21 March,2019

الخبير في شؤون ”التحدّث أمام الجمهور“ ربيع الخضر: الرئيسان ”أوباما“ و”ماكرون“ أتقنا اللعبة... و”ترامب“ ملكها!

 

بقلم عبير انطون

استمعنا مؤخرا الى جلسات نيل الثقة يعطيها المجلس النيابي للحكومة الجديدة وبُثت الجلسات مباشرة على الشاشات واستعرض فيها النواب ما لديهم، مناقشين مواضيع عامة وردت في صلب البيان الوزاري لحكومة <الى العمل> أو من خارجه. واذ استمع اللبنانيون الى الخطابات التي ذكرتهم بفترة ما قبل الانتخابات حيث شعروا مع الوعود الرنانة بأنهم على موعد مع <جمهورية افلاطون> فإنهم استمعوا في الجلسات العامة من النواب الى خطابات فيها الكثير من الوعود أيضا بالمحاسبة والمساءلة والوقوف بالمرصاد لمنع الهدر والفساد ممتشقين سيف حجب الثقة لاحقا، بعد ان يعطوا الفرصة. فهل كانوا محط ثقة من الشعب اللبناني في خطاباتهم؟ هل أقنعوه وقد اضحت هوة <عدم الثقة> بينهم وبين سياسييهم أكبر من ان يردمها خطاب <منمق> او هادئ او عالي النبرة؟

توجهنا الى الخبير في الـ<Public Speaking> ربيع الخضر فحاورناه حول هذا العلم – الفن، وسألناه عن سياسيينا كخطباء، وهل يمكن للمشاهد التمييز بين المتحدثين المراوغين والصادقين، ماذا عن عناصر الجذب في الخطاب الى غيرها من الاسئلة التي جاءت الاجوبة حولها مباشرة ومحترفة.

وسألناه اولاً:

ــ لنتعرف بحضرتك وبمجال دراستك التي أهّلتك اقامة ورش التدريب والمحاضرة في مجال فن الخطابة والتحدث أمام الجماهير…

– بعد أن درست العلوم السياسية (2006) والتنمية الدولية (2009) في <الجامعة الأميركية> في بيروت وفي <جامعة ليدز> في المملكة المتحدة، بدأت أعمل في مجال الدعاية والتسويق لكنني شعرت دوماً بعدم الرضا عن مسيرتي المهنية، إذ لم أكن أحقق ذاتي مهنياً. في الوقت عينه، بدأت أستذكر تجاربي الماضية في المسرح، ارتياحي في مخاطبة أساتذتي، وشغفي المتصل بمتابعة خطابات مرشحي الرئاسة الأميركية.

وأضاف:

– في آب/ أغسطس من عام 2012، انطلقت في مسار التدريب وبدأت بتقديم النصائح لرواد الأعمال حول كيفية طرح أفكارهم خلال مسابقات الشركات الناشئة. وبفضل جهد دؤوب ومثابرة شخصية، أصبحت اليوم مدرساً جامعياً ومدرباً للمهارات المهنية ومستشاراً لرواد الأعمال، كما انني فخور بمساعدتي أكثر من خمسة آلاف شخص على إتقان فن الخطابة في مجالات مهنية عدة في 8 دول وبـ3 لغات عبر الشرق الأوسط وشمال أميركا.

ــ فن الخطابة أو التوجه الى العموم معروف منذ مئات السنين. كيف يمكن اختصار مراحل نشأته حتى وصوله الى أيامنا هذه؟

– استخدم الناس التحدث أمام الجماهير كوسيلة تواصل حيوية على مر العصور. غني عن القول أن اليونان القديمة كانت مهد الخطابة، ويبقى الأب الروحي التاريخي لهذه المهارة هو ارسطو، الذي كان أول من روج لفن الإقناع عبر الكلام. كما أن ما قاله القائد اليوناني <بريكليس> قبل أكثر من 2500 سنة ما زال صحيحاً ليومنا هذا: <الشخص الذي تخطر له خاطرة عن أي موضوع ولكنه لا يستطيع أن يفسرها… كأنه لم يفكر بالموضوع من أصله>.

وأضاف:

– كانت الخطابة مهمة أيضاً في جميع الحضارات الإنسانية عبر التاريخ خلال العصر الحديث حيث نشر العديد من النساء والرجال أصحاب التأثير أفكارهم في جميع أنحاء العالم من خلال الكلام المحكي. ولم يؤد صعود وسائل التواصل الاجتماعي

إلا إلى تضخيم أهمية معرفة ما يقوله المرء وكيفية قوله إياه. من شبه المؤكد أن الحاجة إلى الخطابة سوف تلمس أي شخص في حياته – سواء للنجاح في مقابلة عمل، أو للاعتراف بحبه لأحد، أو حتى للثورة ضد الظالم.

ــ هل يمكن الحديث عن اختصاصيين في هذا المجال وضعوا اسساً علمية لفن التوجه للعامة؟

– كان <ديل كارنيجي> (Dale Carnegie) كاتباً ومحاضراً أميركياً، وقد قام بتطوير دورات شهيرة في مجال تحسين الذات، وكان مؤلف كتاب <فن الخطابة> (Art of Public Speaking) في عام 1915. بالإضافة إلى ذلك، قدم <ستيفن لوكاس> (Stephen Lucas) مساهمات كبيرة في الأدبيات الأكاديمية ذات الصلة، منها الكتاب الذي يتعلم من خلاله الكثيرون من الطلبة الجامعيين أسس التحدث أمام الجماهير وعنوانه أيضاً <فن الخطابة> (The Art of Public Speaking).

ــ في لبنان، أيها أكثر المجالات التي يلجأ الأشخاص فيها الى التدرّب على فن التوجه الى الجمهور؟ الأعمال؟ الفنون؟ أو غيرها؟

– أقدّم دورة تدريبية شهرية تحت عنوان <مقدمة إلى التحدث أمام الجمهور> في <مركز Skillz Beirut> منذ عام 2014، ولدي منتسبون من جميع القطاعات المهنية: التعليم، البنوك، الطيران، العلاقات العامة، البيع بالتجزئة، النفط والغاز، الأدوية، التأمين، الاستشارات، الإعلان، السلع الإستهلاكية، الهندسة، خدمات تكنولوجيا المعلومات، المنظمات غير الحكومية والدولية. كما أقوم بإجراء دورات تدريبية داخل الشركات (in-house training) في القطاعات نفسها.

واستطرد قائلاً:

– في المحصّلة، الكل بحاجة لتحسين مهاراته التواصلية والكلامية، في كافة المجالات، في لبنان وحول العالم.

 

<كاريزما>…

ــ إلى أي مدى يدخل عامل الجمال والأناقة و<الكاريزما> لدى المخاطِب في جذب الجمهور؟ هل هو عنصر أساسي ام ثانوي، وهل يمكن العمل عليه إن لم يكن موجودا؟

ــ تُعرف <الكاريزما> بأنها جانب من سمات الشخص التي يتم بموجبها تمييزه عن الأشخاص الآخرين، وتتم معاملته على أنه يتمتع بميزات استثنائية تجعله مصدر جذب وإعجاب. مما لا شك فيه أن عوامل عدة تزيد من منسوب <الكاريزما> لدى الشخص: الجمال، الأناقة، السلطة، الجاه، بالإضافة إلى الصدقية، الخبرة، الثقة بالنفس، حس الفكاهة وبطبيعة الحال القدرة على التحدث بطلاقة وبلاغة.

وتابع قائلاً:

– النقطة المهمة التي يجدر تسليط الضوء عليها، هي أن بإمكان <الكاريزما> بعواملها المتعددة أن تساعد المخاطِب في تحسين أدائه وجذب الجمهور، كما وبإمكان تحسين القدرة الخطابية أيضاً أن يزيد من منسوب <الكاريزما> لدى الشخص.

فـ<الكاريزما> ليست سمة وراثية يملكها البعض ويفقدها البعض الآخر، ولكن السر يكمن في كشف مفتاح <الكاريزما> الخاص بكل شخص.

ــ إلى اي مدى تلعب حركات او لغة الجسد دوراً في الحديث الى العموم؟

– تشكّل لغة الجسد وحركة الجسم مكوّنات أساسية في التحدث أمام الجماهير. إنها أكثر أشكال التواصل بلاغة حيث يمكن للجمهور أن يخمن الكثير عن المتحدث من خلال وقفته، تعابير وجهه، وإيماءات يديه. فالوقفة المستقيمة تدل على ثقة المخاطِب وارتياحه للحضور، والابتسامة المشرقة تساعد الجمهور على تقدير المخاطِب ومشاركته طاقة إيجابية متبادلة، أما إيماءات اليدين فتساعد على تسليط الضوء على النقاط المهمة في محتوى الخطاب.

ــ إلى أي مدى هناك اختلاف في سلوك وقواعد الخطابة بين الرجل والمرأة أثناء التوجه للعامة؟

– تنطبق قواعد الخطابة نفسها على كل من الرجل والمرأة. ما يستحق ذكره هو المنظور الجندري المرتبط ببعض النساء اللواتي يشعرن بصعوبة، وعن حق، في التحدث أمام مجتمع يظهر الاحتقار أو التحيّز ضد المرأة. ولقد صادفني لقاء سيدات حُرمْنَ في الماضي من التعبير عن أفكارهن وآرائهن في بيئاتهن العائلية، وهذا شيء محزن للغاية.

وأضاف:

– من هذا المنطلق، يجدر التأكيد على أهمية مشاركة المرأة لأفكارها بشكل كامل وبصوت عال وبجرأة، دون أي اعتذار أو تبرير. وما يمكنه المساعدة في تحقيق ذلك هو الحد من استخدام مفردات <اللغة الضعيفة> (powerless language) وتعزيز الحضور الصوتي لتظهير أداء خطابي لا ينسى.

5 دقائق…!

ــ هل صحيح أن وقتا محددا، يقال إنه ثلاث دقائق، هو فقط الوقت الذي يركز فيه الجمهور على خطاب المتوجه إليهم ومن بعدها يتشتت الانتباه؟

– تشير الأبحاث إلى أن متوسط فترة انتباه البالغين يبلغ الآن 5 دقائق فقط، بعدما كان 12 دقيقة قبل عقد من الزمن. عندما يتعلق الأمر بالتحدث أمام جمهور، يُقدّر متوسّط فترة الانتباه بين الأشخاص الذين يستمعون إلى الخطاب من 5 إلى 10 دقائق. يبقى هذا القدر من الوقت أفضل من دراسات أكثر دراماتيكية، وجدت المدة تصل إلى 7 ثوانٍ فقط!

وأضاف:

– بغض النظر عن الأرقام، فإن حفاظ المخاطِب على اهتمام جمهوره بمحتوى خطابه هو من أحد أصعب المهام التي يمكن مواجهتها. ويتعين على المخاطِب تقديم الكثير من التنوع في محتوى الخطاب، بالإضافة إلى التنوع في الأداء الصوتي وفي أداء لغة الجسد من أجل الحفاظ على مستويات عالية من التفاعل مع الجمهور.

ــ أذكر لنا شخصيات عبر التاريخ يمكن أن تشكّل أمثلة ناجحة عمن أتقنوا فن الخطابة…

– يزخر التاريخ بالعديد من الخطباء الذين استحوذوا على خيال الجماهير وقدموا خطباً خالدة. ومن الأمثلة على ذلك شخصيات في الحقل العام مثل رئيس الوزراء البريطاني الشهير <ونستون تشرشل>، والرئيس الفرنسي السابق <شارل ديغول>، والرئيس الأميركي السابق <جون كينيدي>، والناشط الحقوقي الأميركي <مارتن لوثر كينغ>. وقد تشمل الأمثلة أيضاً الشخصيات الدينية والشخصيات الإعلامية والاختصاصيين الأكاديميين وغيرهم.

ــ هل يمكن للجمهور التمييز بين الشخصية المخاطبة المخادعة او المراوغة، والأخرى المستقيمة والصادقة من خلال طريقة مخاطبتها؟

– لأن التحدث بطلاقة أمام جمهور يشكل نوعاً من أنواع النفوذ، فإنه يحمل معه مسؤوليات أخلاقية جمّة. ولسوء الحظ، يؤمن بعض المتحدّثين بالمبدأ <الماكيافيلي> <الغاية تبرر الوسيلة> ويسمحون لأنفسهم بتضليل الرأي العام بحقائق خاطئة، ومشاعر مبهمة، وآمال زائفة.

وتابع يقول:

– يمكن للجمهور أن يقيّم ما إذا كان المخاطِب يقول الحقيقة أم لا من خلال عدة وسائل، واحدة منها هي عن طريق ملاحظة أي اختلاف بين الكلمات المُعبَّر عنها ومظاهر لغة الجسد. بمعنى: إذا قال أحد المتحدثين شيئاً فيما لغة جسده <تقول> شيئاً آخر، فهذا دليل على توتر داخلي ممكن أن تكون له علاقة بمحاولة مخادعة أو مراوغة. ولأن لا يوجد شيء مؤكد وحتمي في عالم التواصل، علينا الأخذ بهذه النصيحة وتطبيقها بتأنٍ.

ــ شاهدنا مؤخرا جلسات منح الثقة للحكومة من قبل المجلس النيابي. كيف تقوّم أداء من استطعت مشاهدتهم من خلال الشاشة؟

– بإمكاني إعطاء فكرة عن تقييمي لمعظم كلمات السيدات والسادة النواب كالآتي:

أشجع التعديلات المزمع إدخالها على النظام الداخلي للمجلس النيابي، والرامية الى تقصير أمد خطابات النواب في جلسات المناقشة من ساعة الى نصف ساعة إذا كان الخطاب ارتجالياً، ومن نصف ساعة الى ربع ساعة إذا كان الخطاب مقروءاً. كما أنني أشجع جعل المدة ربع ساعة على حد سواء، إذ <لا أحد يشكو من خطاب قصير للغاية>.

ــ كيف يمكن برأيك لغالبية سياسيينا اللبنانيين من خلال خطاباتهم استعادة الثقة التي باتت مفقودة بينهم وبين الشعب؟

– لن تُستعاد ثقة الشعب اللبناني بالدولة ومؤسساتها والقائمين عليها من موظفين وقادة وسياسيين ومسؤولين إلا من خلال الأفعال، فالعمل أعلى صوتاً من الكلام. وكم هو مناسب أن تكون  الحكومة الجديدة قد اختارت شعار <إلى العمل>، وكم سيكون من الأفضل لمعظم وسائل الإعلام أن تغطي الأعمال، أو عدمها، وليس <القيل والقال>.

ــ هل من سياسيين أو اشخاص معروفين تعتبرهم ناجحين في توجههم للرأي العام؟

– شكّل الرئيس الأميركي الأسبق <باراك أوباما> ظاهرة خطابية في الماضي القريب، من خلال قدرته على أسر قلوب الجماهير بأسلوبه السلس ومحتواه التفاعلي. حاول الرئيس الفرنسي الحالي <إيمانويل ماكرون> أن يحذو حذوه ونجح باقتباس أسلوب خطابي <متأمْرِك> مبني على الأداء المصقول. إلا أن ظاهرة الرئيس الأميركي الحالي <دونالد ترامب> هي التي أعتبرها الأنجح على الرغم من طبيعتها الاستقطابية والمنافية للتقاليد السياسية والأعراف التواصلية، إذ تمكّن <ترامب> من فهم ما يريد جزء وازن من الشعب أن يسمعه، وقدمه له بالطريقة التي يريد سماعها تماماً.

ــ ماذا عن النائب بولا يعقوبيان مثلا التي تملك شركة تدرب فيها على فن التوجه للعامة؟

– يُشْهَد للنائب يعقوبيان نجاحها في الحقل الإعلامي منذ أكثر من 20 عاماً، كما شكّل خطابها خلال جلسات منح الثقة للحكومة علامة فارقة من حيث الشكل والمضمون. لا يسعني إلا أن أتمنى لها النجاح في مهمتها الجديدة، لاسيما أنها تمثل منطقة بيروتية عزيزة على قلبي. كما أنني أرحب بكل مجهود يصبّ في مصلحة تحسين القدرات التواصلية للناس.

ــ حدثنا باختصار عن الكتاب الذي وضعته في هذا الشأن. ما أبرز محتوياته وإلى من يتوجه؟

– قمت بتدريب المتحدثين في <مهرجان TEDx> الخطابي في الجامعة اللبنانية الأميركية لمدة سنتين متتاليتين، وقد جمعَت <فيديوهات> خطاباتهم النصف مليون مشاهدة على موقع <يوتيوب> هذا ألهمني لكتابة دليل قصير، فكاهي ومفيد يساعد كل من يريد تحسين أدائه الخطابي من خلال نصائح عملية منبثقة عن أداء كل من خطباء المهرجان. عنوان الكتاب < Public Speaking X: Tips to Unleash the TED Speaker in You> وأنا طوّاق للتعاون مع أي ناشر يمكنه توسيع صدى رسالة التواصل الإيجابي وتطوير الذات في المشرق والخليج والمغرب العربي