25 November,2020

الحريري الى السراي على عربة فرنسية بـ"ثنائي" أحصنة

بقلم علي الحسيني

أجواء تقارب بين الرئيس سعد الحريري والنائب جبران باسيل.

 منذ عام تقريباً وتحديداً في التاسع والعشرين من تشرين الأول (اكتوبر) من العام الماضي، خرج الرئيس سعد الحريري من السراي الحكومي بعد تقديم استقالته. ويومها اعلن بأن لا نيّة لديه للعودة الى رئاسة الحكومة، إلا من خلال شروط اصلاحية تُلبّي مطالب الناس. وفي الثاني والعشرين من تشرين الأول (اكتوبر) من هذا العام، عاد الحريري رئيساً مُكلفاً لتشكيل الحكومة، لكن هذه المرّة بشروط فرنسيّة ومراقبة دولية. والسؤال: هل يُكتب لمهمّة الحريري النجاح هذه المرّة، خصوصاً وأن عدد الأصوات التي نالها خلال الاستشارات النيابية المُلزمة وعددها 65 ، لم تكن مُشجّعة ولا على قدر الأمنيات مع ما يعني وجود أطراف سياسية غير راضية عنه ولا عن مبادرته؟.

الحريري في أصعب مهماته

 تكشفُ الأزمات التي تعصف بلبنان والتراكمات طوال السنوات الماضية التي أوصلت الوضع بكل جوانبه إلى ما هو عليه اليوم، أن الرئيس الحريري لا يزال حاجة داخلية وخارجية وبأنه رقم أساسي في المعادلة السياسية والاقتصادية لا يُمكن تخطيها أو تجاوزها بسهولة. وما مُهمّة التكليف التي أنيطت به بغض النظر عن لعبة الأرقام التي تخضع لمصالح متعددة الأوجه والتفسيرات، سوى تأكيد على أن الرجل يتمتّع بثقة داخلية وخارجية، عكسها تفاؤل الشارع بالإضافة إلى تراجع ملحوظ في سعر صرف الدولار مقابل الليرة، لكن في الجهة المقابلة، فعلى الرغم من انتساب الرئيس الحريري إلى نادي السياسيين الذين توالوا على حكم البلد منذ العام 2005 وواحد من مجموعة كانت وما زالت مسؤولة عن الحال التي وصلت اليه البلاد أقلّه في مكان ما، لكنه يعلم أن مهمّته اليوم هي أصعب بكثير من المهمّات التي ألقيت على عاتقه في الفترات السابقة. فالوضع السياسي والاقتصادي والمالي اليوم، لا يُشبه على الإطلاق الفترات التي خلت والتي شكل فيها الإحتفاظ بالمكاسب والمكتسبات، الهمّ الأبرز لجميع الأطراف من أجل تثبيت مواقعهم الشخصيّة والحزبيّة، والمذهبيّة بالدرجة الأولى.

إذاً مهمّة الحريري لن تكون سهلة على الإطلاق خصوصاً وأن الذين سمّوه لقيادة سفينة الحكومة أو جزء منهم على الأقل، لديهم مشاريع وحسابات خاصّة وبالتالي يأملون تحقيقها على قاعدة “مرقلي تمرقلك”، ما يعني أن هذا الأمر في حال تحقّق، فلن يكون الحريري أفضل من الرئيس حسّان دياب الذي سلّم البلد كلّه للجهة التي أتت به الى رئاسة الحكومة، ولن يكون أفضل بمعنى آخر من السفير مصطفى أديب، الذي فضّل الإنسحاب من مهمته على أن يسلم البلد تسليم اليد، للجوقة السياسية نفسها، والتي يبدو أنها أصبحت خبيرة بمعرفة من أين تؤكل الكتف.

الطريق لن تكون مفروشة بالحرير

مصدر قيادي في تيّار “المستقبل” يعترف أن مهمّة الحريري لن تكون مفروشة بالحرير ولو أن الأخير متفائل بالوصول الى نهاية سعيدة خلال اسبوع أي قبل التوقعات التي تُشير الى أن لا حكومة في لبنان قبل الإنتخابات الرئاسية الأميركية. أما الأمر الآخر الذي من شأنه أن يُعيق حركة الحريري بحسب القيادي، هو أن الرئيس المكلف يطرح عملياً حكومة مُصغّرة تقنية، في وقت يطرح فيه الآخرون حكومة موسّعة. ويُضيف القيادي نفسه: تاريخيّاً، لا يُمكننا أن نثق بأي من المجموعات السياسية الموجودة في البلد، والتي تُحاول دائماً إستغلال الوضع الحرج لتمرير بعض المشاريع التي تُبقي على مصالحهم ومن دون أن ننسى العصي التي سيضعها العهد ومن هم محسوبون عليه، في وجه عربة التأليف.

 

في مُجمل الأحوال، يبقى الأهم، النيّة الصادقة التي يُبديها الحريري تجاه الجميع من اجل النهوض بالبلد، وذلك ضمن خطّة اقتصادية ـ مالية يرى أنها ستنجح حتماً في حال اقتنع الجميع بضرورة تجاوز الخلافات السابقة، ووضع مصلحة لبنان في المقدمة. هذا بالنسبة الى الحريري، أما في ما يتعلّق بخصومه السياسيين، فهم على ما يبدو لا يؤمنون بكل هذه “اللعبة” التي تُدار من الفريق نفسه القابض على مفاصل الدولة وإداراتها منذ عقود، وما زاد من إحباطهم لجهة تعويلهم على عدم وجود قدرة لعودة النهوض بالبلد وأحبط عزيمة تفاؤلهم، وجود بوادر سياسية تشي بعودة التحالفات السياسية خصوصاً بين التيارين الأزرق والبرتقالي.

أسئلة برسم “الثنائي الشيعي”

الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصر الله..تسهيل على خط التأليف.

 من هنا، ترى مصادر سياسية مستقلة أنه طالما أن تكليف الحريري جاء بتسهيل من “الثنائي الشيعي” ومن رئيس “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط، فهذا يؤكد مجدداً أننا لا نزال ندور في الحلقة نفسها، وستشهد الأيام المقبلة أن التسويات الاقتصادية والقضائية والسياسية، بالإضافة إلى حماية أو تغطية سلاح حزب الله، ستكون العنوان الخفي للبيان الوزاري. وتسأل المصادر نفسها: ماذا يعني أن حزب الله الذي امتنع عن تسمية الحريري خلال الإستشارات الإلزامية في بعبدا متماهياً مع موقف حليفه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، أن يقوم مع رئيس مجلس النوّاب نبيه بري، بتأمين الأصوات لتسمية الحريري؟ وماذا يعني أن يعمل “الحزب” وبري على إعادة ترتيب العلاقة بين الحريري والنائب باسيل خصوصاً في ظل معطيات تؤكد أنه سيجمعهما قريباً، لقاء ثنائياً في “بيت الوسط”؟

 

وتُشبّه المصادر المستقلّة مبادرة الحريري من خلال تكليفه عملية التأليف، بأنها قفزة في المجهول أو كمن قرّر السير داخل حقل ألغام متسلّحاً بمبادرة لم تكن قد حازت إعجاب ورضا بعض القوى الأساسية في البلد عندما طرحت في السوق السياسية. وقد ارتكزت المصادر في توصيفها هذا، على عقلية البعض داخل السلطة التي لم تتغيّر وما زالت على اقتناع بأن البلد لا يُمكن أن يستعيد عافيته، من دون إرشاداتها، أو إشرافها، أو حتّى مشاركتها، لكن ضمن شروطها.

“بيت الوسط”: الحريري يُضحّي مجدداً

رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس تيار المردة سليمان فرنجيه… تأمين عودة الحريري.

مصادر مقربة من “بيت الوسط” تُشير إلى أن البعض قد يعتقد أن الحريري عاد ليطرح نفسه مُنقذاً للوضع في لبنان من أجل إعادة تعويم نفسه بين اللاعبين السياسيين، وبأنه لن يتمكّن من إضافة أي شيء للبلد في ظل التركيبة الحاكمة، أو ان وعوده بالإصلاح سوف تصطدم بالكثير من العقبات، وعندها سيكون أمام خيارين: إمّا أن يستقيل من مهمته، أو أن يتحوّل إلى جزء من هذه التركيبة. لكن ما لا يعرفه هؤلاء، أن الرئيس المُكلف يُغامر برصيد كبير من إرثه السياسي الذي راكمه منذ العام 2005، وأيضاً بموقعه كزعيم سياسي وسُنّي بالدرجة الأولى، من خلال طرح نفسه لقيادة هذه المرحلة، وذلك من أجل تفويت الفرصة على جزء من هذا الطاقم الموجود، للإستمرار بسياسة التفريط بلبنان وضمّه الى مشاريع لا تتناسب مع موقعه وانتمائه او مع طبيعة العيش المشترك التي ينفرد بها دوناً عن المنطقة كلها.

وتُضيف: الحريري عائد وفي جعبته أمر أساسي، هو وضع لبنان على السكّـة الصحيحة من خلال استغلال شبكة علاقاته مع الدول البعيدة قبل القريبة خصوصاً بعدما أظهرت التجارب كلّها، أنه الوحيد القادر على إخراج البلاد من الوضع المأزوم، وهذا ما لمسه معظم اللبنانيين منذ تكليفه تأليف الحكومة، نظراً للثقة التي يُمثّلها في المجالين، السياسي والاقتصادي وبالتالي لو لم يشعر هذه المرّة أنه الأجدر والأقوى على تولّي زمام المبادرة للحاق بركب الإنقاذ قبل الإنهيار التام، لما أقدم على هذه الخطوة، ولا عاد ليضع البيض مجدداً في سلّة هذه التركيبة السياسية.

 مقرّبون من الحريري يؤكدون أنه لم يطرح نفسه منقذاً، لأن إنقاذ البلد يحتاج الى تعاون من الجميع، وبطبيعة الحال لن يتمكّن من إحداث أي خطوة في حال لم تلق طروحاته أو الأفكار التي يحملها، تجاوباً من الآخرين. ولقد اختبرنا أيضاً الحكومة السابقة وما جنته خلال الفترة الماضية، وكذلك اختبرنا الثورة التي تشرذمت هي الأخرى ولم تتمكّن من طرح أفكارها على النحو المناسب، ولا حتّى تمكّنت من جمع اللبنانيين تحت سقفها أو سقف مطالبها التي كانت موضع تساؤل حتّى بين الثوار أنفسهم. لكن في جميع الأحوال، علينا جميعاً المساهمة لإنجاح المبادرة الفرنسية كونها الخرطوشة الأخيرة في حربنا الاقتصادية التي نخوضها.

نصر الله على خط الصلح بين الحريري وباسيل

في معلومات خاصة، كشفت مصادر لـ”الافكار” أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله كلّف معاونه السياسي حسين الخليل والنائب محمد رعد بالمبادرة الى تصحيح العلاقة بين الرئيس الحريري والنائب باسيل، مؤكدة أن لقاء مرتقباً سيُعقد قريباً بين المعاون الخليل وباسيل إما في حارة حريك في الضاحية الجنوبية أو في منزل الأخير. وكان تأكيد من نصرالله على عدم إعطاء باسيل أي وعود لا انتخابية ولا سياسية والاكتفاء فقط بتصحيح الشوائب التي حصلت أخيراً بين الطرفين مع تأكيد بعدم وجود شيء اسمه اتفاق رباعي مع حركة أمل وتيار المردة والحزب التقدمي الاشتراكي.

وفي السياق، كانت راجت معلومات خلال اليومين الماضيين من داخل التيّار الوطني الحر أن باسيل يمر بمرحلة عزلة خصوصاً بعد انقطاع التواصل مع حزب الله، وهذا ما استدعى نصرالله الى فكّ عزلة حليفه من بوابة أن ما بين “الحزب” و”التيّار” لا يُمكن أن تُسقطه أي هفوة داخلية، وتأكيداً منه على أن اتفاق “مار مخايل” ما زال ثابتاً وما زالت بنوده حاضرة بين حارة حريك وبعبدا.

الفرنسيون يُحذرون والأميركيون قادمون

الرئيسان الأميركي “دونالد ترامب” والفرنسي “ايمانويل ماكرون “.. كباش حول لبنان

في محاولة منها لاستنهاض الهمم اللبنانية والاسراع في عملية تأليف الحكومة وإزالة العقبات التي يُمكن أن تعترض العملية، دعت فرنسا من خلال وزير خارجيتها “جان إيف لودريان”، لبنان، إلى الإسراع في تشكيل حكومة جديدة. وحذّر “لودريان” أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي من أنه كلما تأخرنا، غرق المركب أكثر، وأنه إذا لم يقم لبنان بالإصلاحات التي يجب القيام بها، فإنّ البلد نفسه معرّض للانهيار.

هذا على الخط الفرنسي، أما على الخط الأميركي، فثمة من يقول إن اللبنانيين اعتادوا إنتظار أمر ما من الخارج لكي تتبدّل أوضاعهم، سواء السياسية أو الاقتصادية كما هو حاصل اليوم وهذا ما ينطبق فعلاً على مقولة إنهم ينتظرون الانتخابات الرئاسية الأميركية لكي يتقرّر مصير حكومتهم. لكن الحقيقة هو أن حزب الله ومعه ايران طبعاً، كانا ينتظران في الاشهر الستة الاخيرة، بين ان يُعقد اتفاق مع الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” أو أن ينتظرا من سيفوز ” ترامب” أم  منافسه الديموقراطي “جو بايدن” الذي كان ضمن إدارة البيت الأبيض كنائب للرئيس في عهد الرئيس “باراك أوباما” وواحداً من الفريق المعني بالملف النووي، لكن ما لا يعرفه البعض، أنه بقي هناك أقل من اسبوع للإنتخابات الرئاسية في أميركا، ومن المفترض أن تُعلن النتائج في 4 او 5 من الشهر المقبل، ما يعني ان الرئيس الحالي يبقى في الحكم حتى 10 كانون الاول (ديسمبر) المقبل ولديه الوقت لتغيير بعض الامور، ويعني أيضاً أن آمال الايرانيين ضعفت لكي يتمكنوا من حل كباشهم مع “ترامب” وهم يعقدون اليوم آمالهم على عدم فوزه، لذلك يفضلون عدم الاستعجال بانتظار فوز “بايدن” لكي يُعيدوا الملف النووي الى طاولة التفاوض.