25 November,2020

 أهل الاقتصاد يقيّمون قرار الإقفال العام  بسبب "كورونا" وتداعياته على البلد

بقلم طوني بشارة

مصانع مهددة بوقف أعمالها بسبب خسائر الإقفال

 القرار اتخذ ودخل لبنان مرحلة يمكن تصنيفها ما بين الإقفال التام والإقفال المجزأ لمدة أسبوعين متتاليين بدءاً من 14 الجاري حتى 30 منه لمكافحة تداعيات فيروس”كورونا” والحد من انتشاره، مما أثار حفيظة العديد من القطاعات الإنتاجية في لبنان.

فبعض الفاعليات بررت الأمر، معتبرة انه ما بين السيئ والأسوأ خُيّر لبنان، فأتخذ القرار الذي أثار نقمة أصحاب المهن الحرة والمياومين ووصفوه بالمجحف بحقهم، معتبرين انه سيؤدي حكماً الى فرملة جزء كبير من الحركة الاقتصادية، وإلحاق الخسائر بأصحاب المهن الحرة كأمر محسوم، ولكن هل ان الاقفال غايته كما يقال تفادي  كارثة صحية بدأت تدقّ الأبواب في حال عدم وضع حدّ لإصابات “كورونا”؟ وهل ان قرار الاقفال كما اتخذ سيؤدي الى نتائج إيجابية؟ وبالتالي ما هو موقف القطاعات الاقتصادية وخبراء الاقتصاد من هكذا قرار وما هي تداعيات الاقفال الاقتصادية؟

  

قصعة والقرار المجحف!

 رئيس جمعية تراخيص الامتياز “الفرانشايز” يحيى قصعة،

يحيى قصعة يصف القرار بالمجحف .

إستغرب الاتجاه العام لدى الدولة بإقفال البلد إقفالاً تاماً دون الاهتمام بوضع الاقتصاد ومصير المؤسسات وعمالها، والخسائر التي تتعرض لها الدولة دون ان تلجأ الى الاتفاق مع المستشفيات الخاصة على توسيع عدد أسرتها ودفع 3 أو 4 ملايين دولار شهرياً تجنباً لجمود الاقتصاد وخسائره، متسائلاً: من يحمي ما تبقى من شركات منتجة في لبنان؟ من يحمي ما تبقى من مصانع؟ من يحمي ويدافع عن ما تبقى من قطاع بيع تجزئة؟ من يحمي لقمة عيش القوى العاملة المنهكة؟ من يدير اقتصادنا والى اين؟.

*- العديد من الدول الاوروبية عمدت الى الاقفال التام وكانت النتائج ايجابية بمكافحة “كورونا”،  فلماذا هذا الاعتراض في لبنان؟

– ان التمثل بدول اوروبية عمدت الى الاقفال التام لا يمكن ان يكون منتجاً اذا لم تلجأ الدولة كما فعلت الدول الاوروبية التي قررت الاقفال الى اعطاء حوافز للقطاع الخاص ودعم عماله، وليس ان يبقى متروكاً يعالج نفسه بنفسه ، خصوصاً وان الاقفال التام سيؤدي الى خسائر جسيمة للقطاعات الاقتصادية وان هذا الاقفال قد يستتبعه اسبوعان آخران. لذلك هناك اعتراض من قبل بعض الصناعيين الذين سيتوجهون الى وزير الصناعة ومن تجار التجزئة الذين لن يتمكنوا من تصدير بضائعهم.

وتابع قصعة قائلاً: اعتبر ان الاهتمام بصحة المواطن واجب وضروري ولكن من يهتم بالاقتصاد الوطني وقطاعاته، واذا كانت نقابة الاطباء تنادي باقفال البلد فإنه مهتم بقطاعه الذي يعمل ولكن من يهتم بالاقتصاد، الدولة التي تتخذ القرار الخاطىء على حساب الاقتصاد المتهالك والعمال الذين اكتووا بنار الانهيار المالي ووباء “كورونا” وانفجار المرفأ. وهنا اؤكد بأن الجمعية اللبنانية لتراخيص الامتياز تؤيد بيان الهيئات والجمعيات والنقابات الاقتصادية التي تخشى من قرار قاتل باغلاق مؤسسات الانتاج والتجارة والمطاعم.

 

..الاقفال العام يؤتى ثماره..شوارع خالية من المارة

*- سابقاً دعت الحكومة الى اقفال جزئي لبعض المناطق للحد من الوباء، ولكن المواطن لم يلتزم فكيف تفسر ذلك؟
-في خضم المعركة لمكافحة الوباء في الفترات السابقة، أوجدت السلطات توازناً دقيقاً بين اجراءات الحد من انتشار الفيروس واستمرار الاقتصاد طوال الازمة الصحية، والتزمت المصانع والمحال والمطاعم بأعلى معايير الصحة والسلامة، ولم تتسبب بأزمات صحية واصابات بين موظفيها وزبائنها، وكانت المعركة الاصعب في المجتمعات والقرى، التي استمرت بممارسة عاداتها ونشاطاتها الاجتماعية. لذا نحن  نطالب السلطة بالتركيز على مكامن خطر الانتشار، وهي قطعاً ليست في القطاع . فكفى قرارات عشوائية وتجارب الادنى من الحركة والانتاج، ونخشى، بسبب القرارات الخاطئة، ان يموت الاقتصاد والقطاعات الاقتصادية حيث لا ينفع الندم.

طعمة وتقاعس الدولة!

اما رئيس لجنة الاقتصاد لدى غرفة التجارة والصناعة في زحلة والبقاع طوني طعمة فشدد على ان القطاعات الاقتصادية ايدت مسبقاً ودعمت مراراً قرار الاقفال التام ولمدة محددة من اجل مكافحة الوباء، ولكن ما تم اقراره

طوني طعمة:كفى قرارات عشوائية.

مؤخراً جعلنا كجهات معنية نتفاجأ على اعتبار ان الاقفال الحاصل حالياً يصنف بالاقفال الجزئي اذ تم استثناء قطاعات عدة ، علماً اننا كمواطنين ندفع ثمن تقاعس الدولة عن دفع مستحقات المستشفيات ، تلك المستحقات الكفيلة بمساعدتها على تأمين كل التجهيزات اللازمة لمواجهة تداعيات “كورونا” الصحية، كما اننا نتساءل هل ان فترة سنة لم تكن كافية امام الجهات المعنية لاتمام كل التجهيزات اللازمة ؟

 

وتابع طعمة قائلاً: القرار اتخذ فهل الدولة قادرة على ضبط الاقفال على كل الاراضي اللبنانية لا سيما وان مناطق عدة لم ولن تتقيد بالاقفال؟ مما يعني ان الاقفال الحاصل لا يصنف اطلاقاً بالاقفال العلمي، فالعديد من القطاعات تم استثناؤها ، ولم يستثن للاسف اصحاب المهن الحرة الصغيرة  (لا سيما اصحاب كاراجات تصليح السيارات) تلك المهن التي ستتأثر كثير بالاقفال الحاصل حالياً .

وختم طعمة قائلاً: اذا اردنا التشبه بالدول الاوروبية بعملية الاقفال علينا ان نؤمن للمواطن  ما امنته هذه الدول من اجل تعويض ومواجهة  تداعيات الاقفال، ففرنسا تكبدت ما لا يقل عن 5 مليارات دولار اثناء اقفالها لتعويض ومواجهة هذه التداعيات.

  

حبيقة وعدم التوقف عن العمل!

لويس حبيقة: لا خيار سوى الاغلاق.

 الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة شدد على ان الحديث عن خسائر بالمليارات امرمبالغ فيه، حيث أن الناتج المحلّي السنوي كان يتراوح بالكاد ما بين الـ 50 والـ 55 مليار دولار قبل سقوط الليرة. وبات يساوي تقريباً 20 ملياراً، بعد تدهور قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار، تبعاً لتقييم صندوق النقد الدولي. بالتالي، الناتج الشهري يوازي ملياراً ونصف مليار دولار، لذلك إنتاج أسبوعين لن يكبّد لبنان خسائر بالمليارات بل بالملايين.

وفيما يتعلق بقرار الاقفال الذي استثنى عدة قطاعات أوضح حبيقة قائلاً: لا يجب أن يكون البلد غير مقفل مئة في المئة، والعديد من القطاعات الأساسية لن تتوقف عن العمل. والمح الى ان تعويض العديد من الخسائر محتمل عند استئناف الحركة الاقتصادية، حيث يمكن تأجيل بعض المشتريات والمصاريف لحين إعادة الفتح، وهنا لا بد من التأكيد الى ان لبنان غير قادر على تحمّل الخسائر الاقتصادية لكن لا خيار سوى الإغلاق لأن المشكلة ستكون أكبر بكثير وهذا الحلّ الأقل كلفة والخسائر أقل فداحةً أو ما يمكن اعتباره “lower cost solution”.

 

*-ولكن هناك قطاعات معينة واماكن لا يمكن تعويض عملها مثل المطاعم والمياومين، فما مصير هذه الفئات؟

– إن هذه الفئات هي الأكثر ضرراً، ولو التزم المواطنون بالإجراءات الوقائية لما كان هناك من ضرورة لوقف عملها لا سيّما القطاعات التي فيها تجمّعات. بديل البقاء على الفتح وعدم تخفيف النشاطات الاقتصادية المضرّة يكبّدنا دفع ثمن الكارثة الصحية المتوقّعة. فالمشكلة الأساسية محلياً تتمثل بالمفاضلة ما بين الصحة والاقتصاد. وفي الواقع، مع ارتفاع عدد الإصابات وتسجيل الفي إصابة يومياً مقابل وصول المستشفيات إلى قدرتها الاستيعابية القصوى، لا يمكن ترك المواطنين يموتون في الشوارع أو في أروقة المستشفيات ما يعيد السيناريو الإيطالي المرعب إلى الأذهان. لذلك، من الضروري اختيار أهون الشرين، خصوصاً وأن التفلت من الإجراءات الوقائية كبير. فإذا لم نضع حدّاً لعدد الإصابات في حين أن القطاع الطبي عاجز عن تحمّل المزيد من الضغوط سنصل إلى نتيجة وخيمة ولتفاديها الأفضل وقف الحركة الاقتصادية أسبوعين. ومهما كانت الإجراءات الرسمية لن نتمكن من فرملة الأعداد ما لم يلتزم المواطنون وينضبطون مع تغيير سلوكهم وتطبيق القرارات الرسمية للتعايش مع الوباء.

وليد ابو سليمان يحذر من الشلل

أبو سليمان والشلل!

وبدوره  الخبير ​الإقتصاد​ي الدكتور ​وليد أبو سليمان​، أشار الى  أن الإقفال​ العام سيؤدي إلى شلل في الحركة الإقتصادية وإنخفاض في الإنتاج في كل القطاعات، مشدداً  على  أن الخيار اليوم صعب للغاية بين الوضع الصحي والجانب الإقتصادي الذي فقدنا كل خطوط الدفاع عنه، وقال:اذا كان لا بد من الإقفال فيجب أن يكون صارماً كي لا نضطر الى إقفال جديد، على أن يتم فتح البلد قبل فترة الأعياد التي تُنعش الإقتصاد بعض الشيء، موضحاً  ان الناتج المحلي قد إنخفض من 54 مليار دولار الى حوالي 20 مليار، وبالتالي الخسائر الإقتصادية لكل يوم إقفال تقدر بحوالي 50 مليون دولار تقريباً.

 

عجاقة وعدم العصيان!

اما الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، فاعتبر ان رفض الهيئات الاقتصادية والقوى المنتجة الالتزام بالقرار الرسمي يندرج في اطار العصيان، على اعتبار ان اي قرار يصدر عن الحكومة يجب ان يطبق، لكن هذا لا يعني انني اؤيد قرارها الراهن بالاقفال، كونها تصحح الخطأ بالخطأ، وقال: لا يمكن ان نطلب فرض هيبة الدولة في الوقت عينه نقوم بالعصيان ضد قرارها، خصوصاً وان مشكلتنا الاولى في لبنان هي عدم تطبيق وعدم احترام القوانين، مشدداً على ان عدم تطبيق القوانين يعني ان لا ثقة بالاقتصاد.

 

*- ولكن قرار الاقفال نراه مجزأ مما جعل البعض يعترض على تنفيذ هذا القرار لا سيما العمال المياومون،  فكيف ترى هذا القرار ؟ وهل من الممكن المقارنة بين الإجراءات الأوروبية مثلاً وإجراءات الحكومة اللبنانية فيما يتعلق بمواجهة وباء “كورونا”؟

جاسم عجاقة:الحل بتشديد الاجراءات الوقائية

– من الزاوية الاقتصادية، قرار الاقفال الكامل ليس محقاً، حيث لجأت الدولة الى مفاضلة بين الشق الصحي والشق الاقتصادي، على قاعدة القبول بالخسارة المادية مقابل المحافظة على حياة الناس.. لكن هذه المفاضلة تصح في الدول المرتاحة اقتصادياً والتي تكون لدى حكوماتها القدرة على دعم المواطنين، واقله تأمين المساعدات لمن قد يخسر عمله من اجل توفير الطعام. اما في لبنان فإن قرار الاقفال هو ايضاً “موت”، نظراً للاعداد الكبيرة من “العمال على الساعة”، فكيف سيتدبر هؤلاء امرهم، ومن سيؤمن لهم اقله الاكل والشرب؟!

وأضاف عجاقة قائلاً : في لبنان، الخسائر لا تقاس فقط بقيمة النقص في الناتج المحلي الاجمالي، بل بارتفاع عدد الفقراء وتدهور الاوضاع الاجتماعية والمعيشية. وفي متل هذه الحالة  انا ارفض قرار المقارنة بين لبنان والدول الاوروبية  لأنه على رغم الالتزام بالقوانين تم اتخاذ القرار بالاقفال، فالقوانين وجدت لعدم الذهاب نحو الفوضى، ولضمان تطبيقها خُلق عنصر الخوف اي العقوبات، وهذا امر محترم جداً في الدول الاوروبية، لكن في الوقت عينه لدى هذه الدول القدرة المالية لمساعدة الناس، الامر غير المتوفر في لبنان.

*-وما الحل؟

– ان الحل يجب ان يكون بالتشدد في الاجراءات الوقائية، بدءاً من رفع قيمة الغرامات على عدم وضع الكمامات، واعتبر ان هذا القرار هو ايضاً سياسي.

وختم عجاقة حديثه قائلاً: في السياق ذاته لا بد من الإشارة الى ان اجراءات الحكومة في الفترة الاخيرة كانت ضعيفة جدا، لا سيما بالنسبة الى العائدين من الخارج، حيث لم تضع اي نظام لتتبعهم، وتتبع وضعهم الصحي واماكن وجودهم.