3 August,2020

اجتماع بعبدا وضع مرتكزات المعالجة الاقتصادية والمالية لكن عدم التزام الأقطاب يجعله فرصة ضائعة!

قد تكون القرارات التي صدرت عن الاجتماع الذي عقد في قصر بعبدا يوم الاثنين الماضي بدعوة من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، مهمة وتعتبر الركيزة الأساسية للاصلاحات الاقتصادية المرتقبة قبيل إصدار مؤسسات التصنيف الدولية رأيها في درجة تصنيف لبنان، إلا ان ما قيل في هذا الاجتماع الذي حضره رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، ورؤساء الأحزاب والكتل النيابية، يبقى الأبرز على صعيد توصيف الأوضاع الاقتصادية والمالية في البلاد التي لم تبدو منفصلة عن الواقع السياسي الراهن والخلافات بين عدد من الأقطاب والتي تتمدد لتصل الى القاعدة. وفيما يلتقي جميع الذين شاركوا في اجتماع بعبدا، على ان العبرة تبقى في تنفيذ الأفكار والاقتراحات التي وضعت، والتوصيات التي أطلقت، إلا ان الثابت ان مداولات هذا الاجتماع أفسحت في المجال أمام عملية نقد ذاتية للواقع الراهن في البلاد من دون أن تكون لها أي مفاعيل دستورية، فظلت دعوة رئيس <القوات اللبنانية> الدكتور سمير جعجع الى استقالة الحكومة وتشكيل حكومة تكنوقراط تتولى تصحيح الاعوجاج السائد في البلاد، والتي كان سبقه الى طرحها رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل قبل الاجتماع وخلاله وبعده، من دون صدى ما يعني ان التسوية السياسية التي رست في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2016 لا تزال حية ترزق، وتنتهك من أجل بقائها حية، كل المقاييس والمعايير والقواعد.

لقد تفاوتت ردود الفعل على النقاط التي تم الاتفاق عليها في اجتماع بعبدا، بين مؤيد من دون تحفظ، ومعارض من دون مسايرة، وبينهما استقر المترددون الذين أدركوا دقة الموقف ففضلوا اعطاء فرصة اضافية وإن كانوا سجلوا ملاحظات على بعض النقاط محتفظين لأنفسهم بحق مناقشتها عندما تصل الى مجلس الوزراء، فيما اكتفى الرئيس بري بالتعهد بأن تتسارع وتيرة درس مجلس النواب لمشاريع القوانين التي ترسلها الحكومة ترجمة لاجتماع بعبدا، لاسيما وان موازنة العام 2020 تشكل الامتحان الأول، لا بل الأبرز، لمدى تجاوب السياسيين مع الأفكار الاصلاحية والعمل بالتالي على ترجمته على أرض الواقع. إلا ان المواقف السياسية التي طرحت داخل القاعة لم تقدم ولم تؤخر على صعيد اقرار ورقة العمل الاقتصادية التي أعدها خبراء يمثلون كل التيارات، على ان يرأس الرئيس سعد الحريري لجنة وزارية لدرس البنود التي ظلت عالقة واقتراح اللازم لها تمهيداً لعرضها على مجلس الوزراء ووفق الآلية الدستورية المعتمدة. وبدا استطراداً ان القيادات التي دُعيت الى بعبدا لتأمين الغطاء السياسي <للقرارات الصعبة> التي كان من المفترض أن تصدر بعد الاجتماع، حضرت لتضخ كميات من <التنظير> والملاحظات والآراء التي تتردد يومياً عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.

وفيما عكس الرئيس عون ارتياحاً للمداولات التي تمت في اجتماع بعبدا مشدداً على ضرورة الالتزام بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، اعتبر الرئيس الحريري انه لا بد من اتخاذ قرارات موجعة الآن لحماية البلاد في المستقبل خصوصاً ان المهلة التي أعطتها مؤسسات التصنيف الدولية تنتهي بعد ستة أشهر، الأمر الذي يفرض مواكبة حالة الطوارئ الاقتصادية التي تم الاتفاق على اعلانها وبهدف تحقيق ما اتفق عليه في الاجتماع الاقتصادي الذي عقد في قصر بعبدا في 9 آب (أغسطس) الماضي قبل ساعات من <لقاء المصارحة والمصالحة> بين الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ورئيس <الحزب الديموقراطي اللبناني> النائب طلال ارسلان. ولعل تشديد الرئيس بري خلال النقاش على ضرورة اعلان حالة الطوارئ الاقتصادية خير دليل على ما ينتظر لبنان في الآتي من الأيام إذا لم يطرأ أي تحسن على الوضعين المالي والاقتصادي من خلال الاجراءات المتخذة أو تلك التي يفترض أن يقرها مجلس النواب، بالتزامن مع قرارات أخرى تصدر عن مجلس الوزراء.

 

وقائع وأرقام مقلقة!

 

وبالعودة الى وقائع اجتماع بعبدا، الذي كشف أحد الوزراء المشاركين فيه ان كلاماً كثيراً قيل <من دون قفازات> بهدف وضع القياديين السياسيين أمام مسؤولياتهم الوطنية، وإشراكهم في كل ما يصدر من قرارات مع تمنٍ بالدفاع عنها، تبدو الصورة اكثر تشاؤماً ومصدراً للقلق الجدي. فحاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي كان أول المتكلمين بعد الكلمة الافتتاحية لرئيس الجمهورية رسم صورة <واقعية> كان ينبغي أن يعرفها السياسيون لاسيما أولئك الذين يكثرون من تحميل غيرهم المسؤولية، فيما هذه المسؤولية مشتركة وعمرها من عمر استقلال لبنان وفي كل مرة كانت تؤجل المعالجات. فالحاكم سلامة سجل تراجعاً في التحويلات نحو لبنان، لافتاً الى ان ارتفاع الأسهم استنزف العملات الأجنبية من لبنان، مؤكداً ان عجز ميزان المدفوعات وصل الى 5 مليارات و300 ألف دولار في الأشهر السبعة الأولى من السنة، وهذه هي المرة الأولى التي يحصل فيها هذا النهج لجهة الإعلان دورياً عن التطورات المالية والعوائق أمامها. وبدا واضحاً من كلام الحاكم ان الضغط على السيولة ولّد ارتفاعاً في الفوائد في الأسواق المالية بلغت نسبته 3 بالمئة مقارنة لتلك التي سجلت في العام 2017. وفي موقف شكل <صدمة> للحاضرين، قال سلامة ان مصرف لبنان بات يحمل 53 بالمئة من الدين العام بالليرة اللبنانية و11 بالمئة بالعملات الأجنبية. كاشفاً عن ارتفاع بالدولرة، مشدداً على ان التسليفات تراجعت خلال 12 شهراً والنمو بات دون الصفر، في وقت ارتفع فيه العجز والمديونية وهو ما سيحدث أزمة تؤثر على الثقة بالقطاع الاقتصادي في لبنان. وكانت <نصيحة> الحاكم بضرورة إجراء اصلاحات مالية واقتصادية لإحداث صدمة للأسواق.

وضع الخزينة <على الحافة>!

 

وما لم يقله الحاكم، قاله وزير المال علي حسن خليل الذي رسم صورة رمادية قاتمة عندما قال ان لا قدرة على تلبية حاجات الدولة، لا من العملة اللبنانية والعملة الأجنبية. لقد انكفأت المصارف ــ أضاف الوزير خليل ــ عن تلبية حاجات الدولة واستحقاقاتها كما كان يحصل سابقاً، <الأمر الذي دفع بالحاكم سلامة الى اعتماد استراتيجية جديدة لضبط الأسواق، وبرزت أزمة تمويل الدولة وبتنا عاجزين عن تلبية حاجات الموازنة خلال الفترة الآتية>. وصارح وزير المال الموجودين بأن وضع الخزينة <على الحافة>، وأن نفقات العام 2019 <عصرت> على نحو بات يصعب <عصرها> أكثر، علماً ان موازنة 2020 موزعة بالنسب كالآتي: 36 بالمئة رواتب وأجور، 35,3 بالمئة خدمة الدين العام، 10 بالمئة نفقات الكهرباء، 8,8 بالمئة نفقات استثمارية، 11,2 بالمئة نفقات جارية، ولن يكون هناك امكانية لأي خفض اضافي. ولم يتردد الوزير خليل في القول إن ضغط مترتبات التقاعد يزداد يوماً بعد يوم، ومعها تزداد تعويضات نهاية الخدمة، مورداً انه تم الاتفاق خلال إعداد موازنة 2019 على أن يكون سقف التعويضات 450 مليار ليرة، إلا ان حتى شهر تموز (يوليو) الماضي ترتبت التزامات بأكثر من 600 مليار ليرة أي بزيادة 150 مليار وهذا يليه تلقائياً زيادة في معاشات التقاعد! ولفت وزير المال الى ضرورة وقف التوظيف كما كان تقرر خلال إعداد موازنة 2019، مورداً ان عدد أفراد الأسلاك العسكرية بات 126 ألف عسكري وعدد العاملين في القطاع التربوي الرسمي بلغ 57 ألف مدرس! وفي لغة الأرقام أيضاً ان حاجات الدولة في التمويل في العام 2020 كبيرة ما يفرض اصدار سندات خزينة بالعملة اللبنانية بقيمة 15751 مليار ليرة، و4864 ملياراً بالعملة الأجنبية.

ويروي الوزير الذي حضر الاجتماع ان صرخة رئيس جمعية المصارف سليم صفير لم تختلف عن صرخات وزير المال والحاكم سلامة وإن كانت من زاوية أخرى إذ قال ان سلة القروض تراجعت 7 مليارات دولار هذه السنة ما يعني ان لا طلب في السوق للاستثمار، وان المصارف منزعجة من زيادة الرسوم عليها والتي بلغت منذ 2017 وحتى 2019 ما مجموعه مليارين و633 مليون دولار، أي أكثر من مليار و200 مليون كل سنة. كذلك تراجعت أرباح المصارف الى مليار دولار، فيما الرسوم ارتفعت من 19 بالمئة الى 50,4 بالمئة في وقت لم تتمكن المصارف من زيادة ودائعها. وفوجئ الحاضرون بدعوة صفير الى المساعدة من خلال عدم زيادة الضرائب على المصارف التي لم تعد تتحمل أكثر، إذ لولا مساعدة مصرف لبنان فلا أرباح في المصارف!

 

الالتزام… أو الضياع!              

ويروي أحد الوزراء الحاضرين ان وزير الاقتصاد منصور بطيش قدم ورقة العمل التي تتضمن اقتراحات لمعالجة الوضعين الاقتصادي والمالي أعدها خبراء على صلة بالأحزاب المشاركة في الحكومة عملوا بإشراف رئيس الجمهورية، تحرك بعدها النقاش السياسي حيث تشعبت المطالب والاقتراحات التي تتكرر دائماً مع مجموعة من <النصائح> التي لا تقدم ولا تؤخر عملياً في معالجة الواقع الاقتصادي المهترئ. ولولا دعوة رئيس <القوات اللبنانية> سمير جعجع ورئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل الى استقالة الحكومة وتشكيل أخرى جديدة لا سياسيين فيها، وعدم موافقة الحاضرين على هذا الطرح، لكان النقاش ظل في الأفكار الاصلاحية التي جمعت لدرسها من قبل لجنة برئاسة الرئيس الحريري والعودة بها الى مجلس الوزراء، على أن يتولى مجلس النواب مناقشة المسائل التي تحتاج الى قوانين.

في أي حال، أفكار كثيرة رميت على طاولة المجتمعين تتطلب دراسة سريعة وغير متسرعة حتى لا يتحول اجتماع قصر بعبدا الى لقاء الفرصة الضائعة، وهذا الأمر مرهون بالتزامين: الأول التزام الأطراف السياسيين بالعمل جدياً على المساعدة لاقرار المقترحات المطروحة لاسيما تلك التي تتطلب <قرارات موجعة>، أما الالتزام الثاني فيتعلق بتطبيق الحكومة الاجراءات الادارية التي تحد من الهدر والفساد والرشوة، واستنسابية القضاء، إضافة الى اعتماد الشفافية في تنفيذ الصفقات والالتزامات ووقف التوظيف وترشيد الانفاق.

فهل يتم ذلك؟ إن غداً لناظره قريب!