25 November,2020

الخبير في البورصة العالمية والمحلل الاقتصادي جهاد حكيّم: إذا كان لا بدّ من جهاد، فليكن جهاداً كهربائياً وآخر على الفساد الذي سببته الطبقة السياسية الحاكمة .

بقلم طوني بشارة 

 

محل صيرفة..سوق الصرف الموازي لا يخضع بشكل تام لقواعد السوق الحرة ولا يتسم بالكفاءة.

 الاقتصاد اللبناني قابع منذ اكثر من سنة  في غرفة العناية الفائقة بانتظار أعجوبة دولية عالمية لإنقاذ ما تبقى من أعضاء هذا الرجل المريض . فالوضع الاقتصادي في لبنان بات مأساوياً وينتقل تدريجياً من سيىء الى أسوأ، إذ لا بصيص أمل في الأفق القريب-البعيد.

 فهل من نصائح معينة للمواطن من اجل الاستفادة من أمواله المكدسة في منزله من اجل الحفاظ على حد أدنى من قيمتها ؟ وما هي فكرة التنويع بالمحفظة المالية؟ وهل من الممكن تطبيقها على كل قطاعات الاستثمار في لبنان؟

 

 

حكيّم وتقلبات سعر الصرف!

 الخبير الاقتصادي جهاد حكيّم أكد انه على الرغم من وجود لبنان في خضم الانهيار الاقتصادي الا أن الأسوأ لم يأت بعد، اذ يتوقع ان يتقلص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 45% بنهاية 2020 كما سيطال الفقر 55 % من اللبنانيين وستتجاوز البطالة 60 % في ظل غياب أي بوادر للحد من سرعة الانزلاق نحو الانهيار الكامل .

 وتابع حكيّم قائلاً : تلك القوى غير  الوطنية لا تلقي بالاً للوضع الاقتصادي للبلاد، ولا للركود التضخمي الذي يزداد حدة، وصولاً الى اتجاه لبنان نحو حالة الكساد في ظل شح الادوية والمستلزمات الطبية وارتفاع الأسعار على وقع انخفاض الليرة امام الدولار واقفال المحلات والشركات أبوابها وتسريح العمال والموظفين.

*- كيف تفسر تقلبات سعر الصرف الحاصلة مؤخراً؟ 

-إن سوق الصرف الموازي في لبنان، لا يخضع بشكل تام لقواعد السوق الحرة ولا يتسم بالكفاءة التي تميز الأسواق عادة Efficient Market، وهنا لا بد من الاشارة الى ان العوامل الاقتصادية ليست كافية لتبرر مستوى سعر الصرف، فهناك أيضاً عوامل سياسية وأخرى خفية وراء تقلباته.

*- ولكن هل ان حجم المبالغ التي يتداول بها في السوق الموازي تبعاً لسعر الصرف كان مبرراً للانخفاض الذي جرى الحديث عنه مؤخراً؟ وهل من مبرر للتراجع بالسعر ومن ثم الارتفاع؟

– لم يحصل في لبنان تطور اقتصادي ملموس يبرّر تراجع سعر الصرف، ولا حتّى ارتفاعه سابقاً بتلك الوتيرة، واؤكد ان تقلبات سعر الصرف لم تكن خاضعة لعوامل اقتصادية بحت. وهنا على سبيل المثال ان ارتفاع سعر الصرف  بشكل جنوني الى 8500 وحتى 9000، ثمّ هبوط السعر الى 6000 ليرة للدولار، لم يكن تقلباً اقتصادياً بحتاً. واعتبر ان عدد اللاعبين في السوق السوداء محدود.

*- بالرغم من تقلبات سعر الصرف ، هناك اتجاه لالغاء الدعم عن  مستلزمات الانتاج الزراعي  والصناعي وعن المواد الاساسية والغاء لفكرة السلة المدعومة، فكيف تفسر ذلك؟

جهاد الحكيم: عاجلاً أم آجلاً سيتوجب على لبنان رفع الدعم والسير بتحرير سعر الصرف تدريجياً.

– عاجلاً أم آجلاً سيتوجب على لبنان رفع الدعم والسير بتحرير سعر الصرف تدريجياً. وهذا لا يرتبط فقط باقتراحات صندوق النقد الدولي لدعم لبنان، انما بالمنطق الاقتصادي. فاستمرار الدعم العشوائي يعني أولاً استمرار التهريب وارتفاع وتيرته، وثانياً استنزاف ما تبقى من احتياطي العملات الاجنبية في مصرف لبنان. وعليه فإن الفترة اللاحقة ستشهد بدء عملية رفع الدعم عن سلعة تلو الاخرى قد يبدأ بالمازوت والمشتقات النفطية، من ثم القمح وصولاً الى الأدوية،. فالهدف بإطالة آجال الاحتياطي من جهة يقابل بضغوط سياسية أو سوء إدارة من المركزي، نتيجتها ضخ الدولارات عبر الصرافين.

وتابع حكيّم  قائلاً :
– سياسة شراء الوقت وامتصاص غضب الشارع المتبعة ستصل في النهاية إلى حائط مسدود، خصوصاً ان التدفقات المالية الخارجة ما زالت أكبر بكثير من الداخلة. الامر الذي سيدفع في النهاية الى نفاد الاحتياطيات، وهذا ما يجعلنا نستنتج ان ادارة الأزمة أسوأ من الأزمة بحد ذاتها.

البطاقة التموينية ومضمونها!

 

*- البعض يتكلم عن بطاقة تموينية كحل فما هي هذه البطاقة؟

– في الشكل ستشبه البطاقة بطاقات الاعتماد credit card وستخصص للشراء مباشرة من نقاط بيع محددة سلفاً. وذلك على غرار البطاقات التي يحملها السوريون في لبنان والصادرة عن “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين” UNHCR، مع فارق انه لن يسمح بالسحب النقدي منها عبر الصرافات الآلية. أما في المضمون فإن ما يطلق عليه اسم البطاقة التموينية الذكية لن تكون إلا “بطاقة تذاكي لامتصاص الغضب الشعبي” إذ لا يمكن فصلها عن الظروف التي تعطى بها والتي ستحولها إلى نسخة ثانية من بطاقة سيستا CESTA TICKET التي اعطيت في فنزويلا. وبالتالي ستكون هذه البطاقة برأيي أشبه بـ “الاعاشة” التي تهدف إلى تأمين المدخول الاساسي للبقاء على قيد الحياة GLOBAL BASIC INCOME”. أما في ما يتعلق بقيمة الأموال المرصودة لها فما زالت لغاية اللحظة مجهولة، إلا ان المعلوم ان قيمة هذه البطاقة ستتأثر بعاملين اثنين وهما: عدد البطاقات الموزعة وقيمة العملة الوطنية. بحيث انه كلما زاد عدد البطاقات وتدهورت قيمة العملة مقابل الدولار ستتراجع القيمة الفعلية لهذه البطاقات، حتى تصبح مثلها مثل البطاقة الفنزويلية التي تبلغ قيمتها مئات آلاف البوليفار… أي 2.5 دولار!

التنويع بالمحفظة المالية! 

*بعيدا عن الغاء الدعم وفكرة البطاقة التموينية، وقريباً من الواقع نلاحظ ان هناك العديد من المواطنين يحتفظون بكميات من الأموال داخل منازلهم فهل من طريقة عملية علمية لكيفية التصرف بأموالهم اليوم لكي لا تفقد قيمتها؟

– هناك قاعدة ذهبية، الا وهي تنويع المحفظة المالية. وانا انصح كل من يتقاضى راتبه بالليرة اللبنانية، بتنويع محفظته المالية بين الدولار واليورو والذهب والعقار للتحوّط من عدم إستقرار سعر الصرف، حتّى لو خسر الفرد قسماً منها. كذلك يمكن لمن يستفيد من تعميم مصرف لبنان رقم 151 القاضي بالسماح للعميل المودعة أمواله بالدولار، أن يسحبها بالليرة اللبنانية وفق سعر صرف 3900 ليرة للدولار، أن يشتري بقسم منها الدولار النقدي. بشكل عام، هذه هي القاعدة الاساس، ولكن تتغير التفاصيل بحسب حجم المحفظة المالية لكل شخص. وأرى جدّياً أنّ من لم يتصرف بأمواله المودعة في المصارف، قد تأخر كثيراً على معالجة وضعه اليوم. فمنذ بداية العام 2019 ونحن ننصح الجميع بتحويل مالهم الى الخارج وتنويع محفظتهم المالية.

*- ماذا عن شراء الذهب؟

– يندرج شراء الذهب ضمن قاعدة “التنويع”، مع الاشارة الى وجود توقيت محدد للشراء والاستثمار. واتوقع  أن لا سقف بالتحديد لارتفاع سعر صرف الدولار، كذلك أرى أنّ الـ17 مليار دولار ونصف المليار، التي تشكّل الاحتياط الالزامي في مصرف لبنان، غير متوافرة نقداً بالدولار، بل أعطي قسم كبير منها للمصارف، ولو كانت موجودة فعلياً على شكل دولار نقدي فلماذا لا يقلص المركزي حجم الاحتياط الالزامي، ويمدّ قسماً منها للمؤسسات الصغيرة وصغار المودعين، لتحريك العجلة الاقتصادية؟

*- من جهة أخرى، يوجد من يتقاضى راتبه بالدولار من خلال شيك مصرفي، وقرر بعض من هؤلاء ترك قسم من قيمة الراتب في المصرف، بعد سماع امكان ارتفاع قيمة الصرف بحسب التعميم 151 من 3900 الى 4200. فماذا عن هذه الخطوة؟

 – ليست خطوة ذكية، لأنّ هذه الفكرة واردة منذ مطلع ايلول، فالتعميم الذي كان يسمح بالسحب على قيمة صرف 3900 ليرة لبنانية عندما كان الدولار في السوق الموازية 7000 ليرة لبنانية، قد يسمح لاحقاً للمواطن بسحب دولاراته على 4200 ليرة عندما يلامس مستوى الدولار الـ9000 ليرة في السوق الموازية، وعلمياً سيتقاضى المواطن أموالاً اقل من الناحية الحقيقية وليس الإسمية، فنسبة 3900 من 7000 ليرة لبنانية هي 56 في المئة، بينما 4200 من 9000 هي 46 في المئة، وبالتالي يكون وضعه قد تراجع عكس ما يظن البعض.

*- وماذا عن قطاع العقارات الا يمكن الاستثمار به حالياً كفكرة تنويع بالمحفظة؟

– لا يخفى على احد ان سوق العقارات يشهد في الآونة الأخيرة تراجعاً مستمراً في ظل استمرار الازمة الاقتصادية ، لذا لا انصح ابداً المغترب اللبناني  باستثمار أمواله بقطاع العقارات، طالما ان العقارات تفقد من قيمتها بشكل دوري ، اما فيما يتعلق بالمواطن وعملاً بمبدأ التنويع بالمحفظة المالية فبإمكانه استثمار أمواله المدخرة إن في المنزل او في المصرف وحتى لو بالعملة الأجنبية في قطاع العقارات .

 

حكيّم والحل! 

*- ما الحل لعودة الحياة الى اقتصاد لبنان بأسرع وقت ممكن؟

– إن الزراعة في لبنان لا تشكّل سوى نحو 3 في المئة من الناتج المحلي، والنهوض بها كما بالصناعة يتطلّب استثمارات ضخمة والكثير من الوقت والجهود، لذا أرى من الضرورة تطوير اقتصاد المعرفة وتقويته سريعاً كونه يتناسب مع الواقع اللبناني، ويمكن أن يوفّر التدفّقات المالية من الخارج وفرص عمل كثيرة. علماً انه لم تنفكّ هذه الطبقة في السابق عن إطلاق الوعود والشعارات بأنها ضدّ الاقتصاد الريعي، لكن في الحقيقة تبيّن أنها كانت تضمر أمراً آخر”.

وتابع حكيّم قائلاً :

– إن اقتصاد المعرفة يتيح للمغتربين وغيرهم إرسال أعمال عدّة ينفذها عن بعد الشباب اللبناني في البلاد ليعودوا ويرسلونها عبر الإنترنت، لكن هذا الأمر لن يكون ممكناً بغياب الكهرباء التي تهدّد ليس فقط قطاعي الصناعة والزراعة إنما بشكل خاص إقتصاد المعرفة، علماً أنه يتمتّع بقدرة تنافسية كبيرة على صعيد المنطقة والعالم، لذا إذا كان لا بدّ من جهاد، فليكن جهاداً كهربائياً وآخر على الفساد الذي سببته الطبقة السياسية الحاكمة .