7 August,2020

الاقتصاد اللبناني في غرفة العناية الفائقة وعلى شفير الكارثة!

بقلم طوني بشارة

دخل الاقتصاد اللبناني غرفة العناية الفائقة، وبات أشبه بالرجل المريض الذي ينتظر جرعة أمل من أي جهة كانت، عله يستعيد قواه ويعاود نشاطه، فالنمو الاقتصادي لامس نسبة الصفر بالمئة والعديد من المحال التجارية أعلنت التصفية الشاملة والإقفال النهائي، فما سبب هذه الأزمة وهل من إجراءات معينة يمكن إتباعها لحل هذه المشكلة؟

<الأفكار> جالت على الشوارع والتقت رؤساء الجمعيات التجارية وجاءت بالتحقيق الآتي:

 

شماس وأسباب الكارثة!

بداية مع رئيس جمعية تجار بيروت الدكتور نقولا شماس الذي أفادنا قائلاً:

– بمجرد مراقبتنا للوضع الاقتصادي العام في لبنان، نرى أن الربع الأول من عام 2019 قد انتهى والإنتعاش المنتظر من تشكيل الحكومة لم يتحقق بعد، بسبب الضمور الإقتصادي المهيمن، مما أثر سلبا على مؤشرات الناتج والإنتاج من جهة وموضوع النمو من جهة ثانية الذي ما زال غائباً عن لبنان منذ 8 سنوات، كما أن نسبته غير كافية لمواكبة الزيادة السكانية في لبنان، ومن المعلوم إقتصاديا انه في ظل غياب النمو تنتكس كل النشاطات الاقتصادية، والسبب الام لهذه المشاكل هو العجز في موازنة الدولة.

وأضاف:

– نحن كجمعية تجار بيروت حذرنا منذ سنوات من مخاطر هذا العجز الذي ينال الإقتصاد من أساسه، فالعجز يتراكم سنة بعد سنة، وقد وقعت الكارثة عام 2017 وذلك مع إقرار سلسلة الرتب والرواتب بشكل عشوائي وغير مدروس، وبالطبع كل التوقعات التي تكلمنا عنها آنذاك كانت صائبة، وتترجمت عمليا بإرتفاع نسبة التضخم وضغط الضرائب والمستوى العام للفوائد، وذلك مقابل إنخفاض للنمو وللنشاط الإقتصادي ولإيرادات الدولة، ونحن كنا نتوقع حدوث ذلك، ولاسيما مع فرض الحكومة لأكثر من 20 رسماً معتقدة أن ذلك لن يطال كل أفراد المجتمع كما توقعت مخطئة أن إيرادات الضرائب ستفوق بكثير كلفة السلسلة.

وتابع شماس قائلا:

– المشكلة كانت على صعيدين، الصعيد الأول إيرادات الضرائب والتي كانت أقل بكثير مما كان متوقعا بسبب غياب تام للنمو الاقتصادي، وبالمقابل كلفة السلسلة أتت مرتفعة إذ كانوا يعتقدون أنها لن تتخطى 1200 مليار وبالفعل حاليا السلسلة تخطت 2000 مليار، ناهيك عن موضوع التقاعد وتكلفته العالية مما زاد الانفاق عام 2018، مما يعني أن سلسلة الرتب والرواتب فتحت أبواب الجحيم الضريبي على لبنان لأن الدولة إضطرت للإستدانة من أجل تغطية فوائد السلسلة على سنة واحدة، مما جعلنا ندخل في مسار إنتكاسي حلزوني لا خروج ممكناً منه في ظل تراجع الإنتاج والإنتاجية، ناهيك عن المخالفة الصريحة للقانون 46 للسلسلة وذلك عن طريق توظيف حوالى 4000 موظف بالأسلاك المدنية وتوظيف الأرقام نفسها بالأسلاك العسكرية مما جعلنا ندخل بعجز مالي داخلي بالموازنة، وعجز بالحساب الجاري لميزان المدفوعات مما أدى الى تدني التصنيف الائتماني للبنان، فالمؤسسات الدولية خفضت تباعا النظرة للبنان من مستقرة الى سلبية.

ــ ألا تنعكس هذه المشاكل أيضا على الوضع التجاري؟

– من الملاحظ أن الوضع التجاري يعاني وبشكل عام في ظل تراجع النمو الاقتصادي، وبعودة الى محطات الروزنامة التجارية (فترة الأعياد والمواسم السياحية) نرى أن نتائج هذه المحطات كانت سلبية، فعلى سبيل المثال لم نتمكن من الإستفادة في فترة الأعياد السابقة (في عيدي الميلاد ورأس السنة) وذلك في ظل عدم تشكيل الحكومة آنذاك، فدخلنا العام الجديد ووضعنا التجاري منهك للغاية، إذ ان أغلبية التجار كانوا متعثرين ماليا بسبب إرتفاع نسب الفوائد على القروض، مما عطل عمل القطاع التجاري وأدى الى تفاقم ظاهرة الدين غير التجاري، فالمورد بات يدين تاجر الجملة، وتاجر الجملة يدين تاجر المفرق، وتاجر المفرق يدين

المستهلك النهائي، وهذا ما يسمى بالهرطقة التجارية.

واستطرد قائلاً:

 – بلغت قيمة هذا الدين غير المنظور 6 مليارات دولار وهو رقم مؤلم جدا بالنسبة للتجار، واضف الى ذلك حسومات وعروضات من قبل التجار بلغت 50 لغاية 70 بالمئة بكل المواسم من أجل إجتذاب المستهلك، مما ضرب القطاع التجاري برمته. التاجر لم يعد قادرا على التحكم بالأسعار فانخفضت الأسعار ودخل العديد من التجار بالتعثر المالي وأقفلت حوالى 10 بالمئة من المؤسسات التجارية والباقي يدخل رويدا رويدا بصعوبة السيولة التي تعتبر مشكلة ظرفية ولكنها تتحول تلقائيا الى مشكلة هيكلية ألا وهي انعدام الملاءة. الامل الوحيد بالفترة المقبلة هو عودة السياح العرب الى ربوع لبنان بعد رفع الحظر عن سفر السعوديين مما سينعكس إيجابا على لبنان، علما ان الانجاز الإيجابي الوحيد الذي ظهر من قبل الحكومة حاليا هو إقرار خطة الكهرباء.

 

شماس وحملة <فكر بلبنان>!

 

ــ وهل من تحرك من قبل جمعية تجار بيروت؟

– نحن كقطاع خاص لن ننتظر الدولة لكي تتحرك، فكأعضاء جمعية بلغت عامها المئة، بادرنا وأطلقنا الحملة الوطنية لاستنهاض الاقتصاد اللبناني وتبنتها وبسرعة الهيئات الاقتصادية، اما الرعاية المالية فكانت من قبل <بلوم بنك>، والإنطلاقة كانت من قصر بعبدا في 19 اذار/ مارس المنصرم وعنوان الحملة <فكر بلبنان>.

فقد لاحظنا وجود تسرب مالي كبير الى الخارج بمجموعة من القطاعات عن طريق إما السفر والتسوق في الخارج، او تفضيل المنتج الأجنبي على المنتج المحلي، وحتى عن طريق توظيف أجانب، مما يؤدي حكما الى خروج رؤوس أموال طائلة من لبنان، ويساهم في تفاقم الازمة على صعيد ميزان المدفوعات وعلى صعيد العجز في الموازنة، فإرتأينا اطلاق حملة غايتها صرف الأموال بشكل يؤدي الى مردود إيجابي للبنان، فمصرف لبنان لم يعد له أي إمكانية لاجراء هندسات لدعم أي قطاع، كما ان <مؤتمر سيدر> ستكون ثماره مشروطة وامواله ستصرف على البنى التحتية، بينما حملتنا هي عبارة عن مبادرة مواردها متوافرة لدينا، وعلينا تنفيذ هذه المبادرة العاجلة بانتظار ان تتبلور المشاريع الآجلة، فمشروعنا يتمحور حول أربع ركائز:

 – التجارة الداخلية.

– السياحة البينية.

– الصناعة والزراعة الوطنية.

– القوى العاملة اللبنانية.

وأضاف:

– طبعا هذه القوانين واضحة، فنحن على صعيد تجارة التجزئة نصرف في الخارج 5,5 مليارات دولار في الوقت الذي يصرف السياح في لبنان 3,5 مليارات دولار، مما يخلق عجزاً بحوالى ملياري دولار وهو عجز غير منظور، الامر ذاته ينطبق على السياحة والصناعة والزراعة، لذا يجب علينا في المرحلة الراهنة إعطاء الأولوية بالسياحة والصناعة والتجارة لبلدنا وليس للخارج، وذلك من اجل إعادة تكوين قوانا ومواردنا، لاسيما مع نهاية الحرب في سوريا وبدء الاعمار وبدء التنقيب عن النفط والغاز في لبنان حيث سينتعش الاقتصاد من جديد، وبالتالي نكون قد خرجنا من الصعوبات.

وتابع قائلاً:

– لاحظنا كهيئات اقتصادية انه علينا المساهمة في إدارة المرحلة الانتقالية من الوضع البائس الى ضفة الوضع الواعد الذي من الممكن ان يتبلور خلال سنتين، فكل لبناني مطالب بتوجيه انفاقه واستثماره وتوظيفه وبأن يعطي الأفضلية والاولوية للمنتج اللبناني، فالحملة تسير على قدم وساق، وعلى التجار والمنتجين ان يسعوا الى تخفيض الأسعار من اجل جذب المستهلك اللبناني، ومن اجل زيادة الطلب التي ستؤدي حكما الى خلق طلب اخر، مما سينتج عنه اطلاق حلقة فاضلة بإمكانها إعادة اللحمة بين المستهلك اللبناني والتاجر اللبناني، لانه وفي فترة معينة كان هناك نوع من سوء التفاهم بين التاجر والمستهلك اللبناني، ونحن مضطرون للتضحية من اجل إعادة المياه الى مجاريها والحيوية الى الأسواق اللبنانية والاقتصاد اللبناني.

 

عطية والمرحلة الصعبة!

اما رئيس جمعية تجار البترون روك عطية فأكد ان البترون كباقي مناطق لبنان تعاني من الركود الاقتصادي منذ حوالى الأربع سنوات، وأعلمنا بأن عددا لا بأس به من المؤسسات التجارية أعلنت الإفلاس، وهناك عددا لا يستهان به من المحلات التي اطلقت الصرخة واعتمدت مبدأ عصر النفقات علها تتمكن من اجتياز هذه المرحلة الصعبة.

وعن إجراءات الجمعية شدد عطية على كونهم ومنذ عام 2017 وجهوا كتاباً الى وزارة العمل مطالبين بضرورة إقفال عدد لا بأس به من المؤسسات التجارية غير المرخصة والعائدة لتجار سوريين، منها محلات لبيع الهواتف الخليوية، وسوبرماركات، ومحلات <وان دولار>، وصالونات حلاقة، ومحلات لبيع الخضار، وأكد عطية بأن الجهات المعنية ولاسيما المحلية تحركت وأقفلت هذه المحلات، ولكن هذه المحلات ما لبثت ان عاودت نشاطها عن طريق التغطية غير المشروعة من قبل اللبنانيين أصحاب المحال التجارية لأرباب عمل سوريين، وتابع عطية قائلا:

– حاليا لم تعد القضية على صلة بموضوع المنافسة غير العادلة ولا هو دفاع عن مصالح تجار المدينة، فالامور باتت اخطر من ذلك وتكمن في احتمال حصول تغيير ديموغرافي، فعندما تعمل عدة عائلات من النازحين ويكون مورد رزقها من مؤسسات يستثمرونها فليس من المنطقي ان يتركوا مصدر رزقهم ويعودوا الى بلادهم! وقد سبق ان وقف البعض ضد مشروع المنطقة الاقتصادية الحرة المنوي انشاؤها في وسط البترون خوفاً من التغيير الديموغرافي على أساس ان العمال والقوة المشغلة للمشروع سيكونون من الأجانب، فأليس ما يحصل

حاليا في البترون من تأسيس لمصالح يشغلها نازحون بداية لذلك الخطر؟

ــ ما الحل؟

 – لا بد من السعي لتشجيع الصناعة الوطنية ومقاطعة السلع الداخلة الى لبنان عن طريق التهريب، وهنا لا بد من ان تشدد الدولة الرقابة لمنع التهريب، كما يفترض أيضا منع المنافسة غير المشروعة ويجب إعطاء صلاحيات اكثر للبلديات من اجل ضبط الأمور.

 

الجميل والمزاحمة غير المشروعة!

 

بدوره رئيس جمعية تجار جبل لبنان نسيب الجميل شدد على أننا وفي كل المناطق اللبنانية نمر بأزمة اقتصادية خانقة، أزمة بدأت تداعياتها تظهر لجهة إقفال وتصفية العديد من المحال التجارية، والسبب الرئيسي لهذه الازمة هو الركود الإقتصادي الناتج عن المزاحمة غير المشروعة، وعن إغراق السوق بسلع اجنبية وبالتحديد سورية، ناهيك عن عمليات التهريب للبضاعة…. كما أن المواطن بات للأسف يشجع البضاعة الأجنبية ويفضلها على البضاعة الوطنية بسبب رخص سعرها، مما جعل العديد يعاني من تداعيات انخفاض النمو المترافق للأسف مع ركود اقتصادي ومزاحمة غير مشروعة.

وشدد الجميل على أن جمعية تجار جبل لبنان ليس بإمكانها اتخاذ حلول جذرية بل إنها تلفت النظر الى المشكلة وأسبابها وتداعياتها، ونحن قد قمنا بواجبنا وطالبنا الجهات المعنية بضرورة معالجة الأزمة، لذا المطلوب حاليا من دولتنا الموقرة ومن الجهات المسؤولة اتخاذ اجراءات جذرية وتنفيذ فوري للسياسات الحمائية لمنع الإغراق ومنع المنافسة غير المشروعة، فالوضع لم يعد يحتمل. ونوه الجميل ان هناك حوالى 4 بالمئة من المحلات التجارية أعلنت الاقفال منذ اشهر، والمتوقع أيضا في حال استمرت الأمور على ما هي عليه ان ترتفع نسبة الاقفال الى 8 بالمئة.