21 October,2020

التدقيق الجنائي في مواجهة السرية المصرفية: ماذا يفعل المصرف الفرنسي في مصرف لبنان؟

                                                                                                     

وزير المالية في حكومة تصريف الاعمال غازي وزني

التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان FORENSIC AUDIT الذي يعتبره رئيس الجمهورية العماد ميشال عون انجازاً مهماً في مسيرة مكافحة الفساد وكشف اماكن الخلل في مالية الدولة، اصبح واقعاً قائماً بعد توقيع الاتفاقية مع مؤسسة “الفاريز اند مارسال”، الاميركية، لتنطلق رسمياً رحلة التدقيق الجنائي، بالتزامن مع مسيرة التحقيق المحاسبي والمالي مع شركة  KPMG وقد قدمت الشركتان لائحتين بالمعلومات والبيانات المطلوبة لمباشرة العمل الى وزارة المال التي احالتها الى مصرف لبنان تحت عنوان “سري”. واذا كان البعض يرى ان التدقيق المالي والمحاسبي مهم، الا ان التدقيق الجنائي يبقى الاهم ولذلك فهو يستحوذ على الاهتمام الدولي والمالي على حد سواء.  لكن السؤال هل ستحصل شركة “الفاريز اند مارسال”، على المعلومــــات التي تطلبها ضمن المهلـــة المحددة لذلك؟ ثمــــة من يتحدث عن “شكوك” في امكانية تجاوب مصرف لبنان مع المعلومات المطلوبة خصوصاً وان العمليات المالية التي اجراها المصرف منذ العام 2016 وحتى 2019 لاسيما وان حاكم المصرف رياض سلامة كان اعلن انه سيتعاون مع الشركة المدققة وفقاً للاصول والى حدود السرية المصرفية التي لا يمكن تجاوزها وفقاً لقانون النقد والتسليف، الا ان الوصول الى هذه المعلومات يشكل عنصراً مهماً في عمل الشركة، الامر الذي سيفرض مواجهة بين السلطة والحاكم الذي يتمسك بموقفه حفاظاً على ما جاء في متن قانون النقد والتسليف.

  وتقول مصادر رسمية ان عدم تعاون المصرف المركزي مع الشركة المدققة يعني عملياً عدم الوصول الى المعلومات المطلوبة، وهذا ما لا يرضي الفرنسيين الذين وضعوا مسألة التدقيق الجنائي بنداً اساسياً في مبادرتهم التي لقيت موافقة القيادات الرسمية والسياسية اللبنانية خلال الاجتماعات في قصر الصنوبر. من هنا، يتوقع ان تكون مهمة شركة التدقيق مسهلة ولو جزئياً لانه من الصعب ان تواجه الرغبة الفرنسية برفض من الحاكم سلامة وهو الذي تربطه مع الجانب الفرنسي علاقات متينة خصوصاً انه رحب بمشاركة البنك الفرنسي المركزي في عمليات التدقيق بعدما علم ان القيادة الفرنسية راغبة بحصول مثل هذا التدقيق ما جعلها تدرجه في صلب مبادرتها.

 وتقول المصادر المتابعة ان العين الدولية “مفتحـــة” على ما يجري في مصرف لبنان وما قيل عن صعوبات قد تواجه شركة التدقيق الاميركية التي تبلغت بصورة غير مباشرة عدم القدرة على تلبية طلباتها انطلاقاً من قانون السرية المصرفية وقانون النقد والتسليف. وتتحدث هذه المصادر عن سوابق حصلت حين لم يستجب طلب وزارة المال باعطائها اسماء الجهات التي كانت تكتتب  بسندات الخزينة  بحجة السرية المصرفية على رغم ان من حق المقترض معرفة اسم الجهة التي اقرضته. كذلك لم يلب طلب الادارة الضريبية لمعرفة المصارف التي استفادت من الهندسات المالية تمهيداً لتكليفها بالضريبة على ارباحها المستجدة.

بين بعبدا والحاكم

رئيس الجمهورية ميشال عون وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

 ويروي احد الوزراء القريبين من قصر بعبدا ان الرئيس ميشال عون لم يحصل على الرقم الفعلي لموجودات مصرف لبنان من العملات الاجنبية، وان الحاكم سلامة احضر له لوائح مفصلة لم يستطع ان يستنتج منها الرقم النهائي، الامر الذي احدث فتوراً بين الرجلين سرعان ما تبدد بعد فترة حين تسلم الرئيس عون هذا الرقم من سلامة نفسه، لكن الشكوك لا تزال تتحكم بالعلاقة بين الرئيس والحاكم على رغم الزيارات الدورية التي يقوم بها الحاكم الى قصر بعبدا. ويعود البعض بالذاكرة الى بداية عهد الرئيس عون عندما اراد تعيين خليفة  لسلامة في حاكمية المصرف وانه رشح لهذه الغاية الوزير السابق منصور بطيش، الا ان الرئيس سعد الحريري فضل عدم التغيير وطلب الى الرئيس عون التعاون مع سلامة نظراً لخبرته وللثقة الدولية الموضوعة فيه، فقبل يومها رئيس الجمهورية “على مضض” هذا الامر وأراد فتح صفحة جديدة مع الحاكم سلامة استمرت مفاعيلها اشهراً قبل ان يحصل الخلل بعد التراجع السريع الذي حصل في المالية العامة وانكشاف الوضع المالي المهتز لمصرف لبنان مع تراجع الاحتياط عنده بنسبة  كبيرة خلافا لما كان يقال.

 وتطرح مصادر مصرفية علامات استفهام حول الدور الذي يلعبه مصرف فرنسا المركزي داخل مصرف لبنان منذ اسبوعين لاسيما اعطائه حق الرقابة على اعمال المصرف اللبناني اذ لا رابط – تقول المصادر نفسها- بين المهمة الفرنسية ومهمة شركة التدقيق الجنائي، علماً ان ثمة من يقول إن القوانين اللبنانية لن تكون عائقاً امام حصول الشركات على المعلومات التي تريدها، علماً ان في مصرف لبنان مفوضاً للحكومة يفترض ان يكون على اطلاع على كل ما يجري في المصرف من عمليات لان القانون اعطاه حق التدقيق والمراقبة ولا يمكن لاي جهة منعه من القيام بعمله….

 وكانت مصادر اعلامية تحدثت عن ان النسخة الاولى لعقد التدقيق الجنائي كانت تتضمن السماح للشركة بالحصول على البرامج المحاسبية للمصرف بشكل كامل. تقول المصادر ان مستشارين قانونيين معنيين اقترحوا ازالتها، بحجة ان المصرف سيملك الحجـــة حينها لرفض تسليم “الداتا”، على اعتبار ان احتواء هذه البرامج على كل حسابات المصرف وحسابات الغير، يجعلها خاضعة للسرية المصرفية. هذا الموقف يناقض الموقف الذي كان تبناه مستشار رئيس الجمهورية سليم جريصاتي، الذي اعتبر ان وصول التدقيق الجنائي الى النهاية الصحيحة، يتطلب اعطاء شركة “الفاريز” صلاحية الاطلاع على العمليات المالية في نظام المعلوماتية، بما يسمح بمتابعة كل ما دخل الى مصرف لبنان وخرج منه. من دون ذلك، تؤكد مصادر مقربة من رئاسة الجمهورية ان التدقيق قد لا يصل الى نتائج فعلية. لكن في المقابل، فإن لوزارة المالية رأيا آخر. هي تؤكد ان اغلب المعلومات التي تحتاج اليها الشركة غير خاضعة للسرية المصرفية (اغلب عمليات المصرف المركزي المتعلقة بعمله او بعلاقته مع الادارات العامة والمصارف). كما ان مصرف لبنان لن يستطيع الاستنساب في تسليم المعلومات المطلوبة، انطلاقاً من انه يمكن كشف اي محاولة لحجب المعلومات!.