22 October,2020

"العقد السياسي الجديد".. أزمة أم انفراج؟

بقلم علي الحسيني

الانتفاضة الشعبية.. الأولوية إسقاط الطبقة السياسية الحالية.

في عام ٢٠١٢، طرح ​حزب الله​ على لسان أمينه العام ​السيد حسن نصرالله​ خيار عقد “​مؤتمر​ تأسيسي وطني” عنوانه بناء ​الدولة​، وفي عام ٢٠٢٠، يبدو أن “الحزب” ماض في خياره هذا، وذلك بعد ملاقاته الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي طرح من بيروت خيار “العقد السياسي الجديد” من اجل تطوير منظومة العمل في لبنان والنهوض باقتصاده بعدما لامس وضعه الحضيض وأصبح على مشارف الإنهيار، وربّما الزوال بحسب تحذيرات سيّد الإليزيه.

غزل سياسي واقتصادي

بعد أن زار لبنان للمرّة الثانية في غضون أقل من شهر على زيارته الأولى له والتي أفضت إلى وضع أُسس لقيام حكومة

الرئيس ايمانويل ماكرون مهندس العقد السياسي الجديد.

جديدة بعد الاهتراء الذي أصاب حكومة الرئيس حسّان دياب، اتّضحت الصورة بشكل أكبر وأوسع فيما يتعلّق بطرح “العقد السياسي الجديد” الذي اقترحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أجل النهوض بالبلد واقتصاده، والذي قابله الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله بانفتاح اعتبره البعض نوعاً من الغزل السياسي أوّلاً، وأيضاً رسالة ايرانية تنّم عن وجود نيّة فعليّة للتعاون من أجل تحقيق هذا الطرح.

كيف يُمكن لطرح فرنسي هدفه الذهاب إلى عقد سياسي جديد، أن يتلاقى مع نظرة “حزب الله” للنظام القائم حالياً في لبنان ومطالبته الدائمة بتغييره ودعواته المتكرّرة للذهاب إلى إتفاق جديد بدل إتفاق الطائف الذي يرى في جزء أساسي منه، دعوة صريحة للتخلّص من سلاحه؟ سؤال كان خلال الأيّام الماضية، محل نقاش واسع داخل الأروقة السياسية المعنيّة بهذا التغيير المُزمع نقاشه في المرحلة المقبلة، لكن السؤال الأبرز، تمثّل بنظرة كل من فرنسا و”الحزب”  لهذا “العقد” والطرق المؤديّة الى تطبيقه، وما إذا كان السلاح وجهة أساسيّة للوصول إلى الحل المنشود.

مرجع سياسي بارز كشف عبر “الأفكار” أنه ومن خلال النظرة الأولى لهذا التماهي بين الفرنسي و”حزب الله” والذي بدا واضحاً من خلال ملاقاة نصرالله لماكرون في موضوع “العقد السياسي الجديد”، علينا البحث عن الدور الإيراني أوّلاً والمصالح التي تجمعها مع الفرنسي أولاً بما يتعلق بموضوع شركة “توتال” وثانياً في الشقّ المتعلق ببيع إيران طائرات “إيرباص” والتي أوقفتها الضغوطات التي مارستها الولايات المتحدة الأميركية.

إهدار وقت وجرعات مُخدرة

السيد حسن نصرالله .. من المؤتمر التأسيسي الى العقد السياسي.

في السياق، ربّما يستوجب القول إن العقد الذي حُكي عنه (العقد السياسي)، ليس سوى محاولة لشراء الوقت سواء بالنسبة إلى “الحزب” أو الفرنسي، على الرغم من أن هناك خيارات أخرى لكن لا شيء جاهزاً في هذه المرحلة لدى الجهتين. وهنا يبدو أن المُستفيد الأكبر هو “حزب الله” الذي يُحاول إعطاء طائفته جُرعة مُخدّر جديدة تُمكّنه من الإنتظار أو الصمود في هذه المرحلة الاقتصادية الصعبة، وهو الامر الذي يُذكرنا بمسألة المُثالثة التي كان طرحها الإيراني في “سان كلو” ورفضها المسيحي حينها، لأنها تسحب منه بعض الصلاحيّات، وتخوّف منها السُنّي لأسباب عديدة أيضاً، أبرزها لها علاقة بالسلاح.

وهنا يعود المرجع السياسي ليقول إن أي مشروع أو طرح بالنسبة إلى إيران أو “حزب الله” لا يكون لهما فيه وجود قدم عسكري في المنطقة وتحديداً في لبنان، نظراً لحدوده المتلاصقة مع فلسطين المُحتلة، لن تتم الموافقة عليه خصوصاً بعد آلاف الشهداء التي قدمتهم ايران في سبيل تعزيز نفوذها، وأيضاً صرفها مليارات الدولارات من أجل تثبيت مشروعها.

ويختصر المرجع حديثه حول “العقد السياسي الجديد” بشرح تقول خلاصته، إن الطرح الأميركي المتعلق بتوسيع مهمة “اليونيفل” كشرط أساسي لتمديد عملها في لبنان، مع ما يشمل هذا الطرح من مراقبة بحريّة وجويّة وبريّة، بالإضافة إلى منع تدفّق السلاح باتجاه مناطق محددة ويُضاف لها صلاحية القيام بمداهمات لأي مكان يُشتبه به أو حوله شكوك، هذه الأمور جميعها جعلت من إيران و”الحزب”، يوافقان على دعوة ماكرون بما يتعلّق بـ”العقد”، خصوصاً وأن أميركا تموّل أكثر من ثلاثين في المئة من ميزانيّة “اليونيفل”.

بعبدا على خط استمزاج الآراء

الرئيس سعد الحريري والوزير والنائب السابق وليد جنبلاط والدكتور سمير جعجع.. حلف المواجهة.

استكمالاً لدعوة الرئيس الفرنسي الى عقد سياسي واجتماعي جديد، تكشف أوساط مقربة من بعبدا وجود نيات حقيقيّة وجديّة لتشكيل لجان فرنسية – لبنانية لدراسة الملفات التي يمكن عرضها للنقاش والتطوير في النظام السياسي، في وقت بدأ يحضر فيه الرئيس ميشال عون الى طاولة حوار في قصر بعبدا لاستمزاج آراء رؤساء الكتل النيابية والمرجعيات الروحية بعد تشكيل الحكومة ونيلها الثقة مباشرة. وتؤكد الأوساط أن أي تغيير لن يطرأ بلمح البصر، بل يتطلّب ثلاثة أو اربعة أشهر لكي ينضج بشكل صحيح قبل الإنتقال إلى مرحلة زرع بذور الوفاق الوطني والاجتماعي، كخطوة اساسيّة لساعة قطاف الحصاد.

رأي سُنيّ ودرزي بالـ”العقد”

رئيس الحزب “الديموقراطي اللبناني” النائب طلال أرسلان عبّر عن رأيه بموضوع العقد السياسي الجديد بالقول: العقد السياسي الجديد لن يقوم إلا على أسس ضرب الطائفية والمذهبية والعنصرية من النظام السياسي والاتجاه نحو بناء الدولة المدنية العصرية التي تعزز مركزية الدولة وقوتها باعتماد اصلاحات جدية في الدستور تتيح لنا جميعاً بناء دولة المواطنة الحقيقية عبر قانون انتخاب جديد يعتمد على الدوائر الموسعة للحد من روحية مزرعة الطوائف.

النائبان طلال إرسلان وفيصل كرامي.. مع وضد.

وأضاف: يجب أن لا ننسى قانوناً عصرياً جديداً للأحزاب ليواكب سلسلة الاصلاحات التي يتم التوافق عليها. أما الكلام عن التهويل بموضوع المثالثة، فليس وارداً على الاطلاق.

بدوره رأى النائب فيصل كرامي أن طرح الدولة المدنية من قبل الزعامات السياسية المبنية على الفكر المذهبي والميليشياوي الذين حكموا لبنان منذ 30 سنة لا يمكنهم تقديم هذا الطرح، مشيراً الى أن أحداً لم يقدّم توصيفاً للدولة المدنية. وأكد أن ما يُطرح اليوم عقد سياسي جديد لا مفهوم واضحاً له ومن يريد الدولة المدنية عليه تطبيق اتفاق الطائف أولاً، مشدّداً على أن العقد السياسي الجديد الذي يطرحه البعض من خلال فكرة الدولة المدنية يستهدف رئاسة الحكومة ويأتي على حساب الطائفة السنية.

موقف 14 آذار من “العقد” 

يقول بعض أركان قوى الرابع عشر من آذار، إن من يراقب تسلسل الأحداث منذ عام 2000 وحتى اليوم، لا بد من أن يلاحظ ذلك التدرج التصاعدي لتطبيق خطة الوصول إلى “المؤتمر التأسيسي” الذي يُسمّى اليوم بـ”العقد” بحيث باتت واضحة المعالم والملامح والتي كانت بدايتها الفعلية عام 2000 بعد انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان. ويومها اعتبر حزب الله أن انجازاته وظروفه تسمح له بإعادة توزيع السلطة.

ويقول هؤلاء: يومها تقاطعت رغبة الحزب آنذاك مع الأميركيين والأوروبيين الذين كانوا سباقين في اقتراح فكرة “المؤتمر التأسيسي” وكانوا يطرحونها في جلسات خاصة وخلال لقاءات مع مسؤولين لبنانيين، انطلاقاً من ان نزع سلاح الحزب لا بد أن تقابله عملية دمج في المنظومة اللبنانية، من خلال منحه مكاسب سياسية بديلة في مواقع السلطة وإدارتها. ولاحقاً صب اغتيال الرئيس رفيق الحريري في مصلحة مشروع “المؤتمر التأسيسي”، كونه عراب اتفاق الطائف والمناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

ويُتابع هؤلاء تأكيداتهم على أن حزب الله هو من يقف وراء المطالبة بعقد مؤتمر تأسيسي بقولهم: بعد عامين على اغتيال الحريري، وصل وزير الخارجية الفرنسي جان كلود كوسران الى بيروت، ناقلاً إلى المسؤولين حينئذٍ تبلغه من الإيرانيين باقتراح توزيع السلطة على قاعدة المثالثة وليس المناصفة مقابل تسليم حزب الله لسلاحه. تلاها مؤتمر “سان كلو” الحواري حيث سمع اللبنانيون مجدداً بالاقتراح ذاته، من مسؤول فرنسي نقلاً عن مسؤولين إيرانيين.

أما الخطوة الأكثر وضوحاً باتجاه المؤتمر التأسيسي(العقد السياسي)، كانت عندما اقترح السيد نصر الله مطلع عام 2012 مناقشة خيار بناء الدولة وتطوير الفكرة إلى عقد مؤتمر تأسيسي وطني عنوانه بناء الدولة، ما كان مؤشراً لرغبة دفينة لدى الحزب في الإطاحة بـالمناصفة ونهائية كيان لبنان وعروبته ونظامه الديموقراطي الحر.