28 September,2020

إصلاحات ”سيدر“بين التعجيل والتهويل!

بقلم علي الحسيني

ازداد الحديث في الآونة الاخيرة حول مصير مؤتمر <سيدر> المخصص لدعم لبنان مع غياب الإصلاحات التي كانت وعدت حكومة الرئيس سعد الحريري بتطبيقها والتي لم تُنجز أي منها، خصوصاً وان المطلب الدولي لتحقيق مقررات <سيدر> يتمحور حول ثلاث نقاط أساسية هي: ملف الكهرباء، الإصلاحات في القطاع العام ومحاربة الفساد التي تؤدي جميعها إلى خفض العجز في الموازنة. واليوم ينتظر المجتمع الدولي من حكومة الرئيس حسان دياب الامر نفسه كشرط أساسي لتحقيق المساعدات، وربما هذا ما استدركه دياب وذلك من خلال دعوته إلى اعطاء حكومته فرصة ثلاثة أشهر، للبدء بمجموعة إصلاحات.

 

هل يحل العرب مكان <سيدر>؟

تحدثت بعض المعلومات أخيراً أن الرئيس دياب سوف يبدأ مع بداية هذا الشهر بجولات عدة على بعض الدول العربية والغربية أبرزها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية التي يُحكى وبحسب التسريبات أنها سوف تسعى الى عقد مؤتمر خاص لدعم لبنان في أقرب وقت. وفي هذا السياق تعتبر مصادر سياسية بارزة لـ<الأفكار> أن ما يُطرح من جولات عربية سيقوم بها الرئيس دياب وأيضاً بما يتعلق بالمسعى الإماراتي، ربما هو كتعويض عن <فرملة> سيدر ريثما تتبلور أمور الإصلاحات المطلوبة من الحكومة اللبنانية أياً يكن رئيسها، ويأتي هذا المسعى وسط امتعاض متكرر للرئيس الفرنسي <ايمانويل ماكرون> عبر مبعوثه <بيار دوكان>، من تأخر لبنان في القيام بخطوات جدية في مجال الاصلاحات التي يُطالب بها المجتمع الدولي. وهذا الامر ينطبق أيضاً على البنك الدولي الذي يؤكد التزامه دعم لبنان شرط القيام بإصلاحات وعلى رأسها إصلاح قطاع الكهرباء الذي يستنزف خزينة الدولة.

وللتأكيد على التعويل اللبناني على الدول العربية في موضوع دعم لبنان، كبديل مؤقت عن مؤتمر <سيدر>، فقد كان الرئيس ميشال عون طلب مع بداية السنة الجديدة خلال استقباله السفراء العرب في لبنان، مساعدة الدول العربية للنهوض بالاقتصاد اللبناني، بعد عرضه عليهم الأوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد. وبناء على هذا الطلب، كانت أعلنت جامعة الدول العربية في بيان، عن استعدادها لتقديم المساعدة للبنان، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي، مؤكدة على وقوفها إلى جانب لبنان في هذه الأزمة، ومعربةً عن رغبتها في مساعدته، وقد جاء ذلك خلال لقاء كان جمع نائب الأمين العام للجامعة، حسام زكي، مع رئيس حكومة تصريف الأعمال يومها، سعد الحريري في بيروت.

ونقل زكي يومها رسالة واضحة إلى كل المعنيين في الأزمة اللبنانية مفادها أن الجميع يعلم أن حراك الشارع، وباعتراف كل السياسيين اللبنانيين والقيادات اللبنانية، محق في مطالبه، ولكن حراك الشارع يأتي أيضاً بكلفة اقتصادية تزيد من خطورة الوضع، والأمر كله يحتاج إلى دعم اللبنانيين ولبنان. واليوم يعود الكلام الى موقعه السابق وهو أن المجتمع الدولي كله وعلى رأسه البنك الدولي الذي طالب الحكومة منذ عشرات السنين بالقيام بإصلاحات في هذا القطاع، مُستعد للتمويل بفائدة مُيسرة، إلا أن المصالح الخاصة الضيقة تمنع أي إصلاح في هذا القطاع، وأن المصالح نفسها لم تتوقف مع إنتهاء حكومة الحريري، بل هي مستمرة حتى في ظل وجود حكومة جديدة.

حكومة دياب والإصرار على النجاح!

أصر رئيس الحكومة حسان دياب على إنجاح مهمته التي أوكلت اليه بعد نيل حكومته الثقة وهو حتى اليوم لا ينفك عن البحث حول المخارج التي يُمكن أن تُخرج البلاد من الواقع المأزوم التي ابتلت فيه نتيجة سوء الإدارة التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ العام 2005 حتى اليوم. ولذلك تؤكد مصادر مقربة من رئاسة الحكومة أن دياب يُخصص لقاءات يومية مع مساعديه ومع مسؤولين محليين وشخصيات اقتصادية، للبحث عن المخارج التي يُمكن أن تُسهم باستقرار الوضع المالي والنقدي في لبنان، وما الاجتماع المالي الاقتصادي الذي ترأسه الاسبوع الماضي مع اختصاصيين، سوى دليل واضح على ان الرجل لا يوفر جهداً ولا وقتاً، إلا ويستغله من أجل ضمان الاستقرار المعيشي، وهو كان حذر خلال لقائه الاخير مع ممثلي البنك الدولي وأصحاب المصارف بحضور حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بأن غرق لبنان يعني نهاية الجميع وأن الكل خسران في حال بقيت الامور على حالها.

أبرز تأكيدات دياب، صبت بحسب المصادر بأن مقررات مؤتمر <سيدر> لا تزال قائمة، وأن لبنان يحتاج إلى الإسراع في القيام بالإصلاحات للاستفادة منها، من هنا أكد المجتمعون أن هناك إصلاحات مالية وإدارية يجب المضي فيها للاستفادة من جرعة الدعم البالغة 11 مليار دولار للنهوض بالوضع الاقتصادي والمالي، وللتخفيف من الأعباء المترتبة على الأزمة التي تتفاقم وتضع البلد على حافة الانهيار. وأكدت المصادر ان البيان الوزاري سيلحظ مساحة واسعة للاستقرار الاقتصادي والمالي في لبنان، وستكون هناك مجموعة حلول سوف يُصار الى العمل عليها في أقرب وقت، وسيخصص البيان فقرات تتعلق بعلاقة لبنان مع الدول العربية والتأكيد على العلاقة الأخوية معها، لاسيما أنها النافذة الوحيدة التي يمكن للبنان واللبنانيين ان يطلوا من خلالها على بقية دول المنطقة، من دون ان ننسى المساعدات المتعددة التي تقدمها الدول الشقيقة للبنان.

 

بالأرقام… هكذا توزعت اموال <سيدر>!

جاءت قروض مؤتمر <سيدر> على شكل دفعات، بعضها دفعات متتالية، وبعضها الآخر جاء عن طريق المساهمة بشكل مباشر في العديد من المشاريع التي سينفذها لبنان وفقاً للشروط الدولية التي طُرحت يوم انعقاد المؤتمر في باريس. لكن البارز أن كل هذه المساهمات جاءت عن طريق القروض ولكن الميسرة وبفوائد قليلة جداً. فعلى سبيل المثال قدم البنك الدولي قرض بقيمة 4 مليارات دولار أميركي سيتم تقديمه على مدى 5 سنوات وذلك لتمويل مشاريع استثمارية في لبنان. كما قدم بنك الاستثمار الأوروبي قرضاً بقيمة 800 مليون يورو، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية قدم قرضاً بقيمة 1.1 مليار يورو لمدى 6 سنوات.

كما كان للبنك الإسلامي للتنمية حصة من خلال 750 مليون دولار سيتم تقديمها على مدى 5 سنوات. بالإضافة الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية منح لبنان قرضاً بقيمة 500 مليون دولار. أما حصة الدول الغربية فكانت كالتالي: فرنسا 500 مليون يورو بينها هبات عينية، بريطانيا 130 مليون يورو، الاتحاد الأوروبي 1.5 مليار يورو، إيطاليا 120 مليون يورو، تركيا 200 مليون دولار، بالإضافة إلى هولندا التي قدمت 300 مليون يورو وألمانيا 120 مليون يورو. أما الولايات المتحدة الأميركية فكانت حصتها من القروض حوالى 115 مليون دولار أميركي. أما عربياً فقد منحت المملكة العربية السعودية قرضاً بقيمة مليار دولار أميركي، والكويت منحت قرضاً بقيمة 680 مليون دولار أميركي على مدى 5 سنوات، قطر قدمت للبنان 500 مليون دولار أميركي.

ومقابل كل هذه المساهمات، قدم لبنان برنامجاً اصلاحياً كشرط أساسي للحصول على القروض المانحة من الدول والمنظمات المختلفة ومن أبرز بنوده إصلاح المالية العامة لخفض العجز من 10 بالمئة من الناتج المحلي إلى 5 بالمئة خلال خمس سنوات والتعهد بإصلاح القطاع العام ومكافحة الفساد وتطوير استراتيجية لتنويع القطاعات الاقتصادية والخدماتية. أما بخصوص الاستثمار فقد تعهد لبنان عبر خطة استثمارية بقيمة 17.2 مليار دولار في البنى التحتية سيستمر لعام 2025. بالإضافة إلى زيادة الاستثمار العام والخاص. كما تعهدت الحكومة اللبنانية بإصلاحات داخلية ومشاريع اقتصادية اجتماعية وأهمها مكافحة الفساد الإداري والمالي، تعزيز الحوكمة والمساءلة لاسيما في إدارة المالية العامة، تحديث قواعد استدراج العروض، إصلاح الجمارك، تحسين إدارة الاستثمار العام، دعم جهود مكافحة تبييض الأموال. كما أقرت الحكومة اجراء إصلاحات قطاعات لبنانية أبرزها في الكهرباء والمياه وبدء اعتماد اللامركزية الإدارية بخصوص النفايات المنزلية والصلبة.

المطلوب من الحكومة الجديدة.. التالي!

تذهب كل التحليلات السياسية والمعطوفة على الوضع الاقتصادي والمالي الصعب، باتجاه واحد وهو ان على الحكومة الجديدة أن تسرع خطواتها في ما يتعلق بتطبيق مقررات <سيدر> أي تطبيق الوعود التي أطلقتها للبدء بعملية الاصلاح، وهذا كفيل بإرسال إشارات إيجابية إلى المجتمع الدولي، مفادها أن لبنان بدأ إجراءاته التنفيذية. وحدد في هذا المجال، مشروع قانون الموازنة وتعيين الهيئات الناظمة ووضع خطة الكهرباء موضع التنفيذ، ومكننة الدولة، وإقرار مشروع قانون استراتيجية مكافحة الفساد. ولكن متى يبدأ العمل بهذه الخطوات في ظل المناخ السياسي السائد؟ تُجيب المصادر الحكومية: إن هذه الأمور موضوعة تدريجاً على طاولة مجلس الوزراء، بخاصة تلك التي تحتاج إلى إقرارها من قبل الحكومة. وسنشهد خطوات

عملية في هذا الإطار خلال الاسابيع القليلة المقبلة.

ولكن هل لمس أي استياء أو تذمر من الجانب الفرنسي نتيجة تأخر هذه الخطوات؟ تُجيب المصادر: أن تعطيل مسار تأليف الحكومة أدى إلى هذا التأخير بالإضافة الى المشاكل الكبيرة التي مرت بها حكومة الرئيس الحريري، ولهذا هناك تسريع للمسار اليوم. والأكيد أن المناخ العام جيد ولا إملاءات أو إنذارات بل هناك ورشة عمل سوف تبدأ بشق طريقها في القريب العاجل، وسيلمس اللبنانيون هذا الامر في فترة وجيزة. اما إذا حاول البعض عرقلة مشاريع الحكومة أو تطويق رئيس الحكومة، عندها ستكون المواجهة في العلن، وسيعلن الرئيس دياب وبالأسماء، الجهات التي تمنع لبنان من تحقيق مبتغاه، ليس من <سيدر> فقط، بل من أي دعم يمكن ان يحصل عليه لبنان.

هل توجد لعبة خفية؟

البعض في لبنان يرى، أن ما يُطرح على لبنان أو ما يُعد له سواء في الاقتصاد او السياسة وتحديداً على يد دول أوروبية معروفة الولاء للمشروع الاميركي والإسرائيلي، أن كل هذه الأمور تصب باتجاه واحد وهو استهداف حزب الله من خلال <القوة الناعمة> أو الذبح بـ<القطنة> وذلك تمهيداً لإضعافه بنيوياً، وضرب علاقاته بداعميه، ومحاصرته في الداخل اللبناني، وإثارة بيئته الشعبية عليه، بعد التراخي الكبير الذي أصابت جماهير محور المقاومة في الآونة الأخيرة. من هنا تعتبر مصادر مقربة من حزب الله أن مؤتمر <سيدر> ولو ان الهدف منه معروف بشكل مسبق، إلا ان <الحزب> لم ولن يقف عائقاً أمام تحقيقه ولا توجد أصلاً نية لاستهدافه، ولو ان الأميركي وبعض الدول التي تدور في فلكه وفلك اسرائيل، تُحاول حشر حزب الله في زاوية القرارات الصعبة وتحميله مسؤولية وصول الوضع الاقتصادي والمالي الى هذا الحد، وبالتالي سعي هذه الدول الى إيجاد شرخ بين <الحزب> وبقية اللبنانيين ومنهم أبناء طائفته، من منطلق أن <الحزب> هو الذي يُعرقل تقدم وازدهار لبنان، وهو الذي يمنع عملية الإصلاح فيه.