5 August,2020

الشعب متروك للفقر والسلطة تتنعّم في "فقرا"

بقلم علي الحسيني

المطالبة بالمحاسبة واستعادة الأموال المنهوبة

  منذ بداية العلمنة قُسّم العالم إلى فئات ثلاث، طبقة غنيّة وأخرى متوسطة الحال والثالثة فقيرة معدومة محرومة من كل مقومات الصمود في الحياة. هذا التقسيم الذي أفرزه العالم الجديد لم يعد اليوم قائماً في لبنان البلد الذي كانت تتغنّى بضيافته دول العالم لدرجة أنه قيل فيه ذات زمن إن الفقير يُمكن له أن يتناول وجبتين على الأقل على عكس فقراء العديد من الدول المتقدمة والمتحضرة التي يُمكن لفقرائها أن يبيتوا ليلتين وربما ثلاث، من دون تناول ولو وجبة طعام واحدة.

إنجاز حكومة دياب.. القضاء على الطبقة المتوسطة

 يُسجّل لحكومة الرئيس حسّان دياب وللسلطة السياسية بكل توازناتها الحزبيّة والطائفيّة أنها تمكّنت من تحقيق الإنجاز

حكومة “مواجهة التحديات”…باب الاستقالة مفتوح

الأبرز في العالم من خلال تدميرها الطبقة المتوسطة في لبنان بشكل كامل مُحتفظة بطبقة رأس المال والفقيرة، في وقت لم تترك لهذه الأخيرة أي متنفّس خلال مصارعتها الموت للبقاء على قيد الحياة بعد أن حرمتها من الماء والدواء والغذاء والكهرباء. وقد اختصرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية انجاز هذه الحكومة بالقول إن اللبنانيين لطالما حاولوا الاستمتاع بالحياة على الرغم من الحروب وجولات العنف وعدم وجود كهرباء ولا مياه صالحة للشرب، فقد بقيت الفنادق مفتوحة، وكان بإمكان الطبقة الوسطى شراء ملابس جيّدة، والاستعانة بعاملات في المنازل، ويسافرون أحياناً.

وأضافت: إنّ هذا النظام إنهار خلال الأشهر الأخيرة، ما أدّى إلى انهيار اقتصادي تفاقم مع التدابير المتخذة من قبل الحكومة لمكافحة فيروس كورونا. كما تحدثت إلى عدد من اللبنانيين الذين أوضحوا كيف خسرت رواتبهم قيمتها وقدرتها الشرائية ولفتوا إلى أنّ حياتهم تتغيّر، وتوقعت الصحيفة أن يكون وقع الأزمة شديداً على الفقراء. وذكّرت بتحذير البنك الدولي من ارتفاع نسبة الفقراء في لبنان إلى 50%، وذلك في تشرين الثاني أي قبل انهيار الليرة وتفشي  فيروس كورونا ما يجعل الأمور أسوأ الآن.

واللافت أن سخريّة اللبنانيين من قدرهم الذي فرضته عليهم حكوماتهم بسبب السياسة الاقتصادية المعدومة التي لطالما انتهجتها الحكومات المتعاقبة، دفعت شخصيّة إعلامية للحديث عن الموضوع بشكل تهكّمي بقولها، إن السلطة السياسية في البلاد تركت لشعبها الفقر، في وقت تتنعّم هي في “فقرا” (منطقة لبنانية مخصّصة لأبناء الطبقة الميسورة). وما يؤلم الشعب اللبناني، أن رئيس حكومته حسّان دياب كان أقرّ في 21 أيار (مايو) الماضي، بأن نصف الأسر اللبنانية ستصبح عاجزة عن شراء الطعام نهاية العام الجاري.

الفقر الى ارتفاع

فقرا…موطن السياسيين الميسورين

إقرار الرئيس دياب عزّزه تقرير حديث صادر عن برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، جاء فيه أن معدل انتشار الفقر في لبنان سيرتفع من 37 في المئة عام 2019 إلى 45 في المئة عام 2020. ومن المتوقع أن يصيب الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي ما نسبته 22  في المئة من السكان، مقارنة بـ16 في المئة في عام 2019. هذه المعدلات التي استندت إلى دراسات للبنك الدولي، أنتجت تقديرات صادمة ستصبح أمراً واقعاً يوسم العام الاستثنائي: تسجيل 335 ألف أسرة لبنانية فقيرة في عام 2020، منها 163 ألف أسرة تحت خط الفقر الغذائي، أي ما يعادل مليون شخص في بلد تعداد سكانه الرسمي أربعة ملايين!

ووفق مسح أجراه برنامج الغذاء العالمي لأسعار السلة الغذائية التي يقدمها شهرياً لـ14 ألف لبناني وسوري من أكثر من 400 متجر، تبين أن أسعار سلة السلع الغذائية الأساسية (الأرز والبرغل والمعكرونة والفاصوليا البيضاء والسكر والزيت والملح واللحوم المعلبة) ارتفعت بنسبة 56 في المئة بين أيلول 2019 ونيسان 2020. واللافت أن الارتفاع الحاد أدى إلى انخفاض قدرة الأسر اللبنانية، ولا سيما الأشد فقراً منها، على توفير الغذاء الكافي إلى حد كبير إلى جانب التضخم الذي يؤثر على المنتجات والخدمات غير الغذائية وانخفاض قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار والبطالة وتخفيضات الرواتب.

أزمة اجتماعية واقتصادية.. بالتكافل والتضامن

 أتت أزمة وباء فيروس “كورونا” في ظل وضع اقتصادي منهار أساساً، فتساوت الأزمة الصحية والأزمة الإجتماعية من حيث الخطورة. وكما في سائر بلدان العالم، ظهّرت هذه الأزمة مكامن الخلل في نظامنا الحالي كافّة. ولعلّ أبرز ما بيّنته هو كيفية تعاطي النظام، وسلطاته المتعاقبة، مع مسألة الفقر، وهو تعاطٍ يمكن إختصاره بثلاثة محاور: الأوّل، إضعاف دور الدولة في الحدّ من الفقر وتفويض صلاحياتها للأحزاب والطوائف، الثاني، التعاطي مع الفقر كـمسألة قضاء وقدر أو على الأكثر كفجوة يقتضي سدّها بالمساعدات، وفصلها عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي لتوزيع الثروات، وأخيراً تعزيز منطق التبرعات والمساعدات كمنّة لشراء الذمم عوضاً عن ثقافة الحقوق.

 وقد أدت هذه السياسات المتبعة على مدار السنوات إلى زيادة هشاشة المواطن وتحويل العوز والفقر إلى حالة دائمة يسعى النظام السياسي للإستفادة منها لتعزيز روابط الزبائنية والتبعية. وهنا تؤكد مصادر معنيّة بالحالة الاجتماعية في لبنان أن الجميع يعلم بان الدولة اللبنانية فوّضت منذ البداية مسألة الفقر للمؤسسات والجمعيّات الأهلية. ومن يعرف الواقع اللبناني لا يخفى عليه أن أغلبية هذه الهيئات تابعة إما لأحزاب وأطراف سياسية، وإما لمؤسسات دينية، وأكثرية هذه المؤسسات متصلة بالأوقاف الدينية، التي تستفيد بدورها من إمتيازات غير مبررة ولا سيما الإعفاءات الضريبية.

وتشير المصادر إلى أن ما نراه اليوم في ظل جائحة الكورونا إذاً ليس بجديد، حيث تتبارى الأحزاب السياسية على تقديم المساعدات وتأمين المستشفيات ومراكز العزل، بالإضافة إلى توفير برامج لمساعدة الفقراء من خلال توزيع حصص غذائية واستهلاكية، مع اعتماد أغلبها خطاباً قائماً على انتقاد ضعف الدولة وعرض نفسها كبديل لا مفرّ منه تحت عنوان: إما مساعداتنا وإما الجوع والمرض.

غياب الحلول.. والفقر آفة المجتمع

عينة عن الفقر في لبنان

الحكومة الراهنة لم تسجّل أي جديد في تعاطيها مع الفقر، حيث جاءت استجابتها للأزمة من منظار المساعدة الآنية (المقاربة الإنسانية) وليس من منظار الحلول (المقاربة الحقوقية) التي من شأنها إعادة التوازن للعلاقات الإجتماعية والإقتصادية المتصدّعة. تتعامل الحكومة مع الفقر وكأنه أزمة مستجدة مع الكورونا، فتطرح حلها الإجتماعي السحري بسلة المساعدات من دون إعادة النظر في بُنية اللاعدالة، فلا حلّ لإرتفاع أسعار السلع الأساسية ولا تصوّر لمسألة البطالة، ولا سياسة لمعالجة أزمة الصرف التعسفي، ولا تفكير في تأمين المساكن اللائقة لمن يفتقدونها أو لمن يعيشون في مساكن لا تتمتع بأدنى معايير السلامة، وبذلك، يستمر التعامل مع الفقر كمشكلة أو آفة آنية، منعزلة عن السياسات العامة.

ومن جهة أخرى، وضع الزعماء وأحزابهم مؤسسات الدولة بخدمتهم، فتحوّلت إلى ممول لمؤسساتهم الخاصة، وسيطروا على صناديقها ليجعلوا منها باباً للخدمات الزبائنية. وبذلك، تحوّل حقّ الفقراء بالخدمات الإجتماعية الى منّة يعطيها الزعيم.

رسالة من فنان.. نعم نأكل من النفايات

وكتدليل على الحالة المزرية التي وصل اليها اللبناني، نشر الممثل اللبناني الشهير ميشال أبو سليمان مقطع فيديو وهو يأكل من حاوية القمامة، وقد اثار هذا المقطع موجة كبيرة من التضامن بين محبيه ورواد مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي وقت حاول فيه أبو سليمان تلخيص الواقع الصعب والفقر الذي يعيشه المواطن اللبناني بعد تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية مؤخراً من خلال مشهد بات مألوفاً بين الفقراء في لبنان، توجّه إلى اللبنانيين عموماً والسياسيين على وجه الخصوص بالقول: تسألون فيما إذا كنت آكل من النفايات؟ أجيب بنعم، علينا أن نعتاد على الأكل من النفايات، لأنه إذا لم ننزل إلى الثورة ونادينا بحقوقنا، بعد 6 و8 أشهر سنأكل جميعاً من النفايات.

من هنا تبدأ الأحلام

الجميع يذكر يوم أعلنت النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون ضرورة المطالبة برفع الحصانات عن الجميع أولاً في حال الرغبة باسترداد الأموال المنهوبة، بالإضافة إلى كلام رئيس الجمهورية ميشال عون حول اقتراحات قوانين يجب ان تقر في أقرب وقت، كإنشاء محكمة خاصة بالجرائم على المال العام، واسترداد الأموال المنهوبة، ورفع الحصانة ورفع السرية المصرفية عن الرؤساء والوزراء والنواب وكل من يتعاطى المال العام، الحاليين والسابقين.

يومها ركب جميع السياسيين موجة المطالبة بمحاكمة الفاسدين والمطالبة باسترداد الأموال العامة في خطوة بدت وكأنها استباقية لما يُمكن ان يطال فئات كبيرة منهم ومحاسبتهم بينهم وزراء ونواب ورؤساء حاليين وسابقين. وقد لوحظ أن فئات من الشعب اللبناني وقفت مذهولة امام مطالبة هؤلاء بالمحاسبة واندفاعهم  الى الطلب برفع السرية المصرفية عن حساباتهم ودعوتهم إلى تشكيل حالة طوارئ اقتصادية إنقاذية.

اليوم وفي ظل الفقر المدقع الذي يعيشه أكثر من ثلثي الشعب اللبناني والجوع الذي بدأ يزحف بشكل مُخيف إلى بيوت الفقراء، ثمة سؤال يُطرح على العلن: هل يُمكن في ظل الظروف السياسية الحاضرة، والتهافت المذهبي، ومراكز النفوذ التي تتحكم باللعبة السياسية اللبنانية، وعدم سيطرة القانون على الجميع سواسية للظروف المعروفة، أن يحلم اللبنانيون بمحاكمة رؤساء ووزراء ونواب وسياسيين هم في الأصل مسؤولون عن تجويع شعبهم وعن وصولهم إلى هذا الوضع المخيف والذي أصبح فيه اللبناني أمام خيارين: إمّا الموت جوعاً، أو الموت انتحاراً خوفاً من الجوع!