4 August,2020

الدكتور فيصل القاق: من الضروري اجراء الفحوصات للأم البديلة للتـأكد بأنهــا غيـر مصابــة بايــة امــراض وبخاصــة الوراثـيــة منهــا!

بقلم وردية بطرس

حلم الأمومة يدفع بعض النساء حول العالم الى البحث عن كل السبل الممكنة، لذلك اذا منعهن سبب طبي من الحمل وفي يومنا هذا يتم اللجوء الى عملية تأجير الرحم للحصول على الأطفال. وتُعرف عملية تأجير الرحم بأنها وسيلة مساعدة للآباء والأمهات الذين تمنعهم الأسباب الطبية من القدرة على انجاب الأطفال، باستخدام رحم امرأة أخرى لحمل لقيحة مكونة من نطفة رجل وبويضة امرأة، وتحمل الجنين وتضعه، وبعد ذلك يتولى الزوجان رعاية المولود ويكون ولداً قانونياً لهما. وهناك زوجات يلجأن الى فكرة استئجار الأرحام رغبة منهن في الحصول على أطفال، وذلك بعد فشل كل محاولاتهن للانجاب، حيث تبدأ العملية من خلال اختيار سيدة لها الكثير من الجينات الوراثية الشبيهة للأم صاحبة البويضة، وحقنها ببعض هرمونات (الأستروجين) لتقوية بطانة الرحم حتى يمكن زرع البويضة المخصبة بسهولة، وفي اليوم الرابع عشر للدورة الشهرية يتم حقن هذه السيدة بالبويضة في الرحم، وتتم متابعتها لمدة أسبوعين حتى التأكد من حدوث الحمل.

ويمكن تعريف تأجير الرحم بأنه عبارة عن حل طبي يتم اللجوء اليه لمساعدة النساء غير القادرات على الحمل والانجاب بسبب مشاكل صحية، حيث تتم عملية الاخصاب خارج الجسم بتلقيح بويضة المرأة بماء زوجها في المختبر قبل ان تتم زراعة واحدة من تلك البويضات المخصبة في رحم امرأة متطوعة لتنمو فيه البويضة الملقّحة وتستكمل فترة الحمل. وفي هذه الحالة يطلق على المرأة المتطوعة اسم الأم البديلة، بينما تكون صاحبة البويضة هي الأم البيولوجية وعندما تلد الأم البديلة الطفل تسلمه للزوجين مقابل مبلغ متفق عليه. ولقد انتشرت عمليات الأرحام المستأجرة بين البشر في أوروبا وأميركا في ثمانينات القرن الماضي، حتى أصبحت لها شركات ووكالات خاصة لترويج استئجار الأرحام والمساعدة على ابرام تلك العقود. وتجدر الاشارة الى ان أول امرأة أقدمت على تأجير رحمها كانت السيدة البريطانية <كيم كوتون> في العام 1984، وقد لاقت الفكرة رفضاً في البداية ثم بدأت في الانتشار في بداية تسعينات القرن الماضي حتى امتدت الى العديد من الدول.

جدل واسع حول تأجير الرحم!

وعلى الرغم من انها قضية طبية في المقام الأول الا ان الأبعاد التي تحملها جعلت منها مرتعاً لتدخل القانونيين. ويختلف الموقف القانوني باختلاف طبيعة المكان ومعتقدات سكانه بين الاباحة التامة والرفض القاطع… ومنذ ان بدأت عملية تأجير الأرحام كان هناك جدال واسع متعدد الأبعاد حول قضية اجارة الأرحام، وقد اختلفت الدول في ما بينها حيث بعضها سمح بها وأخرى رفضتها لاعتبارات متعددة، وقد اختلف الفقهاء أيضاً حول هذه القضية، فالبعض رأى اباحة هذه الوسيلة للانجاب باعتبارها تحقق أمنية الأسرة المحرومة واعتبار الرحم مجرد وعاء حاضن للطفل، فيما فريق آخر رفض هذه الوسيلة بصورة قاطعة لكونها تخالف أهم مبادىء الشرع والقانون. ونذكر هنا بعض البلدان التي تحظّر جميع أشكال تأجير الأرحام مثل ايطاليا واسبانيا وفرنسا والمانيا، وفي ايرلندا وهولندا وبلجيكا وجمهورية التشيك تعتبر هذه العملية باطلة، أما في بريطانيا فيُعتبر تأجير الأرحام قانونياً بالنسبة لمواطني المملكة المتحدة اذا انطوى على دوافع انسانية، في حين تسمح البرتغال أيضاً بتأجير الأرحام كان الزوجان يعانيان من مشكلات صحية تتعلق بالقدرة على الانجاب، وفي اوكرانيا وروسيا أكثر القوانين مرونة بشأن تأجير الأرحام في أوروبا.

ورغم الجدل المثار حول عمليات تأجير الأرحام وتضارب الأحكام القانونية لاجرائها في العالم الغربي، الا ان الكثير من المشاهير لجأوا اليها للحصول على الأطفال، وبعضهم على عكس المتوقع كان لديه أطفال بالفعل. وهناك سيدات مشهورات لجأن الى تأجير الأرحام من أجل الحصول على الأطفال لأسباب مختلفة ونذكر منهن الممثلة الأميركية (نيكول كيدمان) اذ بعد زواجها بعامين اي في العام 2008 استقبلت طفلتها الأولى، ولكنها واجهت صعوبة في الحمل مرة ثانية، وقد أرادت طفلاً آخر فقررت ان تلجأ الى الاستعانة بامرأة أخرى واستئجار رحمها في العام 2010. وأيضاً الممثلة الأميركية (سارة جيسيكا باركر) لجأت لاستئجار الرحم رغم انه كان لديها طفل ولد، وكانت قد صرّحت أنه سيكون من الغريب ان تتخذ مثل هذا القرار اذا كانت قادرة على الانجاب بنفسها، ولكن محاولاتها للحمل لم تفلح منذ ولادة ابنها في العام 2002.

 

الاختصاصي في الأمراض النسائية والتوليد الدكتور فيصل القاق واختيار الأم البديلة!

فكيف تتم عملية تأجير الرحم؟ وماذا عن الشروط التي يجب ان تتوافر لدى الأم البديلة؟ وغيرها من الأسئلة طرحتها <الأفكار> على الاختصاصي في الأمراض النسائية والتوليد الدكتور فيصل القاق وهو أستاذ محاضر في كلية العلوم الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت (انتخب الدكتور فيصل القاق في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018 نائباً لرئيس <الاتحاد الدولي لأطباء النساء والولادة>، وهو أول لبناني وعربي يصل الى هذا المنصب، بعد تنافس مع مرشحي ايطاليا وهولندا وكينيا والهند وكوريا الجنوبية. وتجدر الاشارة الى ان الاتحاد يضم أكثر من مليون ونصف المليون طبيب نسائي من 131 دولة، ويقوم دوره على رسم خطط لصحة المرأة وسلامتها، وتطوير الارشادات والأدلة الطبية، ويتعاون مع المنظمات الدولية لتنفيذ مشاريع اقليمية في مناطق متعددة في العالم) ويبدأ الدكتور فيصل حديثه معرّفاً عن تأجير الرحم، فيقول:

– علمياً يُعرف بـ<Surrogac> او الأم البديلة اي حاملة الحمل، وهذا اجراء او خيار متاح للذين يوافقون عليه عند تعثر حصول الحمل من الوالدين او الشريكين البيولوجيين المعنيين وذلك لأسباب طبية مختلفة منها: عدم القدرة على الانجاب، ومنها اجراء استئصال الرحم نتيجة خضوع الزوجة لعملية معينة، ومنها عدم قدرة الحمل عند الأم المعنية، لذا يلجأ الطبيب الى هذا الخيار المحفوف بالكثير من الاشكاليات الاخلاقية والقانونية بأن تُوضع البويضة الملقحّة من الوالدين في رحم امرأة أخرى، وأحياناً يكون الخيار بتلقيح البزرة والبويضة من شخصين غير متزوجين او شريكين لدى طرف ثالث. ان الزوجين غير القادرين على الانجاب عليهما ان يفكرا بموضوع الأم البديلة بشكل جيد ومعمق لأن المسألة حساسة، ويجب ان يتم كل شيء بالشكل الصحيح لئلا يواجها مشاكل في ما بعد، ويجب ان يكون الأطراف على بينة كاملة من الموضوع من الناحية المادية والعاطفية التي تحكم هذا الأمر.

ــ هلا شرحت لنا كيف يتم اختيار الأم البديلة؟

– طبعاً يتم اخضاع الأم البديلة لفحوصات للتأكد بأنها لا تحمل أمراضاً وخصوصاً الأمراض الوراثية، وبالتالي يجب ان تكون المرأة سليمة وغير مصابة بأي مرض، كما يجب ان تكون شابة اي ليست في سن متأخرة لكي يتم الحمل بشكل طبيعي. وليس بالضرورة ان تكون قد انجبت من قبل للقيام بهذه الخطوة، ولكن من خلال الفحوصات يتأكد الطبيب بأنها قادرة على الانجاب دون اي مشكلة. كما يجب ان يكون لدى المرأة استعداد نفسي لتقدر ان تتعاطى مع هذه المسألة بتفهّم ووعي، وبأنها لا تقدر ان تتراجع عن موقفها لتحتفظ بالطفل خصوصاً اذا كانت هناك أوراق ومستندات موقعّة بينها وبين الزوجين.

الجانب الاخلاقي!

ــ وهل هناك اشكاليات بما يتعلق بتأجير الرحم؟

– اذا أخذنا هذا الموضوع من منظار أخلاقي فهناك نظريات او حجج. أولاً: يجب ان تدعم حرية الأفراد بالحصول على حقوقهم في الانجاب، ولكن هناك تحفظ من الناحية الدينية، فأولاً من وجهة النظر الدينية يجب ان يحدث الحمل والولادة في كنف الزوجين. ثانياً: هناك اشكالية تتعلق بالأم التي هي الطرف الثالث وعلاقتها العاطفية بالحمل ومن ثم بالمولود واحتمال الاشكالية بينها وبين الأم البيولوجية، وهناك اشكالية اذا كان المولود من الأم البيولوجية ام الأم الواهبة التي اعطتها من بويضتها، والاشكالية الثالثة تنبع من علاقة المولود مستقبلاً مع اخوته من الأم حاملة الحمل، وهناك اشكال آخر اذا طالبت الأم حاملة الحمل برغبتها في الابقاء على هذا المولود وبأنها لا تريد منح الطفل، وهناك اشكالية اذا انفصل الزوجان او الشريكان الراغبان في الحمل من خلال طرف ثالث فلمن يعود حق الحضانة او حق المولود؟ وماذا لو تم الاجهاض؟ وماذا لو غيّرت الأم حاملة الحمل رأيها؟ اذاً هناك اشكاليات عديدة بما يتعلق بتأجير الرحم.

 

المتابعة الطبية!

 

ــ وماذا عن الجانب الطبي؟

– الأمر الأساسي يتعلق بالجانب الطبي اي تكون هناك متابعة طبية من قبل الطبيب النسائي اذ لا يجب ان تكون هناك اي نوايا تجارية للدخول في هذه المسألة، ولكن من حق الطبيب ان يرفض تسهيل هذا الأمر، ومن حقه الا يفعلها ولكن يجب ان يعرف الطبيب ان له كل الحق برفض الأمر اذا أُدخلت التسوية بين الأطراف: بمعنى اذا كان هناك طرف مسهل او طرف معارض للموضوع. اذاً يحق للطبيب النسائي الا يشارك في هذه المسألة لأنه من خلال المتابعة الطبية يحق له ان يحصل على أتعابه، وفي هذه الحالة من سيقدّم الأتعاب للطبيب اي اذا حصلت تسويات مسبقة في هذا الموضوع نظراً لحساسية الحالة، وفي حال حدوث التشوهات لدى الجنين فمن سيقرر ان يوافق على القرار بالاحتفاظ به او الاجهاض، وماذا لو ان الحمل شكّل خطورة على حاملة الحمل، وبالتالي يجب ان تُؤخذ هذه الأمور بعين الاعتبار.

وعن الاعتبارات المادية يشرح:

– في هذا المجال هناك اعتبارات مادية بين الطرفين، فمن يدفع المال ومن يحدد قيمة الأموال او النفقات وعلى أي أساس؟ وهناك متابعة الحالة طبياً او تكبد أتعاب اضافية لاسيما اذا كانت حاملة الحمل تعاني من مشاكل أثناء الحمل الى ما هنالك، فمن يعوّض عليها مادياً؟ ولهذا ندعو الى ان يكون هناك طرف ما او وكالة او جمعية لا تبغي الربح لكي تضبط العلاقة بين الشريكين والطرف الثالث. ويتوجب على الطبيب ان ينبّه الشريكين والطرف الثالث الى هذه الأمور، اذ قد يحصل نوع من الابتزاز المالي او العاطفي بين الأطراف، وبالتالي يجب النظر في هذه الأمور ومعرفة القوانين المرعية الاجراء التي تحكم في هذه الحالات لدى الشريكين او في حالة ابقاء حاملة الحمل على المولود وبأنها ستحتفظ به ولن تسمح بمنحه للزوجين. وطبعاً كما ذكرت ان وجهة النظر الدينية متحفظة في هذا الخصوص، اذ تعتبر ان حدوث الحمل خارج كنف الزوجين هو عملية زنا…

ويختم قائلاً:

– يبقى الأمر الأساسي هو العبء العاطفي والتوتر النفسي الذي يحصل عند الشريكين غير القادرين على الانجاب، ويبقى موضوع انعدام الخصوبة مسألة شديدة الأهمية عند الشريكين وبالتالي عليهما ان يفكرا جيداً قبل الاقدام على هذه الخطوة. وفي بعض الحالات تقدر المرأة حتى لو لم تكن متزوجة وترغب بالانجاب ان تلجأ الى هذه الطريقة اي ان يُوضع بويضة من امرأة أخرى وبزرة من رجل حتى لو لم يكن زوجها صاحب النطفة، وبالتالي يكون لديها طفل من شخصين مختلفين ولا تربطهما اي صلة، وبالتالي يكون الموضوع اصعب، ففي حال لم تعد ترغب بالاهتمام بالطفل فمن سيعتني به؟ وهذا يحدث في الغرب حيث تقدر المرأة ان تحمل وتلد طفلاً دون اي ارتباط زواج اي (أم عزباء)، أما في الشرق فمن الصعب حدوث ذلك لاعتبارات عديدة تتعلق بالجانب الديني والاجتماعي الى ما هنالك… وطبعاً عند عدم قدرة الأزواج على الانجاب يكون الأمر صعباً عليهم، لذا يلجأون الى الأم البديلة، وبالتالي يجب ان تكون هناك قوانين واضحة في لبنان وبقية الدولة العربية حول موضوع التبني والتكفل اذا لم يلجأ الزوجان الى هذه الطريقة اي الأم البديلة.