5 August,2020

الديوان كشف "فضائح" قطع حساب 1997 فهل تتشكل لجنة تحقيق برلمانية للمحاسبة؟

رئيس ديوان المحاسبة القاضي محمد بدران

 في الوقت الذي يؤكد فيه اركان الدولة، ولاسيما رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة حسان دياب المضي في مسيرة مكافحة الفساد وإعادة الاموال المنهوبة ومحاسبة المرتكبين الذين عبثوا بالمال العام وأثروا على حساب المكلف اللبناني، حصل تطور اساسي في هذا السياق تمثل باصدار ديوان المحاسبة تقريراً حول قطع حساب الموازنة العامة والموازنات الملحقة للعام 1997 الذي عوض ان يكون جاهزاً العام 1999 كما ينص القانون، اصبح جاهزاً بعد عشر سنوات تقريباً اثر عمل مشترك بين لجنة المال والموازنة النيابية ووزارة المال وديوان المحاسبة. واللافت في هذا التقرير ليس تأخره عشر سنوات، بل ما فيه من معلومات عن ضياع مبالغ مالية كبيرة تصل الى عشرات المليارات من الدولارات وتحديداً في الحساب الموقت الذي يوصف بأنه “البئر السوداء” وقد اشارت المعلومات الاولية عن مبلغ يزيد عن 27 مليار دولار!.

 وفيما تسلم رئيس مجلس النواب نبيه بري نسخة عن التقرير وأوعز الى الامانة العامة لمجلس النواب طباعة التقرير وتوزيعه على النواب على ان ينظر بعد ذلك بالمقتضى، طرحت مصادر نيابية ما اذا كان المجلس ينوي تشكيل لجنة تحقيق برلمانية سبق ان طالبت بتشكيلها لجنة الادارة والعدل النيابية وعدد من النواب، ام سيكتفي بالاطلاع عليه وبالتالي ما هي الفترة الزمنية التي سوف يستغرقها النواب لدرس التقرير وتمحيصه قبل الحديث عن مصيره….

 ولأن ما كشفه التقرير من معطيات يشكل فضيحة كبيرة تؤكد المعطيات التي كانت وردت في كتاب “الابراء المستحيل” الذي أعده “التيار الوطني الحر” باشراف النائب ابراهيم كنعان، فإن مقاربة الخطوة التالية لا بد ان تكون في مستوى ما تضمنه التقرير من فوضى عارمة في الحسابات، ونفقات بلا قيود وسلف خزينة غير مسددة ونفقات تشكل هدراً للمال العام. وقد كانت نتيجة ظهور اختلاف بارقام الايرادات والمصاريف والعجز في الموازنة.

 مصادر مطلعة على التقرير اعتبرت انه يشكل نسخة طبق الاصل عن تقرير 2017، وهو بالمجمل يؤكد الخلاصات التي وصل اليها فريق التدقيق في وزارة المالية. مصادر اخرى، توضح ان حساب المهمة، الذي دقق على اساسه قطع الحساب، يقتصر على المبالغ المعروفة المصير، في حين ان هنالك مبالغ مجهولة بقيمة قد تزيد على 27 مليار دولار وردت في تقرير وزارة المالية بنتيجة تدقيق الحسابات لكل السنوات.

أرقام واختلاسات…

 وفي التفاصيل، اكد الديوان ان هنالك تجاوزاً في الانفاق بلغ اكثر من 47.8 مليار ليرة، وهو امر يؤسس الى ان هذه المخالفة هي نهج يعود الى التسعينات وقد استمر طوال السنوات التي تلت للديوان تم تعديل النفقات المصروفة نتيجة تدقيق واعادة تكوين الحسابات في وزارة المالية برصيد دائن قدره 411 مليار ليرة. كما وصلت قيمة سلفات الخزينة التي اقترحت وزارة المالية اضافتها على النفقات المصروفة في ذلك العام الى 44 مليار ليرة. وتبين وجود نفقات مدرجة في حساب المهمة غير مدرجة في قطع الحساب بقيمة 47.9 مليار ليرة، موزعة على الشكل الاتي: 99 مليون ليرة اختلاسات، و47.8 مليار ليرة قيد مؤقت للنفقات. كذلك يتبين من تقرير الديوان ان اغلب واردات الخزينة من الضرائب والرسوم موضوعة في خانة غير المحصل. على سبيل المثال، فإن رسوم الانتقال المحصلة بلغت 46 مليار ليرة من اصل 92 مليارا، وقد تعذر مطابقة البقايا المدورة الى العام التالي بسبب عدم توافر مستنداتها في مديرية الواردات.

 وتبين للديوان عدم تحصيل البقايا المدورة عام 1997 في الاوقات المناسبة للتحصيل، ما ادى الى سقوطها. وقد بلغت قيمتها في نهاية عام 1997 نحو 99.4 مليار ليرة. وعزت الادارة سبب عدم الملاحقة لتحصيلها الى سقوطها بمرور الزمن عملاً بقانون موازنة عام 2004 وقرار مجلس شورى الدولة الرقم 2006/492-2007 الصادر بتاريخ 2009/1/19.

 كما تبين اثناء التدقيق وجود اخطاء في تسجيل الواردات المحصلة خلال 1997 وما قبل، اكتشفها فريق تدقيق الحسابات في وزارة المالية اثناء اعادة تكوين الحسابات من جديد بلغ رصيدها الصافي 63.2 مليار ليرة. وهو ما اثر على رصيد قطع حساب عام 1997 الصادر بموجب القانون الرقم 108 (قانون قطع حساب الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 1997) بالقيمة نفسها.

 في ما يتعلق بالمصاريف، توقف الديوان عند النسبة الكبيرة من الاعتمادات الاضافية بالمقارنة مع الاعتمادات النهائية، والتي وصلت الى 22.53 في المئة. كذلك خلص الديوان الى مجموعة من الملاحظات نتيجة التدقيق المحلي لعينة من الحوالات المصروفة، وابرزها: اعتماد تجزئة النفقات في غالبية الوزارات مع ما يرتبه هذا الامر من اهدار للمال العام وزيادة في حجم الانفاق العام وفي عجز الموازنة. وقد تم ذلك بموجب قرارات للوزراء دون تبرير السبب، حيناً ومع تبريرات غير مقنعة احياناً اخرى. كما تم تحميل موازنة الدولة مبالغ مصروفة في اوجه انفاق لا تستقيم مع مبدأ حفظ المال العام مثل هدايا واكراميات لصحافيين وخدم وسائقين ومرافقين امنيين. واعتمدت آليات عمل تخالف احكام قانون المحاسبة العمومية لجهة تنظيم اتفاقيات على سبيل التسوية بعد التنفيذ لدفع مستحقات لبعض الموردين لقاء  تقديم خدمات او منتجات معينة، بحيث يتم حجز الاعتمادات اللازمة بعد ترتب الدين على الدولة، اضافة الى التكليف بمهمات لموظفين قبل حجز الاعتمادات اللازمة لها، ولم ترفق حوالات كثيرة بعقود التوريد او دفاتر الشروط او محاضر الاستلام، كما لم يتم عدم الاستحصال على الموافقة المسبقة لديوان المحاسبة. والاخطر كما جاء في التقرير عدم ارفاق فواتير نظامية (تعديل في الرقم والتاريخ- عدم التوقيع- عدم لصق طابع مالي…)، وعدم ارفاق بعض الحوالات بالمستندات الثبوتية ذات الصلة والتي تثبت التنفيذ. وتبين وجود “حساب قيد مؤقت للنفقات” الرقم 48302 في حساب المهمة يتضمن ارصدة متراكمة منذ عدة سنوات وهو عبارة عن نفقات مصروفة غير متوافر لها اعتمادات في الموازنة كي يتم اصدار حوالات صرف بقيمتها التي تبلغ 47.8 مليار ليرة!.

  

ماذا عن باقي السنوات؟

 في ضوء ما تقدم، يتضح ان ديوان المحاسبة انجز قطع حساب العام 1997 طوال عام كامل، فهل ستكون المهلة نفسها لما تبقى من قطع حساب عن السنوات التي تلي 1997؟ يقول رئيس ديوان المحاسبة القاضي محمد بدران إن العام 1997 هو العام الاساس، بالنظر الى المستندات المقدمة من وزارة المالية، والتي لم يكن من بينها الحسابات السابقة والتي تعود للفترة من عام 1993 لغاية عام 1996، لعدم تمكن الادارة المالية من إعدادها، وان الديوان يعطي الاولوية لاعداد قطوع الحسابات من خلال تخصيص نصف عدد المحاسبين في الديوان لانجاز هذا الملف، فيما يعمل النصف الآخر على كل ملفات الوزارات، وتوقع ان يتم، في الفترة المقبلة، انجاز حسابات كل سنة خلال 3 الى 4 اشهر. هذا يعني ان انجاز الحسابات كلها وعودة الانتظام الى حسابات الدولة قد يتطلب ثلاث سنوات جديدة الا ان بدران يأمل ان تتسارع وتيرة انجاز الحسابات مع سد النقص في ملاك الديوان من المحاسبين، بعد انجاز المباراة التي اقرها مجلس الوزراء لتوظيف 30 محاسباً جديداً.

 تجدر الاشارة الى ان انجاز التقرير وتسليمه الى الرئيس بري حسب الاصول، جاء بعد جهد قامت به لجنة المال والموازنة النيابية منذ العام 2010 حيث عقدت لهذه الغاية نحو 50 الى 55 جلسة تضمنت تدقيقاً وبحثاً في الحسابات المالية وقطوعات الحسابات، وواكب هذا العمل وزراء المال محمد الصفدي وريا الحسن وصولاً الى الوزير علي حسن خليل، تم تابع ديوان المحاسبة جهده للوصول الى هذه النتيجة التي تعتبر في الاتجاه الصحيح… لكنها البداية.