22 October,2020

التحقيق في انفجار المرفأ يراوح مكانه: من أدخل الباخرة ومن سرق "من النترات"؟

الدمار في المرفأ ومحيطه

  في 4 أيلول (سبتمبر) الجاري، مرّ شهر كامل على الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت وأحدث كارثة على المستوى الوطني بفعل ما خلفه من ضحايا وجرحى ومشردين اضافة الى الدمار الذي لحق بأحياء عدة من العاصمة، أزال منازل أثرية وأخرى تراثية وشرد اكثر من 300 الف شخص وفقاً للاحصاءات التي وضعتها الجهات المتخصصة. شهر انقضى والتحقيقات مستمرة باشراف المحقق العدلي القاضي فادي صوان من دون ان تتسرب معلومات دقيقة حول ظروف وصول الباخرة التي نقلت “نترات الامونيوم” ورسوها في مرفأ بيروت وانزال الحمولة التي لم تكن أصلاً مرسلة الى بيروت.

 وفي مقابل تضامن المجتمع الدولي مع المنكوبين اللبنانيين وتعاطفهم معهم وارسال مساعدات عينية واخرى مالية للمتضررين، لم يسجل التحقيق اي تقدم يمكن الركون اليه على رغم مشاركة محققين فرنسيين وبريطانيين واميركيين فيه، فيما اقتصرت الخطوات القضائية على توقيف عدد من المسؤولين في شركة مرفأ بيروت، اضافة الى الضباط المسؤولين عن الجيش والامن العام وامن الدولة، مع العلم بأن الضابط الذي اعد التقرير حول “نترات الامونيوم” والمراحل التي قطعتها عملية التدقيق في محتوى المستودع رقم 12، هو من بين الموقوفين!.

صحيح ان ثمة موقوفاً سوري الجنسية تدور حوله شبهات كثيرة منها مشاركته في “تلحيم” باب المستودع 12 الذي احترق وانفجرت “النترات” فيه خصوصاً أنه أتى قبل مدة الى المرفأ وطرح اسئلة على عدد من العاملين فيه قبل ان يصبح هو من ضمن الفريق الذي عهدت اليه مهمة “تلحيم” الباب والطاقة في المستودع، لكن الصحيح ايضاً أنه لم يتم بعد تحديد اسباب الانفجار وإن كانت “شرارة التلحيم” تبقى الفرضية الاكثر واقعية وإن كان البعض يعتبر انها لا تقوم كدليل قاطع لاسيما وأن رجال التحقيق اكتشفوا أنه لم تكن هناك كاميرا مراقبة للمستودع رقم 12 ومحيطه خلافاً لما هو معتمد بالنسبة الى باقي العنابر، وهو امر اضيف الى الشكوك التي طرحت، خصوصاً ان ثمة معلومات تشير الى ان الغطاسين الذين نزلوا الى قعر البحر  بحثا عن جثث ضحايا الانفجار، تمكنوا من انتشال عبوات بلاستيكية تحمل نوعاً من المتفجرات من مسافة بعيدة عرض البحر ما يعني أنها كانت في مركز الانفجار وقذفها العصف الذي نتج الى مسافة من المستودع على عرض البحر.

 

التلحيم ليس السبب؟

وتقول مصادر متابعة إن “التلحيم” هو سبب الحريق والانفجار، يبقى قولاً هشاً، إذ إن إفادات بعض العاملين في المرفأ اشارت الى وجود مفتاحين لكل مستودع، واحد مع رجال الجمارك، والثاني مع ادارة المرفأ، وان فريق الصيانة (التلحيم) لم يحصل على المفتاحين فهذا يعني انه قام بتلحيم الباب من الخارج وبالتالي لم يقترب من المواد المنتشرة داخل المستودع. وتظهر صورة التقطت لفريق الاطفاء الذي حضر لاطفاء الحريق بعد اندلاعه بوقت قصير، وقبل حصول الانفجار، أن رجال الإطفاء يحاولون خلع الباب للدخول الى المستودع، ما يعني انهم لم يستحصلوا على اي من المفتاحين، لا من الجمارك ولا من ادارة المرفأ. ام القول إن شرارة التلحيم انطلقت خلال تلحيم الطاقة، فإن مصادر التحقيق تستبعد هذه الرواية لأن الفجوة هي في جدار من الباطون وليس من الحديد او الالومنيوم.

مسألة اخرى لم يكشفها التحقيق بعد، وهي محتويات المستودعات رقم 12 لاسيما مع وجود تضارب في المعلومات نظراً لوجود فارق بين الصورة الموزعة من داخل العنبر وبين ما يملكه التحقيق من معلومات. لكن الثابت – حسب مصادر التحقيق – انه لم تجر اي جردة حديثة للمستودع في ظل غياب امين المستودع وعدم الاهتمام بالموجودات طوال 6 سنوات على الاقل منذ ادخالها الى المستودع رقم 12. واتضح للتحقيق ان الفجوة التي استحدثت في الجهة الجنوبية من المستودع، تمت بتدخل بشري لغاية السرقة، الأمر الذي طرح علامات استفهام حول حصول عمليات سرقة منتظمة من المستودع تتقارب مع معلومات عن ان الكمية التي وضعت فيه اي 2750 طناً لم تكن كاملة عند الانفجار لأنها لو كانت كذلك لكانت الاضرار أكبر بكثير والمساحة المصابة تفوق المساحة التي اصيبت في 4 آب (اغسطس) الماضي بكثير. وهنا يتساءل التحقيق عن وجود “مافيا” منظمة كانت تسرق تباعاً محتويات المستودع وتنقلها الى جهة مجهولة.

إفادات متضاربة

 وتروي مصادر أمنية أن الرائد في امن الدولة جوزف النداف الذي وضع التقرير عن المستودع والذي رفع الى المرجعيات الرسمية، تعرض منزله لاطلاق النار بعيد التقرير الذي اعده ولم تصل التحقيقات يومها الى معرفة الجهة التي استهدفت منزل الرائد النداف وإن كان ذلك يدخل في إطار “ترهيب” الضابط الذي كشف عن وجود “نترات الامونيوم” في المستودع رقم 12. وتضيف المصادر الى أن ما يعيق عمل التحقيق فعلياً، وجود افادات متضاربة لأمنيين اخضعوا للتحقيق بلغت الى حد أن أحد الضباط كذب افادة زميل له ما دفع بالقاضي صوان الى توقيفه ليتم التوسع في التحقيق. وزاد في الغموض ايضاً العثور قبل أيام على إحدى الحاويات وفيها “نترات الامونيوم” الذي يعتقد بأنه من النوع الذي كان في المستودع رقم 12 قبل انفجاره. بحسب ما بينت صور الاكياس وانواعها، ويبقى السؤال من اخرجها من المستودع رقم 12 ووضبها في الحاوية المذكورة. (اشارة الى ان الجيش عالج المحتويات وأزال الخطر منها).

 واللافت في جديد التحقيق سماع المحقق العدلي لافادة رئيس حكومة تصريف الاعمال الدكتور حسان دياب بصفة شاهد والذي اصرّ على الادلاء بشهادته بعدما كثرت الروايات عن معرفته بوجود “نترات الامونيوم” في المستودع والغاء زيارة كان ينوي القيام بها الى المرفأ والكشف على المستودع وطلب معالجته ومعاقبة المقصرين الذين ابقوا هذه المواد أكثر من ست سنوات فيه. وقد وضع الرئيس دياب المحقق العدلي، والمدعي العام التمييزي القاضي غسان عويدات الذي رافقه، في ما لديه من معلومات والجهة التي “نصحته” بعدم الذهاب الى المرفأ وأسباب هذه “النصيحة”. ومن بين المعلومات التي ادلى بها الرئيس دياب ما يتعلق بعملية التأخير في تنفيذ التوصيات التي وضعها جهاز امن الدولة في ما خص صيانة المستودع والتي تبين ان تأخيراً حصل بحجـــة إجراء إدارة المرفأ مناقصة لصيانة كل المستودعات وليس المستودع رقم 12 فقط!.

 وكانت مصادر اعلامية ذكرت انه في مراجعة لصور انفجاري فرنسا واميركا تبين ان شكل السحابة واحد إلا أن اللون مختلف، ففيما جاء في البلدين واحداً يميل الى الأصفر كان في لبنان قرمزي اللون وفي تفسير ذلك ان لون الانفجار يثبت اختلاط الامونيوم البيروتي بمادة او مواد اخرى أنتج تفاعلها مع بعضها اللون المائل الى الأحمر.

 في اي حال، لن يكون من السهل الوصول الى استنتاجات نهائية قبل ان يستكمل التحقيق العناصر الكفيلة بتوفير معلومات دقيقة مما حصل ليس في 4 آب (اغسطس) الماضي، بل كيف وصلت الباخرة الى لبنان ومن الذي دفع الى ادخالها الى مرفأ بيروت والرسو فيه وعلى متنها آلاف الأطنان من “نترات الامونيوم”!.