27 November,2020

التسوية الفرنسية الإيرانية في لبنان ملء للفراغ الأميركي وجزء من صورة مستقبل المنطقة 

بقلم خالد عوض

الرئيس “إيمانويل ماكرون”: المبادرة-المغامرة من أجل.. فيروز.

لا يمكن إلا تقدير الجهود الإستثنائية للرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” الذي أقر أنه يغامر برأس ماله السياسي من خلال مبادرته في لبنان. البعض يقول إن تدخل “ماكرون” هو وجه من وجوه الإنتداب الفرنسي الذي طالبت به بعض المجموعات اللبنانية في تعبيرها عن يأسها من قدرة الطبقة السياسية أن تبني دولة. البعض الآخر يعتبره وقفة حازمة في وجه تركيا ومطامعها المتوسطية. وهناك آخرون ينظرون إلى “طحشة” الرئيس الفرنسي على أنها ملء للفراغ الأميركي المستجد في المنطقة، والذي يبدو أنه سيطول في ظل ما تشهده شوارع الولايات المتحدة، وتعبيد لتسوية إقليمية مع إيران. وسط كل ذلك عبر لبنان مئويته الأولى على أنقاض مرفأ بيروت وضحايا الإنفجار الذي هشم العاصمة. وما أشبه اليوم بعام ١٩٢٠ أو بالأحرى عام ١٩١٦ عندما إتفق الدبلوماسي البريطاني “مارك سايكس” ونظيره الفرنسي “فرانسوا جورج-بيكو” على تقسيم الشرق الأوسط إلى منطقتي نفوذ، واحدة فرنسية وأخرى بريطانية بموافقة روسية وإيطالية. لبنان وقع يومها في الحصة الفرنسية. يبدو أن “ماكرون” جاء ليدافع عن هذه الحصة أو على الأقل أن يحفظ لبلده موطئ قدم فيها في ظل التقسيمات الآتية إلى المنطقة.

“أردوغان: الحنين إلى الماضي أو ترسيم المستقبل؟ 

الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”: التنقيب عن الغاز أو البحث عن أمجاد السلطنة؟

التشنج التركي اليوناني حول حق التنقيب في شرق البحر الأبيض المتوسط بدأ يأخذ أبعاداً عسكرية. الدولتان حليفتان في “الناتو” ولكنهما تتشاركان تاريخاً مليئاً بالمواجهات منذ أن استقلت اليونان عن السلطنة العثمانية عام ١٨٢١. ولذلك ما يحصل بينهما اليوم ليس رمانة النفط والغاز جنوب شرقي اليونان بل قلوب ملآنة منذ الإحتلال التركي لقبرص عام ١٩٧٤. للوهلة الأولى يمكن تفسير ما يحصل بالمنافسة الإقتصادية والسباق إلى غاز المتوسط. ولكن هل الغاز الذي بدأ يتبين بغزارة في عدة أمكنة من الشرق الأوسط هو الهدف أم أنه مجرد عذر لبسط النفوذ، خاصة أن  الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” هو نفسه من أعلن منذ أسبوعين عن إكتشاف حقل غاز ضخم في “سكاريا” في البحر الأسود يؤمن ثلث حاجة تركيا من الغاز؟ تركيا تعتبر أن اليونان تغالي في رسم حدودها البحرية وأنه لا يحق لها أن تعتبر جزيرة “كاستيلوريزو” التي تبعد أكثر من ٥٠٠ كيلومتر عن اليابسة اليونانية وأقل من ٥ كيلومتر عن الشاطئ التركي هي حدود منطقية للمياه الإقليمية اليونانية حتى لو كانت الجزيرة تحت سيادة اليونان. في المقابل يتلطى اليونانيون وراء القانون الدولي الذي يعتبر أن أي قطعة أرض في البحر تابعة لدولة تعطي السيادة لهذه الدولة على المياه حولها. القانون مع اليونان والمنطق مع “اردوغان”. ولكن ما يشهده العالم اليوم هو كما يقول الشاعر الفرنسي “جان دو لا فونتين”  إن حق الأقوى هو أقوى حق (LA RAISON DU PLUS FORT EST TOUJOURS LA MEILLEURE). ولذلك تتراجع هيبة الأمم المتحدة أو الإتحاد الأوروبي أو مجلس التعاون الخليجي أو الجامعة العربية أو أي تكتل إقليمي أو دولي آخر، وتعلو كلمة أصحاب الجيوش وأسراب الطائرات والأساطيل في البحار ومنصات الصواريخ. ولذلك يمكن أن نشهد مزيداً من عرض العضلات التركي في المرحلة المقبلة والهدف هو النفوذ وفرض الهيبة وليس فقط الغاز. تركيا تفعل اليوم في العلن ما حاولت أن تقوم به إيران في السر منذ عقدين أي إستراتيجية التوسع إلى المتوسط والبحر الأحمر. إيران استخدمت تكتيك الميليشيات المسلحة والإنفلاش تحت غطاء تلك المجموعات. تركيا تعتمد الأسلوب المباشر وإنزال الجيوش من دون أي مواربة. فعلتها في سوريا وليبيا وشمال العراق ولن تتوانى عن القيام بذلك كلما سنحت الفرصة في مناطق أخرى من شرق المتوسط  بما فيها…لبنان.

إيران: التسويةالمؤقتة؟

الرئيس الإيراني حسن روحاني: التقاسم مع فرنسا في لبنان أو انتظار الأتراك؟

عام ١٩٤٤ تعرضت العاصمة البريطانية “لندن” لعدة انفجارات مجهولة السبب. ولم يكن أمام حكومة “ونستون تشرشل” يومها إلا أن تعزي السبب إلى إنفجار أنابيب الغاز مع أنها كانت تعلم أن النازيين كانوا يستخدمون صواريخ V2 أسرع من الصوت لا تلتقطها الرادارات البريطانية ولا يمكن اعتراضها، وهي التي كانت تقصف “لندن”. منذ حزيران (يونيو) الماضي وإيران تتعرض لسلسلة انفجارات مصدرها الحقيقي غامض، حتى إنه في يوم إنفجار مرفأ بيروت نفسه أي في ٤ آب (أغسطس) المنصرم  تعرضت منشأة صناعية إيرانية قريبة من العاصمة طهران في الساعة الحادية عشرة صباحاً أي قبل إنفجار بيروت بسبع ساعات تقريباً لحريق ظل مجهول السبب. هذه الإنفجارات تشير إلى وجود أسلحة معينة، إما سيبرانية مثل دودة الكمبيوتر الخبيثة “STUXNET”  أو طائرات حربية شبح أو مسيرة ترمي قنابل تحمل مادة “الثرمايت” (THERMITE) المتفجرة، تغير معادلة توازن الرعب التي فرضتها إيران في لبنان من خلال حزب الله. وبغض النظر عن سبب إنفجار بيروت فإن حجمه وتوقيته جعل إيران تتريث في أي اندفاعة عسكرية قد يغامر بها حزب الله، أقله حتى يتبين لها نوع الأسلحة المستعملة ضدها. هذا يفسر إلى حد كبير التجاوب الإيراني مع المبادرة الفرنسية وقبول حزب الله بكل شروط الرئيس الفرنسي ما عدا الإنتخابات النيابية المبكرة. وبالمناسبة لم تشهد إيران أي إنفجار أو حريق منذ تفجير مرفأ بيروت أي منذ أكثر من شهر مع أن الإنفجارات لم تغب عن إيران لأكثر من أسبوع كامل منذ ايار (مايو) الماضي. يبدو من ترابط الأحداث أن إيران قبلت بتسوية معينة في لبنان تديرها فرنسا، يمكن أن تكون طويلة الأمد أو مؤقتة إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في كل الإنفجارات التي حصلت.

 

 من الصعب رؤية المشهد اللبناني من دون التمحيص فيما يحصل في المنطقة والإقليم. ويبدو أن الفراغ الأميركي العتيد والإنفجارات الغريبة في إيران وبيروت فتحت المجال أمام تسوية فرنسية إيرانية في لبنان. يبقى السؤال: هل يتفرج الأتراك على ما يحصل أم يعرقلون كل ذلك للحصول على حصة ما؟ ليس عند الأتراك اليوم الحجم الكافي للدخول في تسوية في لبنان. كما أن التسوية الفرنسية الإيرانية ما زالت بحاجة إلى غطاء روسي يبدو أنه لم يتوفر بعد. أما الأميركيون فهم ينظرون إلى الشرق الأوسط كله على أنه رقعة صغيرة في التسوية المستقبلية مع الصين، ولروسيا حصة مهمة فيها، ولكنها لم تينع حتى اليوم. ما عدا ذلك كل ما يحصل لعب في الوقت الضائع.