25 November,2020

الأحزاب في لعبة التسويات.. والحكومة مؤجلة

بقلم علي الحسيني

السيد حسن نصر الله..لا تعطيل من قبلنا.

جاءت العقوبات الأميركية على رئيس “التيّار الوطني الحر” النائب جبران باسيل، لتضع حداً للإندفاعة الحكومية ولتُعيدها ربما الى الثلاّجة بانتظار ما ستؤول اليه المباحثات في القضية التي تحوّلت الى رأي عام لبناني، في المدى المنظور. ويبقى السؤال المطروح، حول كيفية تعاطي الأفرقاء السياسيين جميعهم من الآن وصاعداً مع عملية التأليف، وما إذا كان ما حصل سيُسهّل ويُسرّع العملية، أم ان البعض سيقتنصها فرصة لتحسين شروطه وتعزيز مطالبه.

“حزب الله” يُسهّل التأليف

 لم يعد “حزب الله” العائق الأساس في عمليات تشكيل الحكومات في لبنان، هذا أقلّه في العلن. ففي السنوات الأربع يظهر “الحزب” نفسه كمسهّل لقيام أي حكومة شرط الإتفاق على اسم الرئيس المكلّف، وهو وإن بدت لديه اعتراضات أو مآخذ على بعض الأمور، فهناك على الدوام من ينوب عنه في عملية “التصحيح” أو تحديد الشروط، وبما أن التسويات في لبنان هي ركن أساسي خلال تأليف الحكومات، غالباً ما ينجح “الحزب” في الحصول على مطالبه، تاركاً للآخرين فضّ نزاعاتهم وتقاسم الحقائب.

من عجائب الدنيا السبع ان يتحوّل الصراع السياسي وما هو أبعد من سياسي بين “حزب الله” وتيّار “المستقبل”، إلى حالة من الاستقرار والتهدئة تعكسها التسهيلات والمغريات التي يُقدّمها الأول للثاني في كل مرّة تقف فيها البلاد على عتبة تأليف الحكومة، وهذا أقلّه ما ظهر خلال السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة. وربّما الجميع يذكر “لبن العصفور” الذي قدّمه الرئيس نبيه بري للرئيس سعد الحريري، والذي لم يكن ليحصل عليه من دون موافقة حليفه الشيعي.

..والحريري لا ينفي ربط النزاع

 خلال إطلالاته الأخيرة لم ينفِ الرئيس الحريري ربط النزاع

الرئيس سعد الحريري..هل المطلوب إحراجه؟

الحاصل بينه وبين “حزب الله” لما له من مصلحة وطنية بالدرجة الأولى، وثانياً تأكيده في كل مرّة على نبذ العداء مع أي طرف داخلي، بدليل عدم ممانعته الجلوس مع “الحزب ” على طاولة حوار برعاية رئيس المجلس، والتي فعلاً ساهمت إلى حد بعيد في امتصاص الاحتقان الذي كان بلغ مستويات غير مسبوقة، على خلفيّة مواقف كلا الطرفين من الحرب في سوريا.

قد تكون مسايرة “حزب الله” للحريري في عدد من المواقف، ناجمة عن البعد الوطني الذي يحمله الرجل في مواقفه بالإضافة إلى التأييد الداخلي والخارجي له، خصوصاً وأن “الحزب” أحوج إلى خيمة وطنية يتظلّل تحتها في هذه الظروف الصعبة التي يمرّ بها، والتي تتطلّب منه أيضاً، إثبات حسن نياته في المسائل والاستحقاقات الصعبة والمهمة، وأبرزها الجوانب المتعلقة بتأليف الحكومة. وهذا فعلاً ما يُلاحظه البعض لجهة التسهيلات التي يُقدمها “الحزب” في عملية التشكيل، بعد أن كان من أكثر المتشددين مع الرئيس حسّان دياب خصوصاً في موضوع تأليف حكومة من اختصاصيين.

مصادر مستقلة ترى أن ثمّة محاولة من “حزب الله” والرئيس الحريري على حد سواء، للتعايش ضمن أسس جديدة تقوم أوّلاً على عدم تعطيل “الحزب” للإصلاحات التي ينوي الحريري القيام بها في حكومته ولا حتّى مساندة أي فريق على حساب هذه الاصلاحات، مقابل تأكيد الحريري على هويّة الحزب اللبنانية، مع ضمانة عدم الاقتراب من سلاح “المقاومة” وحصر هذا البند بالنقاشات الداخلية.

صفقة أم تسوية.. أم إنحياز؟

الرئيس نبيه بري..لبن العصفور لم يعد باليد.

هل هي صفقة ام تسوية؟ تُجيب مصادر سياسية بارزة: لا، بل هذا أمر واقع وكل النقاشات السابقة والتدخلات الخارجية، لم تصل إلى أمر حاسم في موضوع السلاح على الرغم من المنطق الذي يقول بحصرية السلاح بيد الدولة. وأيضاً لا نستطيع التعامي أو التغاضي عن أن أي عملية إصلاحية في البلد أو تثبيت عامل الاستقرار الأمني والاجتماعي والمالي والاقتصادي، لا يُمكن أن تتم من دون مشاركة “حزب الله”. لذلك فإن المصلحة الوطنية تقتضي تسوية أو صفقة كهذه، شرط أن لا تنسحب نحو المحاصصة وتوزيع المكاسب في إدارات الدولة.

بطبيعة الحال، فإن “حزب الله” ينحاز بشكل واضح وصريح الى رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس “التيّار الوطني الحر” النائب جبران باسيل خصم الرئيس الحريري، لكن هذا لا يعني على الإطلاق أن الأوّل سيؤازر حليفه “البرتقالي” في السرّاء والضرّاء خصوصاً بعد “النقزة” أو “الندب” التي خلّفها استهداف باسيل لدى “الأصفر” عندما راح يُساير الأميركي ويغمز من قناة “قدس الأقداس” أي سلاح “المقاومة”.

الإنعكاسات بين الداخل والخارج

 

جبران باسيل..المنشغل بنفسه.

بحسب جميع الأفرقاء سواء من هم في السلطة او خارجها، يُجمعون على أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون الاولوية للحكومية، وخصوصاً تلك التي يعمل الرئيس المكلف على تشكيلها اضافة الى العودة لمفاوضة صندوق النقد، وإعادة الزيارات المنوي القيام بها على رأس وفد وزاري يضم رجال مال واعمال لعدد من الدول العربية الشقيقة والصديقة لحضها على دعم لبنان وتقديم المساعدات المالية والعينية العاجلة للبنان لتمكينه من النهوض وعدم تركه وحيداً يتخبط في ما يعانيه من ازمات ومشكلات بدأت تطال مكوناته وتنسحب على مفاصله كافة .

لكن في المقابل، فإن جهات سياسية كثيرة، داخلية وخارجية تبدي خشيتها من أن يؤدي الامعان في إغراق المسار الحكومي في حرب المطالب والمطالب المضادة إلى الاجهاز التام على المبادرة الفرنسية خصوصاً وأن البعض وضع العقوبات على باسيل في هذا المسار، هذا بالإضافة إلى أن فًرص إعادة الحكومة إلى الحياة تبدو ضئيلة على وقع إنشغال عرابها الفرنسي بمحاربة التطرف الاسلامي والارهاب الذي عاد يفتك بالقارة العجوز، ما يشكل خطراً كبيراً على القيم الانسانية والديموقراطية التي ترفع رايتها.

“القوات”: هذا هو المطلوب.. وإلا الاعتذار

سمير جعجع..نحن على حق.

 وفي أكثر من مكان، بدا واضحاً أن آفة المحاصصة وتقاسم السلطة، حالا دون استفادة لبنان من مبادرة الرئيس ايمانويل ماكرون الإنقاذية، مع العلم انه حتى الحماسة الفرنسية تجاه لبنان لم تعد كما كانت عليه بعيد انفجار مرفأ بيروت، بل همدت نتيجة انشغال السلطة الفرنسية بالتصدي للاعتداءات الإرهابية وبمعالجة تفشي فيروس كورونا على أراضيها. وهنا يؤكد مصدر في حزب “القوّات اللبنانية” أن المطلوب اليوم قبل الغد، حكومة توحي بالثقة للشعب اللبناني ولصندوق النقد الدولي وللدول المانحة في مؤتمر سيدر، حكومة مستقلين أصحاب اختصاص، لا تتأثر بالتجاذبات السياسية.

ويقول المصدر: ما يدعو للأسف هو ان القيمين على تأليف الحكومة بدءاً برئيس الجمهورية مروراً بالرئيس المكلف وصولاً الى الطبقة الحاكمة، يتصرفون وكأن لبنان يعيش ترفاً اقتصادياً ونقدياً ورفاهية على كل الصعد والمستويات، فيما الشعب اللبناني يئن تحت حافة الفقر وقد حولته الطبقة الحاكمة الى شعب يستعطي مساعدات تعليمية وتموينية. والمؤسف أيضاً، أن من يشكل الحكومة، هي الأحزاب من خلال فرضها على الرئيس المكلف، أطماعها ورغباتها خلافاً للآلية الدستورية.

وختم المصدر: فالقوات اللبنانية لم تسم الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة، ليقينها مسبقاً بأنه سيتكلف مثقلاً بشروط السلطة الحاكمة، أما وقد اختلط الحابل بالنابل في مسار التأليف، على رئيس الدولة والرئيس المكلف أن يعيا مخاطر المرحلة، ويقلبا انطلاقاً من مسؤوليتهما عن مصير لبنان واللبنانيين، الطاولة على الاجندات السياسية، ويتفقا على حكومة متحررة من التأثيرات الحزبية والسياسية. لذلك، فإن الاعتذار عن التأليف أفضل من تشكيل حكومة خاضعة لمشيئة السياسيين، فحكومة مستنسخة عن سابقاتها، يعني المزيد من الويلات والخراب.