5 August,2020

أزمة الأسعار في لبنان في ظل الارتفاع الجنوني للدولار

 

بقلم طوني بشارة

 

رئيس حماية المستهلك زهير برو: من أوصلنا الى هنا بالتأكيد يعتبر غير قادر أو لا نية له لايجاد حل

زهير برو: التجار استغلوا غياب الدولة وانتشار الفوضى وعمدوا الى رفع
أسعار كل السلع وبشكل جنوني

 يمر لبنان حالياً بأزمة معيشية خانقة. أزمة دفعت العديد من الأهالي الى عرض أثاث منازلهم للبيع، حتى إن البعض بات يقايض ثيابه بعلب حليب وحفاضات للأطفال. فالدولار في السوق السوداء ارتفعت  قيمته بشكل جنوني حتى تجاوزت الـ 8000 ليرة. وترافق ذلك مع جشع لا بل طمع لا مثيل له من قبل التجار الذين عمدوا الى رفع أسعار سلعهم حتى الغذائية بنسب وصلت الى الأربعة اضعاف. اسعارالسلع على الرفوف تتغير يومياً كل ساعتين تقريباً وفقاً لسعر الدولار، والعديد من الملاحم والمحال التجارية أعلنت الاقفال والتريث بالبيع بسبب ارتفاع التكلفة عليها. أما السلطة الحاكمة فلمحت الى عدم المقدرة على إيجاد حل ، حتى إن  بعض أركانها لم يكن يدري بالازمة أساساً. السلطة بأكملها متفاجئة والجميع يتبادلون التهم ويرفعون عنهم المسؤولية  ويتساءلون عن الأسباب الكامنة وراء هذه المعضلة. وكأن مهمتهم الأساسية هي التساؤل وليس إيجاد الحل.  

هل فعلاً الأسعار إرتفعت بشكل جنوني؟ وما الأسباب الكامنة وراء الأزمة؟ وهل من سبل للمعالجة؟ تساؤلات عديدة للإجابة عنها التقت “الأفكار” رئيس جمعية حماية المستهلك زهير برو وجاءت بالتحقيق الآتي:

 

برو والأمن الغذائي!

* ما هو موقف الجمعية من قرار وزير الاقتصاد راؤول نعمة بدعم أسعار بعض السلع من اجل تأمين الامن الغذائي؟

ـ إن قرار وزارة الاقتصاد دعم بعض القطاعات الغذائية الاساسية هو مطلب اساسي لجمعية المستهلك اقترحته الجمعية بتاريخ 20/1/2020،وبالتالي تؤيد الجمعية مبادرة وزير الاقتصاد من أجل تأمين الأمن الغذائي للعائلات في ظل الازمة النقدية والاقتصادية الخطيرة التي تعيشها البلاد،إلا أن الآلية المقترحة لتنفيذ هذا الدعم ذهبت باتجاه مخالف لأهدافها.

*على ماذا اعتمدت الجمعية لتعتبر أن آلية الدعم غير مجدية؟

 

ونموذج آخر عن إغلاق ملحمة بسبب ارتفاع الدولار والـ “الحرامية”

هناك عدة إعتبارات أهمها:

 

 ـ الدولار ليس السبب الرئيسي لارتفاع الاسعار وإلا كيف نفسر ارتفاع الاسعار قبل أزمة انهيار الليرة؟ مثلاً خلال عشر سنوات 2005-2015  ارتفعت الاسعار 120 في المئة ،  بينما كان سعر الدولار ثابتاً. فالسبب الرئيسي هو سيطرة الاحتكارات على معظم القطاعات الاقتصادية وتقاطع وتبادل الادوار بين التجار والسياسيين.  وهنا تطرح اسئلة : كيف ستختار الوزارة بين هذا المستورد أو ذاك؟ وألا يفتح ذلك الباب امام المحسوبيات والفساد؟ وكيف ستراقب الوزارة توزيع السلع من قبل المستوردين وتجار الجملة وتجار نصف الجملة والمتاجر الصغيرة وهي حلقة تضم بضع مئات آلاف المتاجر والمخازن؟ وكيف تضمن الوزارة لجوء مستهلكين الى شراء وتخزين أعداد كبيرة من السلع وحرمان عائلات كثيرة منهم؟ علماً ان مراقبي الوزارة لا يتجاوزون المئة ويدورون ليل نهار في البلاد بدون ان يستطيعوا الحد من ارتفاع الاسعار؟ وكيف يمكن للوزارة ان تتبع كل كيلو رز او سكر مرّ في سلسلة تعبئة وتخزين بأسماء ماركات كثيرة؟ وكيف سيمكن التمييز بين المدعوم وغير المدعوم على الرف نفسه؟ ولو افترضنا استخدام أنظمة التتبع الحديثة (الكود بار) كيف ستعالج الوزارة قضية التلاعب والفساد ودهاليز “شطارة” التاجر اللبناني (حفظه الله) الاسطورية ؟

وعاد ليقول: تؤكد جمعية المستهلك ان كل تجارب الدعم السابقة التي اعتمدها الوزراء السابقون أدت الى دعم التجار وليس الفقراء المساكين. دعم الطحين والخبز، كبار مستوردي القمح والمطاحن الكبرى والافران الكبرى خير شاهد على مئات ملايين الدولارات التي ذهبت من الخزينة واموال الشعب الى تنمية تجارتهم وانتشار فروعها في ارجاء البلاد، ناهيك عن دعم الشمندر أم التبغ أم دعم المازوت….. ضاعت البوصلة  بين مزارعين ومصانع كبيرة ومستوردي المحروقات ومحطات بنزين… كل ذلك تحت رعاية سياسية انتخابية واستزلام وتحت شعار دعم الفقير!

عدم جدية خطة الدعم!

نموذج ساخر عما يحصل: كعكة الكنافة بـ 10 الاف ليرة

 

 

 وتابع برو قائلاً: لذلك لا تتردد جمعية المستهلك في القول إن خطة دعم السلة لن تصل الى الفقراء والطبقة الوسطى المنهارة التي تجاوز عددهم الـ  50 في المئة من مجموع الشعب، كحد أدنى، ولن تؤدي الى تراجع الاسعار. ولذلك تدعو الجمعية وزارة الاقتصاد لتعديل خطتها والذهاب الى الدعم المباشر للفقراء الحقيقيين بدون المرور عبر التجار. ونجزم كجمعية بأن دفع دولار واحد للمستوردين سيضيع في دهاليز المغاور الكثيرة التي بنتها احزاب الطوائف وعائلاتها وحاشيتها خلال عقود. هذه الدهاليز تؤلف شبكة واحدة متصلة تحت الارض تنتشر على كل شبر من الارض اللبنانية. وجمعية المستهلك تجدد دعوتها الوزارة، ووزير الاقتصاد تحديدا، الى عقد اجتماع للمجلس الوطني لحماية المستهلك لنقاش هذه الامور والاستماع الى رأي اعضائه بما فيهم ممثلو المستهلك. ومجدداً لجم الاسعار ممكن، ووضع آلية دعم للسلة الغذائية فعالة وسليمة ممكن والجمعية مستعدة للتعاون مع الوزارة من أجل الخروج من هذه الازمة المدمرة للمجتمع لبناني.

*هل من جدول معين يوضح تطور سعر السلع من اذار حتى تاريخه لاسيما ان المواطن يعتبر أن الأسعار قد ارتفعت بنسبة زادت عن الـ 250%؟

 

ـ نورد لكم  جدولاً لنتائج تطور أسعار السلع والمواد الغذائية من 31 آذار 2020 الى بداية حزيران  2020.

 

نوع الصنف عدد السلع  
خضار 15 انخفاض 2%
فواكه 12 ارتفاع 11 %
لحوم 11 ارتفاع 10 %
ألبان وأجبان 21 ارتفاع 17%
مواد منزلية وشخصية 20 ارتفاع 24 %
معلبات وزيوت وحبوب 43 ارتفاع 22%
الخبز 9
مشروبات غازية وعصير 5
محروقات 3    
اتصالات 4
مواصلات 2
المجموع 145 ارتفاع 13.66%

 

بذلك تصبح نسبة ارتفاع الاسعار منذ 17 تشرين الاول 2019 وحتى حزيران 2020،  72.09% .

 

 

* وماذا عن جدول فروقات الأسعار لبعض السلع المستهدفة في المؤشر (شباط- حزيران 2020)؟

ـ نضع بتصرف الجميع  جدولاً تفصيلياً يوضح تطور أسعار بعض السلع على الشكل الآتي:

أيار آذار شباط السلعة عدد
52500 35000 28000 لحم غنم 1
36000 24000 22000 لحم عجل 2
16000 14375 11500 صدر دجاج 3
6000 5000 4000 فخد دجاج 4
  9000 7750 لبنة فلت 5
25900 16500 12000 جبنة عكاوي 6
27500 25000 24000 جبنة حلوم 7
25000 22000 16900 حليب بودرة 900 غرام 8
11000 10000 7600 بيض 9
8625 6500 5500 زبدة 10
3850 2250 1600 اودكس 11
28850 24000 21000 برسيل 4 كيلو 12
37000 36000 23000 آريل 13
4650 4000 3400 محارم 14
12000 9000 6000 شامبو 15
63250 47500 42000 سمنة 2 كيلو 16
18500 12500 10500 شاي500 غرام 17
6500 5000 3900 العدس كيلو 18
7175 6000 4250 حمص كيلو 19
6875 5500 3000 فاصوليا كيلو 20
6312 4500 3500 رز مصري كيلو 21
6150 4500 3750 رز ايطالي كيلو 22

وتابع برو قائلاً :

 ـ وفقاً لجدول أسعار جمعية المستهلك، وفي معدل الاسعار الدوري، نلاحظ ان تطور أسعار سلة السلع والخدمات ذات الاستهلاك اليومي للعائلات، ومعظمها غذائية قد تغيرت ، اما  المحروقات والاتصالات والنقل فلم تتغير اسعارها. وهذا لا يشمل السلع الغذائية الكمالية او الميكانيكية او الكهربائية على أنواعها  او الدهانات او الحديد وغيرها الكثير، وهي تباع  كلها بالدولار حسب سعر الصرافين اليومي. وأحياناً بسعر اعلى تحسباً لارتفاع الدولار. مثلاً هناك علبة صودا مستوردة ارتفع سعرها من ٤٠٠ ل.ل الى ٤٠٠٠ ل.ل اي عشرة أضعاف! وبالتالي فالرقم الحقيقي لارتفاع هذه السلع يتجاوز عملياً٢٨٠٪.

* نرى تكاثراً للصدامات الطائفية في الشارع وكأن الشعب لا يأبه اطلاقاً لموضوع الغلاء، فكيف تفسر هذا الأمر؟

ـ إن الصدامات الطائفية والمذهبية التي فجرها لبنانيون بالأمس هي تعبير عن الاحتقان الذي يعتمل في نفوسنا جميعاً، احتقان صنعته أحزاب الطوائف الحاكمة والمصارف، ابتدأ بالازمة النقدية والمصرفية ثم بانتشار البطالة والفقر وصولاً الى وباء الكورونا.  واللافت أن المؤسسات وعلى رأسها القضاء قد فشلت في محاسبة المسؤولين عن الانهيار.

وتابع برو قائلاً:

ـ هل حقاً يجهل فقراء الطوائف هذه الحقائق أم نسوا من نهبهم وأذلهم وركضوا وراء فقراء آخرين مثلهم نسوا بدورهم من اوصلهم الى هذه الحالة؟.  بالفعل انه مشهد حزين يؤكد عجزنا عن مواجهة الجلادين ومحاسبتهم، فالعلاج الأمني غير كاف وعلى المؤسسات ان تتحرك الآن لأن الفوضى هي البديل، ولقد حذرنا من ذلك منذ شهور، علينا وعلى الحراك ان نساهم في توعية الناس على حقوقهم وإلا عادوا الى الغرائز والى تقديس جلاديهم.

واستطرد برو قائلاً: الانهيار يتسارع ، الدولار تجاوز 8 الاف ليرة ، الحكومة والمجلس النيابي ومصرف لبنان وأحزاب الطوائف يتفرجون ويتسامرون عبر اجتماعات لا نهاية لها، يصرفون ما تبقى من دولارات المودعين في دعم شعبوي يستفيد منه المصارف والتجار المستوردين والصرافون، بينما يلحق المستهلك بأسعار سوق الدولار السوداء، ما يحصل جريمة بحق اللبنانيين. صلاحية النظام انتهت ، على اللبنانيين العمل على تكوين نظام جديد يلتزم الدستور ويعيد بناء الدولة خارج القيد الطائفي.

* الغلاء واقع لا محالة، فما الحل الأفضل أهو زيادة بالأجور أو معالجة جذرية للأسباب ؟

ـ بمعادلة حسابية بسيطة وفي ظل الارتفاع المستمر لسعر الدولار التي تجاوزت قيمته الـ 8000 ليرة ، أرى ان الحد الأدنى للأجور المعتمد رسمياً في لبنان لا تتعدى قيمته الـ 80 دولار. وهي قيمة يستحيل العيش فيها لأكثر من أسبوع في ظل الارتفاع المستمر للأسعار. من الملاحظ ان الليرة خسرت قدرتها الشرائية والأجور تراجعت قيمتها بمعدل تجاوز الأربعة اضعاف.

وختم  برو قائلاً: لذا أرى أن المطالبة من قبل البعض بزيادة الأجور وسيلة لمعالجة النتائج وليس الأسباب. لذا المطلوب حالياً محاسبة فعلية للطبقة التي اوصلتنا الى ما نحن عليه من وضع مزري حالياً . يجب محاسبة وإقالة الطبقة السياسية الحالية وتسليم البلد الى طبقة كفوءة قادرة على إيجاد حل جذري للازمة التي نمر بها. فمن اوصلنا الى هنا بالتأكيد يعتبر غير قادر او لا نية له لايجاد حل.