعتمادات المالية المخصصة للعسكريين في الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى، بحجة أن قيمة هذه الاعتمادات باتت تفوق قدرة الدولة على تحمّلها لأنها لا تشمل فقط الرواتب والأجور، بل تتعداها الى التعويضات والمخصصات وما يعرف بالتدبير رقم 3 الذي يرتب أعباء مالية إضافية، وهو يطبّق على جميع العسكريين من دون تمييز، سواء الذين ينتشرون ميدانياً أو أولئك الذين يعملون في وظائف مكتبية و<على الدوام>.

وفي هذا الإطار، تداولت معلومات في الأوساط الرسمية والعسكرية عن إجراءات ستتخذها الحكومة لخفض التقديمات الى العسكريين من ضباط ورتباء وجنود، كما سيصار الى إلغاء بعضها مثل مصروف الانتقال وكلفة المحروقات، وتقليص تكاليف الطبابة لعائلات العسكريين بحيث لا تشمل سوى الزوجة والأولاد من دون الوالدين أو تعطى لهم نسبة أقل مما هي عليه الآن، وكذلك خفض قيمة المساعدات المدرسية والجامعية الى النصف عما هي عليه حالياً، إضافة الى خفض بدل الحجز رقم 3، وغيرها من الإجراءات التي ستفرضها الطبيعة التقشفية لموازنة العام 2019، بحيث يبلغ مجموع الخفض المتوقع إذا ما اعتمدت هذه الإجراءات نحو 200 مليون دولار أميركي.

 

<التقشف> في المؤسسات الأمنية!

 

وتقول مصادر متابعة لهذا الملف ان النقاش تكرر أكثر من مرة لدى البحث في الشأن المالي حول المبالغ الهائلة التي تدفعها خزينة الدولة للعسكريين في مختلف الأسلاك والرتب، وان ثمة من يصرّ على إعادة النظر بها للمساعدة في تقليص حجم العجز الذي سوف يتحقق في الموازنة الجديدة، خصوصاً أن لبنان لم يعد قادراً على تحمّل المزيد من الأعباء المالية نتيجة تراجع الواردات وازدياد حجم النفقات، وبالتالي فإن <التقشف> الذي سيطبّق على الموظفين المدنيين في مختلف إدارات الدولة ومؤسساتها، يجب أن يشمل أيضاً العسكريين حيث الكتلة النقدية التي تُدفع لهم مرتفعة. وعلى رغم <الصدمة> التي أُصيب بها العسكريون لدى التداول بالاقتراحات المرتبطة بالمخصصات المالية للأسلاك العسكرية، فإن المصادر نفسها تتحدث عن انعكاسات سلبية متوقعة على معنويات العسكريين، لاسيما في الجيش، لأن حرمانهم من هذه التسهيلات يزيد الخناق عليهم، سواء الذين هم في الخدمة أو في التقاعد، ومعظم هؤلاء المتقاعدين لا مداخيل مالية لهم سوى رواتب التقاعد!

وتضيف المصادر أن مبدأ الخفض قد أقرّ ولا مجال للتراجع عنه، وأن العمل جارٍ حالياً على <حصر الضرر> في نطاق ضيق، ولهذه الغاية كثُرت الاجتماعات بين القيمين على الشأن المالي والقيادات العسكرية بغية البحث عن اجراءات لا تحدث ردود فعل سلبية في أوساط العسكريين وتحقق في الوقت نفسه الغاية المنشودة وهي إعادة التوازن – ولو نسبياً  – بين النفقات والواردات حتى لا يصل وقت تصبح فيه الدولة عاجزة عن دفع رواتب ابنائها سواء اكانوا في أسلاك عسكرية أو مدنية. ولعل ما زاد الوضع حراجة المعلومات التي أوردها وزير المال علي حسن خليل في الجلسة ما قبل السابقة لمجلس الوزراء والتي أشار فيها الى تراجع حاد في واردات الدولة الى حد جعله يعمم على مراقبي عقد النفقات في الوزارات والإدارات عدم إجراء اي عقد نفقة غير تلك المتعلقة بالرواتب والأجور ومعاشات التقاعد، ما ضاعف الذعر الذي يعيشه العاملون في القطاع العام هذه الأيام من مدنيين وعسكريين، علماً أن الوزير خليل صارح مجلس الوزراء يومذاك بأن ردود الفعل على حملة الاكتتاب باليورو بوندز التي اطلقتها وزارة المالية لم تلق التجاوب المطلوب لتأمين سيولة للدولة اللبنانية.

وترى مصادر مطلعة على الواقع المالي الراهن ان الحد من النفقات العسكرية هو واحد من الإجراءات التي ستعتمد بصرف النظر عما ستكون عليه ردود الفعل المتوقعة. من هنا – تضيف المصادر – يجري البحث بعيداً عن الأضواء عن <حلول وسط> لاعتمادها تدريجاً عملاً بالقول المأثور <ما يموت الديب ولا يفنى الغنم>، ومن هذه الحلول التي تُدرس بعيداً عن الأضواء بالنسبة الى العسكريين، حصر تطبيق التدبير رقم 3 بالعسكريين العاملين ميدانياً والمكلفين بمهمات أمنية تفرض بقاءهم في حالة استنفار، وحجبه عن <عسكريي المكاتب> أو العاملين وفق الدوام، وخفض بدلات السفر والحد من الدورات في الخارج، ووقف التطوع في الاسلاك العسكرية حتى إشعار آخر، والتخفيف من التعويضات الطارئة التي تعطى للعسكريين وغيرها من التقديمات، وذلك لفترة زمنية محددة تراوح بين ثلاثة أشهر وثمانية أشهر، على أن تحفظ حقوق العسكريين بتقاضي هذه المخصصات عندما يتحسن الوضع المالي للدولة وتنظم الحياة الاقتصادية على نحو أفضل.

وفي هذا السياق، أكدت المصادر أن من بين الأفكار التي يتم التداول بها، حجب المساعدات المدرسية التي تقدم للموظفين والعسكريين على حد سواء بحيث يتابع أولاد هؤلاء دراساتهم إما في المدارس الرسمية للمراحل الابتدائية والتكميلية والثانوية، وإما في الجامعة اللبنانية للمراحل الجامعية، ويلقى هذا الاقتراح تأييداً واسعاً في مجلس الوزراء إذ سبق أن طُرح كواحد من المخارج المعتمدة لخفض الإنفاق. وتقول المصادر إن هذا الاقتراح لا يعني الزامية تعليم اولاد الموظفين والعسكريين في المدارس الرسمية أو الجامعة اللبنانية، إذ يمكن تخيير المعنيين بين مؤسسات التعليم الخاص والمؤسسات التربوية الرسمية على نحو تبقى فيه حرية الاختيار لهم على أن يدفعوا الفارق إذا ما اختاروا المؤسسات التربوية الخاصة.