28 September,2020

الأجواء اللبنانية الحامية.. بانتظار لحظة عبور ”صفقة ترامب“!

 

بقلم علي الحسيني

بعد أقل من 48 ساعة على خطاب الرئيس الأميركي <دونالد ترامب> الذي تضمن اعلان <صفقة القرن> وتحديداً البند المتعلق بمزارع شبعا ونزع لبنانيتها، شهدت الحدود اللبنانية ــ الإسرائيلية استنفارات في صفوف الجيش الاسرائيلي وحزب الله الأمر الذي طرح علامات استفهام حول التوقيت وما اذا كانت هناك نيات تصعيدية في المنطقة. والأبرز في هذا التطور المُفاجئ ربما هو ما كشفت عنه مصادر أمنية بأن أسباب الاستنفار تعود لمناورات عسكرية يُجريها الجيش الاسرائيلي في الجولان السوري المحتل وفي مزارع شبعا وذلك قبيل الانتخابات النيابية الاسرائيلية والرئاسية الأميركية.

 

<الصفقة> لن تمر فوق مزارع شبعا!

لا يبدو أن <صفقة القرن> وخصوصاً البند المتعلق بمزارع شبعا ستمر مرور الكرام فوق سماء لبنان الذي يُعارض هذه الصفقة على اعتبار انها تؤدي الى توطين الفلسطينيين على ارضه وتستهدف القرار الدولي 194 الذي ينص على حق هؤلاء في العودة إلى ديارهم، من هنا يتبيّن أن المناورات الحربية ربما تحمل رسائل عدة من تل ابيب لكل من حزب الله وحركة <حماس> و<الجهاد الاسلامي> استعداداً لما هو قادم في الفترة المقبلة خصوصاً في ظل كلام يتردد في الكواليس السياسية في المنطقة من أن ايران وحلفاءها لن يترددوا بالقيام برد فعل على خطة <ترامب>، وربما ظهرت هذه النيات خلال الأيام القليلة الماضية إذ كشفت مصادر لــ<الأفكار> أن الولايات المتحدة الأميركية طلبت من جميع وحداتها المنتشرة في سوريا والعراق بضرورة التنبه من احتمال قيام مجموعة تابعة لـ<الحشد الشعبي> وحزب الله باستهداف نقاط عسكرية أميركية، الأمر الذي اضطر هذه القوّات الى اخلاء مجموعة نقاط لساعات طويلة.

وفي موازاة الاستنفار الحدودي، تراقب دوريات لقوات <اليونيفل> والجيش اللبناني الخط الازرق حيث تسجل تحركات غير اعتيادية لجيش الاحتلال، فضلاً عن تحليق للطيران الحربي الاسرائيلي فوق الاجواء الجنوبية وخلال الليل مع طائرات مسيرة معادية ايضاً. وفي ظل هذا التوتر المستجد يُصرّ لبنان على مطالبة الأمم المتحدة القيام بعملية ترسيم للحدود البريّة والبحرية بينه وبين الأراضي الفلسطينية التي تحتلّها <إسرائيل، لكي يحفظ حقّه في أرضه وبحره، أي في المنطقة الاقتصادية الخالصة، وذلك منعاً لتطبيق <صفقة القرن> على حساب الأراضي اللبنانية. وهنا تكشف مصادر عسكرية لــ<الأفكار> أن نزع هوية مزارع شبعا اللبنانية، إنما المقصود منه انتفاء أسباب وجود سلاح حزب الله وبالتالي الضغط عليه في المرحلة المقبلة بهدف تسليمه الى الدولة اللبنانية وجعله تحت إمرة الجيش اللبناني، وإلا سيكون أي تحرك للحزب ضمن المزارع، هو بمنزلة اعتداء على السيادة الاسرائيلية.

أجواء حامية تلوح في أفق المنطقة!

ثمة أراء تعتبر أن سيادة لبنان على مزارع شبعا، ليست مُثبتة بالوثائق الموجودة لدى الأمم المتحدة. وأن لبنان يحتاج إلى عملية ترسيم لحدوده مع سوريا في هذه المنطقة. وفي حال عدم تَوافر إمكان الترسيم على الأرض بسبب وجود الاحتلال الإسرائيلي، يمكن إذ ذاك القيام بالترسيم على الورق، أو تسليم السلطات السورية لبنان والأمم المتحدة وثيقة تثبت لبنانية المزارع، وهذا الأمر كانت امتنعت القيادة السورية عن القيام به بهدف الإمساك بلبنان في إطار وحدة المسار والمصير، وإبقاء الذريعة لسلاح حزب الله، واكتفت ببعض التصريحات الإعلامية التي لا تقدم ولا تؤخر في هذا الموضوع. لكن من جهة أخرى، لا يغيب عن بال أحد كيف جاء رد حزب الله على غارة القنيطرة في العام 2015 التي أودت بحياة جنرال من الحرس الثوري الايراني و6 من عناصر الحزب، وذلك في عملية نوعية نفذها في مزارع شبعا كان الهدف منها تأكيد <الحزب> على لبنانية المزارع.

إذاً، هي أجواء حامية وصعبة تلوح في أفق الجولان المُحتل ومزارع شبعا اللذين الحقهما <ترامب> تحت السيادة الإسرائيلية، وتشي هذه الاجواء بقلب الأمور في المنطقة رأساً على عقب وربما الذهاب نحو ما هو أبعد من مجرد إعلان مقاومة في هذه المنطقة. فمحور <المقاومة> الذي تحدث باسمه منذ فترة السيد حسن نصر الله معلناً أن القرارات والمؤسسات الدولية ليست قادرة على حماية أي حق من حقوق الشعوب بما فيها استعادة أرض محتلة، وأن الحل الوحيد هو المقاومة، قد يجد نفسه أمام احتمال وحيد هو المواجهة المباشرة مع الأميركي والاسرائيلي خصوصاً في ظل عملية القضم العسكرية والسياسية التي تنفذها الولايات المتحدة في المنطقة والتي تبدو ايران أكثر الجهات المتضررة منها، وما اغتيال قائد <فيلق القدس> السابق قاسم سليماني سوى خطوة على طريق تنفيذ هذه السياسة.

المزارع لبنانية حتى النخاع!

 

السجال الحاصل اليوم حول <لبننة> مزارع شبعا و<سورنتها> على خلفية قرارات <ترامب>، تكشف المعطيات والمراجع أن المزارع لا تقع على الإطلاق في الجولان إنما في حاصبيا اللبنانية وذلك وفقاً للقانون الإداري العثماني وضمن خريطة <لبنان الكبير> الصادرة في العام 1920، ويُضاف إلى المزارع مجموعة مناطق لبنانية تقع حتى اليوم ضمن الاحتلال الإسرائيلي، موضحة أن الجولان مصطلح إداري وجغرافي له أهله وسكانه وهو ضمن الأراضي السورية مساحته 1800 كلم ويضم 150 قرية.

وتؤكد المعطيات أن هناك ترسيم حدود بين لبنان وسوريا موقعاً من قاضيين عقاريين لبناني وسوري. كما أن الجولان يخضع للقرار 242 بينما مزارع شبعا تخضع للقرار 425 الذي يُشير إلى انسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية. وللتذكير، فعندما تم ترسيم الخط الأزرق الفاصل، تحفّظ لبنان على خلفية أن المزارع لبنانية ولم تُستعاد حتى الساعة خصوصاً أن الترسيم تناسى بلدة اسمها <النخيلة> وهي من القرى اللبنانية الأخيرة التي تربط مزارع شبعا بالجولان وذلك على مساحة اسمها <وادي العسل>. وكل من يؤكد لبنانية المزارع، يدعو جميع وسائل الاعلام إلى التنبه من اللغط الحاصل حول هوية مزارع شبعا خصوصاً أن معظم ما يصدر يصب باتجاه وضعها ضمن الجغرافية السورية ولن يكون آخرها قرارات <ترامب>. وهذا يُعتبر بمنزلة تنازل لبنان عن أرضه.

وترى الأوساط نفسها أننا كلبنانيين لسنا بمعنيين بالمساحات المُحتلة داخل الجولان وطنياً، أما عقارياً أو إدارياً، فهذا شأن سوري خاص. ويجب التنبه إلى أن ثمة محاولة جرت في السابق في زمن الترسيم، للالتفاف على الأراضي اللبنانية وذلك بجملة تقول <الانسحاب من أراض محتلة>، بينما الصحيح هو <الانسحاب من الأراضي المحتلة>. بمعنى أدق، هم حاولوا أن يأكلوا ال التعريف لكي يأكلوا الأراضي اللبنانية.

 وفي السياق نفسه تشير مصادر عسكرية الى أن الدولة السورية تمارس لعبة مزدوجة، فمن جهة تحجم عن وضع محضر مع الحكومة اللبنانية تؤكد فيه لبنانية المزارع وقرية النخيلة، وبالمقابل هناك تصاريح عديدة لمسؤولين سوريين تؤكد على لبنانية المزارع دون ذكر لقرية <النخيلة>، مشددة على أن حقوق لبنان واضحة في القانون الدولي وهناك قرارات دولية. فالمقاومة ليست فقط بالسلاح بل أيضاً هي ديبلوماسية، لذلك تخوض الحكومة اللبنانية مواجهة مع إسرائيل عبر الأمم المتحدة

حزب الله.. الرهان على الصواريخ!

بالنسبة الى حزب الله فقد عبّر عضو المجلس المركزي في <الحزب> الشيخ نبيل قاووق، أن لبنان في طليعة المتضررين من صفقة القرن، وذلك من خلال فرضها للتوطين الفلسطيني، وأكثر من ذلك التوطين للسوريين أيضاً. وأضاف قاووق: إن ما يُسمى بالمجتمع الدولي لا يريد للفلسطينيين أو السوريين أن يغادروا لبنان وعليه فإن لبنان أول المتضررين، لأن صفقة القرن تعني اعترافاً أميركياً باحتلال إسرائيل لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا. ولفت إلى أن الرهان ليس على اجتماعات الرؤساء والوزراء العرب ولا على عدالة المجتمع الدولي ولا القرارات الدولية فالرهان على استراتيجية المقاومة، فالمقاومة باتت تملك من الصواريخ التي تحاصر فيها الكيان الإسرائيلي، وهذا من أهم إنجازات الشهيد القائد الحاج قاسم سليماني الذي نجح بأن يُحاصر هذا الكيان بالصواريخ الدقيقة.

إذاً، فإن الاستعداد لمواجهة كل هذه المخاطر يتلخّص باللقاءات التي يعقدها السيد نصرالله تباعاً مع مسؤولي المناطق وقادة وكوادر في <الحزب> يتم خلالها نقاشات حول المرحلة المقبلة وكيفيّة التعاطي والتكيّف معها وسط توقعات بمزيد من العقوبات والحصار لمحور المقاومة. مصادر متابعة أكدت لـ<الافكار> حصول اللقاء وهو الثاني في أقل من شهرين، الأمر الذي لا بد من التوقف عنده لما يترتب عليه من خطوات استباقية لناحية الجهوزية التامة على الصعد كافة. وتكشف أن اللقاءات تأتي في سياق التوجهات التي أراد نصر الله وضع حزبه فيها وأبرزها الإبقاء على جهوزية تامة وسط معلومات تشي بإمكانية قيام إسرائيل بعمل ما انطلاقاً من الحدود اللبنانية الإسرائيلية، لكن وسط التشديد على ضبط النفس في المناطق الحدودية وعدم الانجرار إلى فتح إشكالات رداً على عمليات استفزاز يُمكن أن يلجأ اليها العدو الإسرائيلي.

حطيط: لبنان مطالب بتثبيت هوية المزارع!

الباحث في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية العميد المتقاعد أمين حطيط يرى بأن الخطر يكمن في أدبيات الإدارة الأميركية تجاه المزارع، فالأمم المتحدة تقرّ بلبنانية مزارع شبعا، لكنها تقرنها بالجولان بناء على التبعية العملانية، كما أن الأدبيات السياسية الإسرائيلية تنصّ على التعامل مع المزارع على أنها مكمّل للجولان. ويؤكد أن الدولة اللبنانية مطالبة بجملة من الإجراءات، في مقدمها المطالبة بتنفيذ ما كُلفت به الأمم المتحدة عام 2006 عندما صدر القرار 1701 والبحث عن حل لقضية مزارع شبعا بالطرق السلمية، وعلى لبنان أن يؤكد حقّه في تحرير مزارع شبعا بأي وسيلة متاحة، بما في ذلك المقاومة الميدانية، إضافة إلى رفض أي حل أو بحث للنقاش حول مزارع شبعا من حيث الهوية أو التبعية والتمسك بأنها منفصلة كلياً في التسمية والارتباط القانوني عن الجولان السوري المحتل.

ويرى حطيط أن صفقة القرن نوع من المغامرات غير المحسوبة العوائق والنتائج وغير المستجمعة الشروط للنجاح، وهي أقرب الى المغامرة المقامرة منها الى مشروع حلّ، لانها تفتقد الى اي عنصر من عناصر النجاح الأكيد، فدائماً نرى ان اي عرض لحل تسوية او حل نزاع يمكن ان يقارب من زاوية ضمن زاويتين، اما من زاوية الشرعية القانونية واما من زاوية القوة التي تفرض نفسها، فمن ناحية الشرعية القانونية ان هذه الصفقة تفتقد كلياً لاي شيء من عناصر الشرعية الدولية وليس فيها شيء شرعي، اما من ناحية القوة المادية فمن المعلوم ان هذه الخطة يرفضها محور المقاومة الذي يمتلك القدرات الهائلة على الارض والتي تمنع فرض القرار الاميركي بالقوة، ولو كان الاميركي والاسرائيلي يستطيعان فرض نفسيهما في الميدان لما كانا يستجديان ويستغيثان بالحرب الاقتصادية والتضييق على مكونات محور المقاومة.