28 October,2020

ألين لحود: أفكّر بالسّفر جدّياً .. وأستعدّ لدور مسرحي في بلد أوروبي!

بقلم عبير انطون

ألين وسط الاطفال ..والمتابعة النفسية.

 الشقراء الحلوة ذات العينين الملوّنتين ” لم يعُد العيد بعيونها”. هي حزينة حتى الإحباط. ألين لحود بنت العائلة التي أعطت الكثير للبنان غرّدت لأمّها النجمة الراحلة سلوى القطريب في ذكرى ميلادها تخبرها فيها عن حال لبنان الذي أحبّت وأبت تركه في عزّ المغريات التي تقدّم لنجمة من وزن سلوى. فماذا تقول ألين عن تلك التغريدة الموجعة؟ ما الذي جعلها تشارك في لقاءات جمعيّة ” We Stand Together” للمتابعة النفسية للأطفال والمراهقين بعد انفجار 4 آب؟ لماذا تفكّر بترك لبنان جدّياً، وما العمل الجديد الذي ينتظرها؟

في لقاء “الأفكار”مع النجمة الشابة كل الأجوبة وبدأنا بسؤالها:

– كيف تمّت دعوتك الى مبادرة “وي ستاند توغيذير” وبأية انطباعات خرجت منها؟

اتّصل بي رئيس الجمعية جوني حلو لأحلّ ضيفة في نشاطاتهم، وكوني لا اتأخرعن تلبية أية دعوة في الامور الإنسانية والاجتماعية شاركت معهم اذ من واجبنا أن نكون حاضرين على الأرض، بشكل خاص بعد انفجار 4 آب،  فأدنى حقوق الأطفال والمراهقين هي تأمين الأمان والأمل بالغد.

الإنفجارأثّر بي جداً، وكنت نفسيّاً محبطة، وشعرت بأنه للمرة الأولى لا أمل لي بشيء. ولمّا استعلمت عن المبادرة وما ترمي اليه، وبشكل خاص جانب المتابعة النفسيّة للأطفال وأهلهم، تشجّعت لأن الأمر من الأهمّية بمكان، لا بل يوازي إن لم اقل يفوق ترميم المنازل والأبنية والبيوت وتقديم الحصص الغذائية. وددت المشاركة لأرى بأم العين على أي نحو تجري هذه الأمور، وما يمكنني تقديمه من جهتي في الدعم المعنوي والحضور، وحتى أن أكتسب من الإختصاصيين الموجودين، وفعلاً هذا ما جرى.

– كيف لشخص محبط أن يساعد من هو في وضع نفسي صعب. من أين يأتي بالقوة؟

هذا السؤال مهمّ فعلاً، وأنا مذ عصف بنا الانفجار انزويت وانعزلت بشكل كبير، وتطلّب الأمر وقتا لاستوعب ما حدث خاصة وان الانفجار طال قريباً لنا في العائلة، ولحقت بنا خسائر كبيرة، فتساءلت كيف لي أن أمدّ غيري بالطاقة في حين ان “طاقتي منشّفة”، إلا أنني شحذت همتي لأن الكبار قد يملكون القدرة على المواجهة بعكس من هم يافعون، وما عاشوه قد يؤثر عليهم مدى العمر.أمضيت يوماً معهم ، والمبادرة لم تقتصر على الاولاد ، انما ايضاً طالت الكبار في مبادرة موازية، والحلقة الحوارية التي شاركت بها، واستمعت فيها إلى نقاش الأهل مع  أختصاصية علم النفس، أسئلتهم، إجاباتها، تبادل التجارب، فتوقفّت مليّاً عند أهمية ما تقوم به مبادرة “وي ستاند توغيذير”، و”بيروت توغيذير”، إذ تبدأ نقطة الانطلاق من الأهل فهم     منبع المعنويات والأمان، وشخصياً كانت لي بعض التساؤلات حصلت على أجوبة عنها.

الين لحود مع رئيس جمعية وي ستاند توغيذير جوني الحلو

– ما الحكاية التي أثّرت بك؟

 أذكر مثلا أنّهم عندما كانوا يقومون بنشاط للاولاد ليخففوا من الجوّ المشحون، راحوا يصفّقون ليشيعوا جواً من الايجابية والفرح، وإذ بإحدى الفتيات تضع كفيها على أذنيها صارخة: ما فيي اسمع صوت عالي! هذا اثّر بي جداً، استوعبت الى اي مدى تأذّى الاولاد جرّاء الانفجار. ففي حين  انها كانت ضجة فرح واحتفال الا ان الصوت العالي ربما ذكرها بما سمعته في ذاك اليوم المشؤوم.

مثل هذه اللقاءات تعلّمك، توجّهك كشخص كيف يمكن أن تتصرفي، وما هو مسموح أن يجري معك من ردات فعل، والتي يعملون كإختصاصيين على التخفيف منها. نحن جميعاً واقعون في المصيبة ذاتها. “ما حدا مبسوط”ّ ، فمن لم تتضرّر بيوتهم تضرّرت نفسياتهم. كثيرون خسروا احباء، ومثلنا توفي لهم أشخاص، أو حُملوا إلى المستشفيات.. ونوع  مماثل من المعالجة والدعم يفيدنا حتى نفيد غيرنا .

– هل تفكرين بالمتابعة عند طبيب نفسي؟

مش غلط! سبق وكنت أزور طبيباً نفسيّاً بعدما خسرت أمي وأشخاصاً قريبين، لكن الأهمّ أن يكون الفرد هو نفسه جاهزاً لذلك، وليس من يحثّه عليه. فمن دون اقتناع منه يفشل العلاج. مفهومنا لا يزال “تابو” بما خص علم النفس والمتابعة النفسيّة، في حين انه أمر صحي جداً.

– ذكرت شخصا قريباً من العائلة توفي جرّاء الإنفجار.من كان؟ وأين كنت يوم الإنفجار؟

هو إبن عمة والدي المدير السابق لطيران الشرق الأوسط يوسف لحود. ربيَ مع والدي وكانت وفاته صادمة له ولعمي وعماتي. يوم الإنفجار كنت على الطريق، ولم تكد تنقضي اثنتا عشرة دقيقة مذ مروري بالقرب من المرفأ في طريقي الى المتن حتى رقصت بي السيارة، وكأنها هزّة أرضيّة. أصحابي معي اعتقدوه جداراً للصوت إلا أنني عرفت بأنّه انفجار. ربما للخبرة التي باتت لدينا.هو يوم لن انساه بحياتي وكذلك رواسبه وما نتج عنه. هي مأساة طالت البلد بكامله ووصلت اصداؤها الى انحاء العالم كله الذي تأثّر وتعاطف.

– هل انتسى برأيك، واصبح همّ الناس بالحكومة وتشكيلتها؟
 من الصعب أن ينسى أو يتمّ تجاوزه! اتمنّى أن تتغيّر القاعدة مع هذه الحادثة الأليمة ونعرف ولو لمرّة واحدة من تسبّب، ومن كان عديم المسؤولية.

– كانت فكرة الهجرة واردة عندك قبل الانفجار حتى. هل لا تزال ورادة؟

طبعا، وزادت. منذ سنتين وأنا في رواح ومجيء إلى الخارج، أدرس كيفيّة أن أسافر من لبنان لأجد نفسي، والآن اكثر من اي وقت مضى .أبحث عن جامعات في باريس، ربما أكمل الـ”ماسترز”، أو حتى في بلجيكا

ألين بكرا أحلى؟

التي سبق وزرتها أكثر من مرة. أنا بصدد الجوجلة في ما يشبهني لأكمل به اختصاصي بشكل موسّع، حتى إن جامعات أجابت عن طلبي الانتساب اليها، وهناك تسجيل في كانون الثاني للعام المقبل، الآن تأخّرنا، وقد أكمل في كتابة السيناريو او الإخراج وهو اختصاصي الجامعي. سنة او اثنتان في الخارج ربما تفتح لي آفاقاً، ودائماً ما اقول انه اذا ما اخترنا السفر من لبنان فإنّما لنعود اليه ونخدمه، ونحن اقوى. فنحن هنا، و”ايدينا مربّطة” لا يمكننا القيام بشيء.

– ومن يطالعك بالقول: لمن نترك البلد ، بماذا تجيبيه؟

الكلام سهل! صحيح أن البلد ليس فندقاً، وأعي ذلك تماماً، خاصة أنني ابنة اهل أعطوا كثيراً لهذا البلد، وعائلة رفضت أن تتركه في حين ان فرصاً مهمة قدمت لها في الخارج ، لكنني وصلت الى مرحلة لا فيها  اجد نفسي، لا احقق احلامي، ولا ما أود ان اقوم به ، حتى الفن فهو ليس بألف خير اليوم في لبنان. ربما استطعت ان احقق امراً ما في الخارج ومن بعده اعود. ليس لي ان “أدق الابواب وأذكّر الناس بي”.انا موجودة منذ ستة عشر عاماً في هذا المجال وكنت صغيرة جداً لما بدأت ، باتت لي خبرتي واسمي، ويمكنني ان أعطي في مجالي إلا ان ليس هناك ما يساعد، والبلد مشلول .

 – أليس هناك من أي عمل فني أو مسرحي حالياً؟

بلى. هناك مشروع لعمل مسرحي إنّما خارج لبنان، في أحد البلدان الأوروبّية، إلا انه لا يمكنني التطرّق الى تفاصيله بغير القول إنه دور جميل وجديد من نوعه.

– هي مسرحية غنائية؟

لا ،هو مسرحي من دون أن يكون غنائياً.

  • ماذا عن تغريدتك لسلوى في ذكرى ميلادها؟

حلقة حوارية للاهل مع الاختصاصية النفسية.

أنا دائماً في عيدها، وعيد الأم، وفي ذكرى رحيلها، أتوجّه لها برسالة .

– ألا يزال الوجع على فقدانها ملتهباً؟

طبعا. ويزداد مع الوقت، لأن الاشتياق يزداد، وأتخيل لو أنها معنا ما كانت ردة فعلها، كيف كانت تصرفت، وكلما ازداد النضج واكتسبتِ الخبرة كلما شعرتِ أنّ الغالي يبقى غالياً. الوجع يتحول إلى طاقة، لكنّ الشوق يكبر وهذا أمر يرافقنا حتى آخر العمر.

-هل الحزن جرّاء الانفجار ذكّرك بمراحل حزنك الشديد على فقدان سلوى؟

طبعا، وقد تذكّرت ردة فعلها أثناء حرب تموز والإنفجارات التي كانت تطال شخصيات سياسية وغيرها، وأعرف إلى أي مدى كان هذا يحزنها ويخيفها، والى أية درجة كانت حزينة على لبنان، واليوم الحالة اسوأ. من ناحية أشتاق لها، ومن ناحية أخرى أقول ربما أفضل أنّها في دنيا الحقّ، ولكانت حزنت جداً على ما يجري، لذلك توجّهت إليها بالقول إن لبنان الذي تحبيه وأصرّرت الا تتركيه موجوع جداً اليوم. وأتخايلها تنظر الى البلد بدمعة وتصلي له في الوقت عينه، لأنها كانت تصلي دائماً للبنان الذي كان دائماً في أولوياتها.

-إلى أي مدى أخذت حقها في المحطات المختلفة التي عاشها اللبنانيون هذا العام وسمعنا أغانيها تتردّد على مختلف الاذاعات؟

أغاني سلوى وطنية، للبنان كله ، والمؤسسة الوحيدة التي غنت لها هي مؤسسة الجيش اللبناني التي كانت تحبّ. لم تغن لزعيم او لجهة. إلا أنه يمكنني القول إنها أخذت حقها اكثر بعد رحيلها ّو”وعيوا” فجأة وتذكروها في البلد . كان يمكن ان تأخذ حقها اكثر وهي بعد على قيد الحياة، وكانت من أجمل الأصوات. كان هناك بعض التقصير من البلد ومن وسائل الاعلام.

– كيف حال استاذ روميو، وما كان وقع الانفجار عليه؟

جيد جداً وحمد لله انه يعيش خارج بيروت بحيث عاد الى الضيعة والأرض التي يحبها. ترك “الاشرفية” وعاد الى “حبالين” وهي ضيعة والدته حيث كبر وترعرع، وهو يحب الارض من زمان. روميو حزين جداً على الانفجار وهو كتب لبنان ولحنّه ورآه بأحلى صورة. وعلى الرغم من الغربة التي عاشها لسنوات لم يرض إلا بالعودة إليه. أعرف من لقاءاته وجلساته الى اي مدى كان متفائلاً بالجيل الجديد ومقهوراً مما يحصل، من كل المأساة التي نعيشها والتي يمكن ان نخلص منها لو اننا نحب بلدنا أكثر ونبتعد عن مصالحنا. لطالما ردّد بأنه اذا تخلى ملّ إنسان عن انانيته، وفكّر بأرضه وبلده ومستقبل جيله الجديد بتجرّد فإنه يمكننا أن نعيش بطريقة أفضل بكثير مما نحن عليه اليوم .

– كنتما تحضران لاعادة مسرحية لسلوى؟

مع فريق الجمعية.

لا للصراحة . قدمنا “بنت الجبل” وكانت الاستعادة الوحيدة، ولم يعقبها حديث عن مشروع مسرحية أخرى.

-هل تلبين حفلات أو أعراساً في ظل كورونا ، وكيف قضيت فترة الحجر؟

التزمت بالحجر بشكل كلي منذ 11 آذار الى حين انتهائه. جلّ ما كنت أقوم به الرياضة في مكان مجاور للبيت، وأوجدت لنفسي روتينا جديداً. الآن، مع العودة، أتفادى التجمعات لأن كورونا ليست مزحة.  حاولنا إعادة الحفلات في ظل الاحتياطات اللازمة، وهذا ما سعينا اليه  في “مسرح المدينة” في محاولة اعادة افتتاحه في تموز الا انه عادت وتأزمت واوقفنا كل النشاطات . كلنا نأمل العودة الى عملنا لكن بوعي وانتباه.

– لو طلبتِ لإحياء حفلة اوعرس ما مثلاً ،هل توافقين؟

أكيد، إنّما ضمن معايير الوقاية المطلوبة.

– هل فكّرت بعمل غنائي بعد انفجار بيروت؟

أبداً، ذلك أنّ لا نفسيتي ولا مزاجي سمحا لي بذلك، مع احترامي لخيار كل من قدم عملاً.  نفسيتي تضررت لدرجة انّه حتى التلفزيون ما عدت راغبة بمشاهدته ولا سماع أي خبر عاطل. اعتبرها فترة “اختلاء بذاتي”، لأنني صدقاً شعرت بنفسي مدمرة. وهذا ما لمسته عند الجميع. هي فترة لملمة لنفسي، لجروحاتي، حتى أستعيد نشاطي والطاقة الايجابية التي أتمتع بها بطبيعتي. أحتاج لبعض الوقت. ما عاد لنا طاقة على التحمّل. مش عم ناخذ نفس حتى نقول “بكرا أحلى” . نصحو في كل يوم من دون ان نعرف ما الذي ينتظرنا.  

– ما أوّل مكان سألت عنه في الأشرفية وخفت عليه؟  

بيوت عماتي، وابنة عمي، وبيت جدي أهل أبي وهو بيت العائلة، الذي تسكن فيه اليوم عمتي ناي. هو من البيوت التي تضررت، وكذلك بيت عمتي بابو في سرسق .هذه البيوت تذكرني بمحطات مهمة من حياتي، طفولتي، مراهقتي، لعبي مع اولاد عماتي، لقاءاتنا العائلية، وأماكن أخرى كثيرة. أنا ربيت في الأشرفية وكبرت فيها ، وفي كل زاوية او شارع لي ذكرى أو حادثة معينة أو مغامرة مع العائلة او الاصحاب. هي مطارح “بتعز” علي كثيراً وتضرّرت جداً للأسف!