5 August,2020

أي خيار للعرب بين الخلافة العثمانية وولاية الفقيه الفارسية؟ 

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: الجيش المصري نواة جيش عربي

مسألة تحويل متحف “آيا صوفيا” إلى مسجد تبدو تفصيلاً في المشهد التركي الكبير. من ليبيا إلى شمال العراق مروراً بسوريا لم يعد باستطاعة الأتراك تبرير توسعهم بأنه لحماية أرضهم من حزب العمال الكردي الذي يعتبرونه إرهابياً وانفصالياً. في المقابل تبدو إيران مصممة على تصدير ثورتها الإسلامية خارج حدودها رغم كل الضغوطات التي تتعرض لها. حماية النظام الإيراني المحكوم بمفهوم ولاية الفقيه بدأ من استعداء إسرائيل لإنها الذريعة المثلى للإمعان في التوسع. وكما فقد الأتراك ذريعتهم الكردية في ليبيا وتوضحت توجهاتهم “الإخوانية” فشل الإيرانيون في تبرير دعمهم للحوثيين في اليمن على أنه جزء من الحرب على إسرائيل. لا أكراد في بنغازي ولا صهاينة في صنعاء، كل ما في المسألتين مساحة جغرافية تعطي إيران الفارسية وتركيا العثمانية نفوذاً سياسياً وإقتصادياً أكبر بكثير من حدود دولتيهما.

أردوغان و الحنين إلى العثمنة

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: عثمنة المنطقة مجدداً؟

 منذ أن جاء إلى رئاسة الوزراء عام ٢٠٠٢ ظل “رجب طيب أردوغان” يحاذر التعرض لباني تركيا الحديثة “مصطفى كمال أتاتورك”. مهاجمة “أتاتورك” كانت تعني نهاية ليس فقط مسيرة “أردوغان” السياسية بل ربما كل الشعبية التي حصدها حزبه “العدالة والتنمية” الإسلامي. ولكن بعد أكثر من ١٨ سنة من وصوله إلى السلطة بدأت اليوم “مغامرة” اردوغان ضد إرث “أتاتورك” من خلال حملات إعلامية وخطب دينية تشكك بمآثر الرجل. لا شك أن هناك بين الأتراك من يعتقد أن تغريب “أتاتورك” لتركيا لم يحولها إلى دولة عظمى. بالنسبة إلى هؤلاء، وهم كانوا أقلية، فإن كلام نائب الرئيس العراقي الراحل طارق عزيز صحيح مئة في المئة: “أتاتورك نقل تركيا من أول دولة في الشرق إلى آخر دولة في الغرب”. أما “أردوغان” فهو يتباهى بأنه جعل من تركيا قوة إقتصادية يصل حجم ناتجها المحلي إلى حوالي ٨٠٠ مليار دولار وهو أكبر من الناتج المحلي للنمسا أو للدنمارك أو للسويد أو لبلجيكا أو حتى للنروج النفطية وسويسرا المصرفية المحايدة وأكثر من ثلاثة أضعاف ناتج البرتغال أو اليونان. بالمقياس الإقتصادي وحده يكسب “اردوغان” أمام “أتاتورك”. صحيح أن الأخير يمثل الثقافة التركية الحديثة ومصدر الكبرياء المجتمعي الذي تميز به الأتراك عن سائر المشرق ولكن “اردوغان” معه سلاح الأرقام الإقتصادية والمالية الذي يحاول استثماره لتنصيب نفسه كخليفة جديد في تركيا. مسألة الخلافة العثمانية تدغدغ منذ زمن مشاعر “أردوغان” وها هو اليوم يطرحها على الأتراك كمسار جديد لإنعاش أمجاد السلطنة العثمانية و..مساحة تركيا.

إيران: بوليصة تأمين صينية لنظام ولاية الفقيه

مرشد الثورة الإيرانية السيد علي خامنئي: الصين خير مطلق؟

أصداء الإتفاق الإستراتيجي الإيراني الصيني تملأ الشرق الأوسط بل العالم كله رغم أنه لم يوقع حتى الساعة. أهمية الإتفاق أنه يمتد ٢٥ عاماً وكأن إيران تريد شراء الوقت، عبر الصين، لنظامها المترنح لأن الصين تحصد من الإتفاق كل شيء مقابل استثمارات صينية في إيران كان يمكن أن تحصل من دون كل تلك التنازلات. لا يمكن التصديق أن إيران التي تتباهى بالسيادة وتعتز بقوميتها تقبل بوجود قاعدة عسكرية صينية، أو بآلاف العمال الصينيين في مشاريع عمرانية داخلية مع أن نسبة البطالة في إيران تتخطى العشرة بالمئة، ناهيك عن بيع النفط للصين بأقل بعشرة بالمئة من سعر السوق. كل ذلك بعيد كل البعد عن مفهوم السيادة التي يزايد بها الإيرانيون على كل جيرانهم. هل تريد إيران فقط بوليصة تأمين صينية على نظامها؟ طموح إيران الإقليمي، والمجال الإقتصادي الكبير الذي يفتحه لها نفوذها من لبنان إلى اليمن مروراً بسوريا والعراق إصطدم بالولايات المتحدة، وكان لا بد لإيران أن تلجأ إلى قوة عالمية صاعدة، بل مرجحة أن تصبح القوة الإقتصادية الأولى في العالم قبل ٢٠٣٠، لتضمن لها تحقيق استراتيجيتها الإقليمية.

 

مفاتيح محمد بن سلمان وعبد الفتاح السيسي 

حتى الآن لم تتمكن الولايات المتحدة من لجم إيران أو وقف طموحات تركيا. وإستراتيجية العقوبات لم تأت حتى اليوم بأي نتيجة على الأرض رغم الخناق الكبير الذي يلف النظام الإيراني مالياً وإقتصادياً.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان: مشروع “نيوم” على البحر الأحمر مجسم لخريطة طريق عربية

حتى التلويح بالعقوبات على تركيا بسبب تدخلها في ليبيا لا يبدو أنه سيغير المعادلة هناك. تركيا تضغط على مصر من بوابتها الغربية في ليبيا وإيران تضغط على السعودية من بوابتها الجنوبية في اليمن. أقوى دولتين عربيتين  عسكرياً وإقتصادياً تحت مرمى أحلام التوسع الفارسي والعثماني. كيف يمكن التعامل مع هذا الإمتداد القومي داخل الشرق العربي؟ الإرتماء في أحضان الولايات المتحدة لم يعد هو الحل. فخبرة العرب مع إدارة “اوباما” التي كانت مقتنعة بدور سياسي كبير للإخوان المسلمين وبدور الشرطي للنظام الإيراني في المنطقة ثم مع إدارة “ترامب” التي رغم كل تهديداتها لم تحد الانفلاش الإيراني أو التركي، تؤكد أن الولايات المتحدة ليست في وارد المواجهة مع حليفتها في “الناتو” تركيا أو مع عدوتها في المنطقة إيران. كما أن محاولة دول الخليج أولاً ثم مؤخراً الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الإنفتاح على روسيا لم تغير أي شيء على الأرض. منطق “ما حك جلدك مثل ظفرك” هو أكثر ما يجب أن يلجأ إليه العرب اليوم. من دون إستراتيجية عربية موحدة قوامها الأساس إقتصادي، لن يكون بوسع العرب وضع الحدود للأتراك أو الإيرانيين. كل الكلام الذي يتردد بعد وباء “كورونا” عن الإكتفاء الذاتي الصناعي والزراعي وعن ضرورة إستغلال الموارد الوطنية والإعتماد بأقل قدر ممكن على الخارج يجب أن يتحول إلى إستراتيجية تكامل عربية، أقل من الوحدة ولكن أبعد بكثير من السوق العربية المشتركة. جانب من رؤية الأمير محمد بن سلمان في تكامل سياحي على البحر الأحمر بين السعودية ومصر والأردن يصب في صميم تلك الإستراتيجية. ويمكن البناء على هذا التصور كمثل لتطوير أفكار أخرى مماثلة على مستويات إقتصادية مختلفة. حتى عسكرياً من الواجب تطوير قدرات عربية ذاتية وإستغلال القدرات المصرية الرائدة لذلك. وبدل أن يتقوقع العرب في مشاكلهم الداخلية حان الوقت للتفكير في مشروع تكاملي ليس فقط من أجل صد التغيرات الآتية اليهم رغماً عنهم بل من أجل فتح آفاق مستقبلية مستدامة تضمن لشعوبهم الحد الأدنى من الرخاء.

 


في وجه المشروع  التوسعي التركي والإيراني لم يعد أمام العرب إلا خيار التوحد أو… التفتت.