25 November,2020

أردوغان.. "طيّب" ام مُخادع؟

بقلم علي الحسيني

الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”…حلم استعادة زمن السلطنة.

 منذ سنوات طويلة والمنطقة تتخبّط بأزماتها الناجمة في الأصل، عن أطماع دولية تؤدي في الكثير من الأحيان إلى نزاعات اقتصادية وسياسية وحروب عسكرية وحتّى عرقية. واللافت الأبرز، أن في كل هذه المشاكل أو في معظمها، يبرز اسم الرئيس التركي “رجب طيّب أردوغان”، كواحد من أبرز الوجوه المشاكسة، ولا آخرها الصراع الدائر بين أرمينيا وأذربيجان ووقوف تركيا إلى جانب الأخيرة، بالإضافة إلى ردّه العنيف على الرئيس الفرنسي “ايمانويل ماكرون” والذي وصفه فيه بـ”المختل عقلياً”.

طيف “أردوغان” مرّ في لبنان

 في لبنان، رفع اللبنانيون ذات يوم صور الرئيس “اردوغان” وأعلام بلاده في معظم المناطق اللبنانية من دون أي حسابات طائفية أو سياسية، فيومها وقف “الطيّب” في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية مُطالباً القادة الاسرائيليين بالإعتذار عن قتلها تسعة اتراك عندما هاجمت قوات اسرائيلية قافلة بحرية كانت تحمل مساعدات في طريقها الى غزة، لكن الحدّة التركية ـ الاسرائيلية هذه، لا تنفي في الجهة المقابلة، عمق العلاقات الدبلوماسية بينهما من خلال تطبيع العلاقات، بالإضافة الى تعاونهما السياسي والتجاري والتعليمي والثقافي، والسياحي أيضاً. وعلى هذا الاساس، ثّمة من خرج من تركيا ذات يوم، ليؤكد أن انتقاد إسرائيل تجارة رابحة بالنسبة لـ”أردوغان”، لاسيما في أوقات الانتخابات، لأن العلاقات جيدة خلف الكواليس.

من جهة أخرى، يقول البعض وخصوصاً في دول الغرب، إن من الطبيعي وجود تعاطف من الشعوب العربية مع الرئيس التركي، خصوصاً وأن هويّـته المُسلمة تطغى في كل خطاباته والوحيد الذي  يجرّأ على مواجهة كبار رؤساء الدول وسياساتهم في المنطقة. لكن في حقيقة الأمر يشير التاريخ إلى عكس ذلك بخصوص متانة هذه العلاقة مع الشعوب العربية خصوصاً وأن الأتراك حكموا معظم منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لعدة قرون وسلبوهم حقوقهم في تقرير مصيرهم. واليوم، تمثل الساحة الرئيسية لواحدة من أشهر العواصم العربية، العاصمة اللبنانية بيروت، شاهداً على هذا التاريخ المشترك المُثقل بالعداء والدم. فالساحة تحمل اسم ساحة الشهداء، وذلك تيمناً بالشهداء القوميين العرب الذين أعدمهم العثمانيون في ذلك المكان.

“الطيّب” والغرب

الرئيسان الأميركي “دونالد ترامب” والفرنسي “ايمانويل ماكرون”.. الهدف واحد.

 وصلت العلاقات بين تركيا من جهة والدول الغربية، سواء دول الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة من جهة أخرى، إلى مستوى من التدهور غير مسبوق منذ قيام الجمهورية التركية، ولا سيما في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. أولاً، فالخلاف بين تركيا والولايات المتحدة الأميركية يدور أساساً حول موقف واشنطن من أكراد سوريا. ففي الوقت الذي ترى فيه واشنطن، سواء إدارة الرئيس الحالي “دونالد ترامب”، أو الإدارة السابقة، أنه ليس هناك من بديل عن تعاون الولايات المتحدة مع أكراد سوريا، تعتقد أنقرة أن هذا التعاون يعني أمرين، الأول تفضيل الأكراد على تركيا، وثانياً تهديد الأمن القومي لتركيا، لأن أكراد سورية في غالبيتهم يؤيدون حزب العمال الكردستاني الناشط عسكرياً في تركيا منذ عام 1984.

أما الخلاف مع الاتحاد الأوروبي، ففي جزء منه هو صدى للخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا، ولكن الجزء الأهمّ يعود إلى سياسة ونهج النظام التركي الحالي، إذ تعتقد دول الاتحاد الأوروبي أنّ سياسات حكومات حزب العدالة والتنمية تتعارض مع معايير الاتحاد الأوروبي الذي كانت أنقرة دائماً تطالب بالانضمام إليه، ولاسيما لجهة الحريات العامة واحترام التقاليد الديمقراطية، وهو ما يرفضه حزب العدالة والتنمية، الذي يصرّ على منح الرئيس التركي صلاحيات كبيرة، ولهذا كان أعدّ مشروع دستور جديد بتحويل النظام السياسي من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، وقام باعتقال عشرات النواب والصحافيين، وهذا يتعارض مع معايير الاتحاد الأوروبي وتسبّب بالتوتر السياسي الحاصل الآن بين الطرفين.

غض الطرف عن “أردوغان”.. الأسباب؟

نصب شهداء 6 أيار في لبنان وسط بيروت.. بصمات عثمانية.

 تلعب عوامل عدة دوراً في جعل الغرب يغض الطرف عن تصرفات “أردوغان” العدوانية خارج حدود تركيا، وانتهاكه لكل المعايير الأوروبية داخل بلاده من تستر على فساد وتقييد لحرية الرأي وقمع للمعارضين. ليس أهم تلك العوامل عضوية تركيا في حلف شمال الاطلسي (ناتو)، فتلك العضوية تقوم على أسس جيوسياسية ولأسباب عملياتية لا تهتم كثيراً بمدى حسن سلوك الأعضاء، ولا كون تركيا ممراً للغاز الروسي إلى أوروبا، ولا حتى إنها وجهة سياحية رخيصة تحمل عبق الشرق لسكان أوروبا.

وقد يرى البعض أن انتهازية “أردوغان” تجعله يستغل ورقة المهاجرين، وإمكانية فتح حدود بلاده ودفع المهاجرين السوريين وغيرهم عبرها ليغرق دول أوروبا بهم كي يضمن سكوت الأوروبيين وقبولهم بما يقوم به، لكن حتى ذلك له حدود، وما كان يوفر له ذلك الغطاء الأوروبي الذي يصل أحياناً إلى حد الدعم غير المباشر. إنما العامل الأهم الذي يستغله “أردوغان”، وهو ما يحكم موقف الغرب من الإخوان ومشتقاتها الإرهابية، فهو الدين، وبشكل لا يختلف عن الاستغلال الصهيوني لعقدة أوروبا بشأن محارق النازي لليهود، رغم أن الغرب لم يرتكب محارق مماثلة بحق المسلمين.

العودة الى لبنان

يُعد لبنان إحدى الدول العربية ذات الأهمية الاستراتيجية في توجهات تركيا الإقليمية، لما له من أهمية في التأثير على كثير من الدول المجاورة، أو لتنفيذ الأهداف الإقليمية التركية بما يتوافق مع مصالح “أردوغان”. فالأهداف التركية في لبنان وجدت في ضعف القيادة السياسية، بيئة خصبة لتعزيز الدور التركي، كما أنّ تركيا تعمل وفق سياساتها على إيجاد نوع من التوازن الطائفي، وضمن السياق نفسه فإن الأقلية التركمانية اللبنانية ترتبط بتركيا، هذا الارتباط ازداد بعد وصول حزب “العدالة والتنمية” إلى السلطة في تركيا، فضلاً عن محاولات تركيا بتعزيز نفوذها في مدينة طرابلس اللبنانية، الأمر الذي تُرجم برفع الأعلام التركية في أكثر من مناسبة، في تلك المدينة الشمالية.

ولا بد من العودة في السياق، إلى التوتر الذي كانت شهدته العلاقات اللبنانية ـ التركية

معارك قره باغ .. بصمات “أردوغانية”.

على خلفية تغريدة للرئيس اللبناني ميشال عون ضدّ جرائم العثمانيين بحق اللبنانيين، ثم ردّ الخارجية التركية على تلك التغريدة وبعدها قيام عدد من اللبنانيين بتعليق لافتة على باب السفارة التركية اعتبرتها أنقرة مسيئة ومستفزة. كلّ ذلك أعاد لأذهان اللبنانيين خصوصاً والعرب عموماً إمكانية وجود أطماع تركية في لبنان، التي تعيش انقسامات سياسية مستمرة منذ سنوات طويلة.

في السياق، تشير أوساط سياسية إلى ان “اردوغان” انتقل الى البند الثاني من خطته تجاه لبنان وهي الوصول الى شمال البلاد واقامة “ادلب 2” عبر شق ممر من الرقة الى تدمر وحمص وشمال لبنان، من اجل تمديد امارته وترتيب اوراقه، وتنظيم صفوفه، علماً ان القرار الروسي  والايراني وصمود الجيش السوري وحلفائه والموقف الاوروبي منعوا “اردوغان” من ربط ادلب باللاذقية. وبحسب المصادر، فإن “اردوغان” يستفيد حالياً من عدم الاستقرار السياسي وضعف الدولة وضرب الاقتصاد، مما جعل العناصر الارهابية تتحرك بسهولة في الشمال، وهذه المعلومات والتحركات في حوزة القوى الامنية اللبنانية.

من هو “رجب طيّب أردوغان”؟

هو سياسي تركي يشغل منصب الرئيس الثاني عشر والحالي لتركيا منذ عام 2014. وقد شغل سابقاً منصب رئيس الوزراء من عام 2003 إلى عام 2014 ورئيساً لبلدية إسطنبول من عام 1994 إلى عام 1998. أسس حزب العدالة والتنمية في عام 2001، وقاده إلى الانتصار في الانتخابات في أعوام 2002 و2007 و2011 قبل أن ينتخب رئيساً في عام 2014. وانطلاقاً من خلفية سياسية إسلاموية وكشخص يصف نفسه بأنه ديموقراطي محافظ، قام “أردوغان” بتشجيع السياسات الليبرالية اقتصادياً والمحافظة اجتماعياً، وبعدها تخلى عن السياسة الإسلاموية العلنية وأنشأ حزب العدالة والتنمية المحافظ المعتدل في عام 2001.