25 November,2020

الرسوم المسيئة للرسول تؤجج صراع الحضارات والثقافات بين العالم الاسلامي والغرب

 

 مجلة “شارلي ايبدو”.

عادت المجلة الأسبوعية الفرنسية الساخرة “شارلي إيبدو” الى إرتكاب ما يشبه العنصرية الثقافية ضد المسلمين عندما نشرت رسماً كاريكاتورياً على صفحتها الأولى في الشهر الماضي يسخر من النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، بعدما سبق لها ان نشرت عام 2006 رسماً مشابهاً للرسول الاكرم معتمراً عمامة على شكل قنبلة، يتدلى منها فتيل الإشعال سبق ان نشرتها الصحف الدانماركية عام 2005، وكتب رئيس تحرير هذه الصحيفة  “لوران سوريسو” في مقال مصاحب للرسوم “لن ننحني أبداً. لن نستسلم”، الامر الذي أثار موجة غضب عارمة على المستوى الإسلامي، وعمت التظاهرات الغاضبة أرجاء العالم الإسلامي احتجاجاً على نشر الصحيفة تلك الرسوم المسيئة، وحصلت ردود فعل سلبية لدرجة ان شاباً شيشانياً يدعى “عبد الله أنزوروف” (18 عاماً)، عمد يوم 17 الجاري الى قتل معلم التاريخ الفرنسي “صمويل باتي” (47 عاماً)، أمام إحدى المدارس الإعدادية بضاحية كونفلانس سانت أونورين شمال باريس، حيث قطع رأسه بسكين وحاول تهديد عناصر الشرطة الذين وصلوا إلى المكان وقضوا على المهاجم بالرصاص، حيث قالت مصادر متعددة إن الهجوم جاء بعد أن عرض المدرس على تلاميذه رسوماً كاريكاتورية للنبي محمد، بينما ذكر شهود عيان أن المهاجم كان يهتف “الله أكبر” بعد قتل “باتي”.

الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” يعلن الحرب على الغرب

كما نشرت “شارلي إيبدو” رسماً كاريكاتورياً يظهر في الصفحة الأولى الرئيس التركي “رجب طيب اردوغان” بملابس داخلية وهو جالس يشرب الخمر، فيما يرفع ثوب امرأة محجّبة لتظهر مؤخّرتها، وفوق الصورة عنوان: “إردوغان – لديه الكثير من المرح حين يكون وحده”.

 وجاء النشر بالتزامن مع افتتاح في محكمة الجنايات الخاصة في باريس يوم الأربعاء ما قبل الماضي محاكمة المتهمين بأحداث كانون الثاني (يناير) 2015 في فرنسا، بعد أكثر من 5 سنوات على الهجمات الدموية التي استهدفت صحيفة “شارلي إيبدو” الساخرة ورجال شرطة ومحلاً لبيع الأطعمة اليهودية، وأسفرت عن سقوط 17 قتيلاً خلال 3 أيام، حيث يلاحق في هذا الملف 14 متهماً بينهم ثلاثة سيحاكمون غيابياً، ويشتبه في تورطهم بدرجات متفاوتة بتقديم دعم لوجستي للأخوين سعيد وشريف كواشي وأميدي كوليبالي منفذي الهجمات التي دشنت سلسلة من الهجمات الجهادية غير المسبوقة في البلاد.

والمتهمون الغائبون هم حياة بومدين رفيقة كوليبالي وقت الهجمات، والأخوان محمد ومهدي بلحسين. وسافر الثلاثة إلى مناطق كان تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر عليها في سوريا قبل أيام من الهجمات، وربما قتلوا هناك.

سجال “ماكرون” و”أردوغان” الملتهب

 رسوم ساخرة لــ “اردوغان” نشرتها “شارلي ايبدو”.

 وتطور الأمر سلباً عندما اكد الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إنه ليس في موقع يمكنه من إصدار حكم على قرار “شارلي إيبدو” إعادة نشر رسم يسخر من نبي الإسلام، معتبراً أن فرنسا تتمتع بحرية التعبير، وقال إن بلاده تحترم كل أوجه الاختلاف بروح السلام ولا تقبل خطاب الحقد، متعهداً بتشديد حملته على ما وصفه بالاسلام الراديكالي، واصفاً أستاذ التاريخ  القتيل بـ”وجه الجمهورية”، متعهداً بألا تتخلى فرنسا عن الرسوم الكاريكاتورية، فيما وصف الإسلاميين في فرنسا بالانفصاليين موجهاً باتخاذ إجراءات جديدة لمنع انتشار التطرف بين المسلمين في البلاد، مؤكداً تمسك بلاده بنشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد في إطار حرصها على علمانية الدولة، بينما شددت الحكومة الفرنسية على عدم التراجع أبداً في مواجهة التطرف الإسلامي على الرغم من محاولات زعزعة الاستقرار، ما أثار غضب المسلمين، خصوصاً الرئيس التركي “رجب طيب اردوغان ” الذي دعا إلى مقاطعة البضائع الفرنسية وقال إن نظيره الفرنسي يحتاج إلى فحص للصحة العقلية . كما هاجم المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” على خلفية اقتحام الشرطة الألمانية لأحد المساجد، داعياً العالم لنصرة المسلمين “المظلومين” في أوروبا، وقال إن مداهمة الشرطة الألمانية لمسجد وقت صلاة الفجر ليست حدثاً عادياً، متوجهاً لميركل بالسؤال: “أين حرية الأديان التي تزعمونها؟ كيف لأكثر من مئة شرطي أن يداهموا مسجداً في بلادكم؟، محذراً الأوروبيين بأنهم لن يستطيعوا تحقيق أي مكسب من معاداة الإسلام

الرئيس “ايمانويل ماكرون” يتوعد التطرف الاسلامي

والمسلمين.

 

 واعتبر “اردوغان” أن العداء للإسلام والمسلمين أصبح سياسة مدعومة على مستوى الرؤساء في بعض الدول الأوروبية، داعياً زعماء العالم للوقوف إلى جانب المسلمين المظلومين في أوروبا، حتى انه لم يتوان عن القول إن “ماكرون” ذهب إلى لبنان ولكنه لم يجد ما كان يبحث عنه بل تم طرده من هناك ، في وقت فتحت تركيا تحقيقاً ضد “شارلي إيبدو” لإساءتها لـ “أردوغان”.

 وانقسم العالم بين غرب مؤيد لفرنسا وآخر اسلامي مندد بها، حيث أصدرت وزارة الخارجية الفرنسية بياناً قالت فيه إن الأيام القليلة الماضية شهدت دعوات في العديد من دول الشرق الأوسط لمقاطعة المنتجات الفرنسية، ولا سيما المنتجات الغذائية، فضلاً عن دعوات للتظاهر ضد فرنسا بسبب نشر رسوم كاريكاتيرية مسيئة للنبي محمد ، داعية الدول المعنية إلى وقف  الدعوات لمقاطعة السلع الفرنسية والتظاهر، معتبرة أنها تصدر من أقلية راديكالية، وقالت ان الدعوات إلى المقاطعة عبثية، ويجب أن تتوقف فوراً، وكذلك كل الهجمات التي تتعرض لها بلادنا والتي تقف وراءها أقلية راديكالية. كما دعت مواطنيها المقيمين بعدة دول ذات غالبية من المسلمين أو المسافرين إليها لأخذ احتياطات أمنية إضافية وسط تصاعد موجة الغضب من عرض الرسوم المسيئة للنبي محمد في مدرسة فرنسية.

الاتحاد الاوروبي يتضامن مع فرنسا

القاتل الشيشاني “عبد الله أنزوروف”.

ووصفت المفوضية الأوروبية الدعوات لمقاطعة البضائع الفرنسية بسبب تصريحات الرئيس الفرنسي”ماكرون”، بالمؤسفة، لافتة إلى أن أياً من الحكومات العربية والإسلامية التي شهدت احتجاجات شعبية على كلام “ماكرون” لم تقر مقاطعة البضائع الفرنسية بشكل رسمي.

وأعاد المتحدث باسم المفوضية “إيريك مامير” التأكيد على مساندة الدول والمؤسسات الأوروبية لفرنسا، ووصف تصريحات الرئيس “أردوغان” بـغير المقبولة ، لافتاً الى ان السياسة الخارجية الأوروبية تتمحور حول تعزيز القيم الأوروبية القائمة على ضرورة احترام حرية ممارسة الشعائر الدينية واحترام حرية التعبير، مؤكداً ان الاتحاد الأوروبي بدوله ومؤسساته لا يسعى للمواجهة والاستفزاز، ولكنه يريد البحث عن حلول عن طريق الحوار.

كما شدد المتحدث باسم الجهاز التنفيذي في المفوضية الأوروبية “بالاش أفاري”، على أن دعوات مقاطعة البضائع الفرنسية التي تطلقها تركيا، وهي دولة مرشحة لعضوية التكتل الموحد، تساهم في إبعادها أكثر فأكثر عنه، مؤكداً ضرورة أن تحترم تركيا التزاماتها المنصوص عنها في الاتفاقيات الموقعة مع الاتحاد الأوروبي والتي تنص على التبادل الحر للبضائع، فدعوات مقاطعة منتجات أي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تسير بعكس روح تلك الاتفاقيات.

العالمان العربي والاسلامي ينددان

 أما في العالم العربي والاسلامي فقد أجمعت المواقف على التنديد بالصحيفة الفرنسية وبالرئيس “ماكرون” الذي غطى على هذه الاساءة لمليار و900 مليون مسلم ، حيث وصف الرئيس الإيراني حسن روحاني الأمر بأنه يمثل إهانة لجميع المسلمين وكافة الأنبياء والقيم الإنسانية وتحريضاً على العنف، وقال ان استفزاز المسلمين وغير المسلمين عبر الإساءة للنبي ليس فناً وديمقراطية وهو تحريض على العنف وإراقة الدماء، معتبراً ان الإساءة للنبي إساءة للحرية والقيم الإنسانية، إن الغرب والشرق مدينان للنبي محمد، مؤكداً ان نبي الإسلام مقدس لدى كافة مسلمي وأحرار العالم وتوجيه الإهانة له بمثابة إهانة كافة المسلمين والأنبياء والقيم الإنسانية والأخلاق ، املاً من فرنسا التعويض سريعاً عما ارتكبته من أخطاء مسيئة للنبي والعودة إلى مسار العدل والأخلاق واحترام كافة الأديان السماوية.

 

استاذ التاريخ المقتول “صموئيل باتي”.

وأكد الرئيس المصري ​عبد الفتاح السيسي​ أن الإساءة للأنبياء والرسل، هي استهانة بقيم دينية رفيعة، وجرح لمشاعر الملايين، معتبراً ان حرية التعبير يجب أن تتوقف عندما يصل الأمر إلى جرح مشاعر أكثر من مليار ونصف مليار شخص.

 

وأكد مجلس الوزراء السعودي رفض المملكة لأي محاولة للربط بين الإسلام والإرهاب، واستنكارها للرسوم المسيئة للنبي محمد أو أي من الرسل، ودان كل عمل إرهابي أو ممارسات وأعمال تولد الكراهية والعنف والتطرف، مؤكداً أن “الحرية الفكرية هي سيلة للاحترام والتسامح والسلام”.

من جهته، دان المغرب الإمعان في نشر رسوم الكاريكاتير المسيئة للإسلام وللرسول، والتي تعكس غياب النضج لدى مقترفيها، ولفت بيان لوزارة الخارجية إلى أن المغرب يدين بشدة الإمعان في نشر رسوم الكاريكاتير المسيئة للإسلام وللرسول سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

وطالبت الكويت فرنسا بوقف الإساءة للأديان والأنبياء في الخطابات الرسمية، وأبلغ وزیر الخارجیة الكویتي أحمد ناصر المحمد الصباح، سفيرة فرنسا لدى بلاده “آن كلیر

لو جیندر” بـضرورة وقف الإساءات للأدیان السماویة كافة والأنبیاء عليهم السلام في بعض الخطابات الرسمية.

 وأوضح رئيس وزراء باكستان “عمران خان” أن الرئيس “ماكرون” هاجم الإسلام عندما شجع

على عرض الرسوم التي تسخر من النبي، وقال : المؤسف أن الرئيس “ماكرون” اختار أن يتعمد استفزاز المسلمين، ومنهم مواطنوه (المسلمون)، من خلال تشجيع عرض الرسوم المسيئة التي تستهدف الإسلام ونبينا عليه الصلاة والسلام.

 

بدوره، وصف مجلس التعاون الخليجي تصريحات الرئيس “ماكرون” حول الإسلام بغير المسؤولة، معتبراً إياها تنشر ثقافة الكراهية بين الشعوب.

واستنكر شيخ الأزهر أحمد الطيب الرسوم ، ووصفها بأنها جريمة في حق الإنسانية، وقال إن نبينا صلى الله عليه وسلم أغلى علينا من أنفسنا، والإساءة لجنابه الأعظم ليست حرية رأي بل دعوة صريحة للكراهية والعنف وانفلات من كل القيم الإنسانية والحضارية.

وقرر مجلس حكماء المسلمين تشكيل لجنة خبراء قانونية دولية لمقاضاة صحيفة “شارلي إيبدو”. وفي اجتماع عقد عبر تقنية الفيديو كونفرنس برئاسة الشيخ أحمد الطيب، ندد المجلس بما وصفه بـلحملة الممنهجة التي تسعى للنيل من نبي الإسلام والاستهزاء بالمقدسات الإسلامية تحت شعار “حرية التعبير”.

وشاركت رابطة “علماء فلسطين” في تنظيم مسيرة احتجاجية في غزة تنديداً بالرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد، وتصريحات “ماكرون” بعدم حظر الرسوم المسيئة للرسول. وتجمع المشاركون في المسيرة أمام المركز الثقافي الفرنسي بمدينة غزة، رافعين لافتات كتب عليها: “نصرة للرسول صلى الله عليه وسلم”، منددين بالتطاول على الإسلام والنبي محمد والمقدسات.

يافطات تدعو لمقاطعة المنتجات الفرنسية.

واعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، أنها استدعت القائم بالأعمال الفرنسي لديها وسلمته رسالة احتجاج على الرسوم المسيئة للنبي، وعلى تصريحات “ماكرون”.

وفي مصر، سخر مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي من ماكرون، وتم تداول قائمة بالعلامات التجارية الفرنسية، ودعا المدونون إلى مقاطعتها.

وفي الكويت، أعلن اتحاد الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، مقاطعة المنتجات الفرنسية.

وأعلنت شركة الميرة القطرية – وهي إحدى أهم شركات بيع التجزئة في قطر- سحب المنتجات الفرنسية من جميع فروعها حتى إشعار آخر.

وغرّدت شركة ألبان “الوجبة” عبر حسابها الرسمي على تويتر: “من مبدأ الرفض والاستنكار لما يُنشر من إساءة لنبينا الكريم ودفاعاً عنه فإننا نعلن انضمامنا لحملة مقاطعة المنتجات الفرنسية، كما نتعهد بتوفير منتجات مماثلة وبديلة لمنتجات الألبان خلال فترة قصيرة”.

وأكد عدد من حسابات شركات التوصيل إيقاف عمليات التوصيل للمنتجات الفرنسية.

وأعلنت جامعة قطر تأجيل فعالية الأسبوع الثقافي الفرنسي لأجل غير مسمى، وذلك بسبب المستجدات والأحداث الأخيرة والمتعلقة بالإساءة للإسلام والنبي محمد، في حين أعرب المجلس التمثيلي الطلابي عن استيائه البالغ لاستمرار نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي لبنان، دعا أمين عام دار الإفتاء أمين الكردي إلى مقاطعة البضائع الفرنسية، تعليقاً على استمرار نشر الرسوم المسيئة للنبي.

وفي السعودية، ‎شددت هيئة كبار العلماء على أن الإساءة إلى مقامات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام لا تمت إلى حرية التعبير والتفكير بصلة.

 واحتجاجاً على نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد  نشرت صحيفة “وطن امروز” (الوطن اليوم) الإيرانية صورة ساخرة تظهر الرئيس “ماكرون” على شكل شيطان، وذلك على خلفية تصريحاته تأييداً لنشر الرسوم الكاريكاتورية عن النبي محمد، وذلك تحت عنوان “إبليس باريس”.

كما تقدم محاميان أردنيان، بطلب للنائب العام، بملاحقة الرئيس “ماكرون”، على خلفية تصريحاته الأخيرة حول الإسلام ، واشارا الى انه خالف أحكام قانون العقوبات الأردني، من خلال “استهزائه” بمشاعر كافة المسلمين، و”استهتاره” بالمعتقد الديني الإسلامي، والإساءة إلى النبي محمد.