21 October,2020

أباريق ..مراطبين ..أكواب وغيرها أُعيد تدويرها من زجاج انفجار المرفأ..  

بقلم عبير أنطون

 

المهندس زياد أبي شاكر:  بدل رمي الزجاج  في جبال النفايات نسلمه مجاناً للمصانع فتعيد تدويره للإستخدام!

  

المهندس زياد أبي شاكر..مبادرة إعادة تدوير زجاج انفجار المرفأ.

 مقارباتٌ كثيرة، سياسية واقتصادية واجتماعية وصحية تم التطرّق اليها جرّاء الانفجار الرهيب للمرفأ في الرابع من آب/أغسطس الماضي، وبالتأكيد أيضاً لم تغب المقاربات البيئية التي ولّدها الانفجار للحدّ من التلوّث على مختلف الصعد، ولتدارك ما يمكن أن يفاقم من أزمات الوطن الصغير بعد، خاصة وأن جبال نفاياته، ما زالت ترتفع شاهقة وسط غياب جذري للمعالجة.

 مناصرو البيئة متأهّبون لكل ما يمكن أن يخفّف من وطأة الكارثة التي لم يصحُ الجميع من تداعياتها بعد، فيما أضحت للأسف عند البعض الآخر حدثاً من الماضي و”شي وصار”.

في هذا الإطار، وفي سياق المبادرات البيئية- الإقتصادية التي لفتت الأنظار، مبادرة “GGRIL”. Green Glass Recycling Initiative – Lebanon  لاعادة تدوير الزجاج المتناثر الذي سببه الانفجار وهو يقدر بالآلاف من الأطنان . فما هي المبادرة؟ وكيف تترجم في رحم المعامل والمصانع لتخرج منها أباريق وأوعية ومرطبانات وأوان زجاجية للاستخدام، خاصة مع ارتفاع ثمنها في الأسواق في خضمّ الأزمة الاقتصادية الصعبة ؟

“الأفكار”عادت بالأجوبة …

 بعد أيام على وقوعه، أعلنت دائرة العلاقات العامة في بلدية بيروت أنه “بعد الإنفجار المأسوي في مرفأ بيروت، وفي ظل الدمار الهائل في المدينة، خصّصت بلدية بيروت قطعة أرض في الكرنتينا لجمع الحطام والزجاج من المناطق المتضررة بالتعاون مع مبادرة حسن الجوار في الجامعة الأميركية في بيروت، وشركة التنمية ش.م.ل.، وجمعية آركنسيال، ومبادرة إعادة تشجير لبنان، وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات وغيرها، حيث سيتم جمع الحطام والزجاج والأثاث المتضرر والإلكترونيات والمخلفات الكهربائية وفرزها من أجل إعادة تدويرها، كذلك

مراطبين

سيتم استعمال الحطام والزجاج غير القابل لإعادة التدوير لإعادة تأهيل مواقع كساراتنا”.

وكانت البلدية وجّهت نداءً لكل من يزيل الأنقاض، سواء ضمن مجموعات منظمة أو منظمات غير حكومية أو مبادرات شخصية، متمنية عليهم “فرز الزجاج وجمعه في أكياس منفصلة عن جميع المواد الأخرى، لأن هذا سوف يسهل في شكل كبير عملية إعادة التدوير. ولأولئك الذين يقومون بنقل الحطام والزجاج،  طالبوا منهم  عدم رميها في حاويات النفايات، وأخذها إلى الأرض التابعة لبلدية بيروت،الكرنتينا، مقابل مطاحن باكاليان”.

وكان رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني أكّد أن فرق البلدية والبلديات المجاورة تقوم بنقل الزجاج المحطّم وتجميعه للاستفادة منه بعد الانتهاء من دون رميه مع النفايات ما يؤدي إلى زيادة حجم النفايات في المطامر، مشيراً إلى أن البلدية “لن تتولى عملية إعادة التدوير بل الشركات المتخصصة بحسب خبرتها وطرق فرزها، وما يمكن أن ينتج عنها”.   

الى البلدية، تقوم العديد من الجمعيات بتجميع الزجاج المحطّم والمتناثر لإعادة تدويره من أمام المنازل والأبنية بهدف نقله الى “معلمين” في مصانع في طرابلس شمال لبنان، وهناك  يقومون بإعادة تدوير هذا الزجاج وتحويله إلى أباريق و”غالونات” وأوان زجاجية وغيرها..

عم تشتي قزاز ..

في المصنع

 عن مبادرة GGRIL يقول مطلقها المهندس البيئي والصناعي زياد أبي شاكر رئيس مؤسسة “Cedar Environment” الذي كان موجوداً في موقع الانفجارعند منطقة بدارو مساء الرابع من آب وسمع أصوات الزجاج يتكسّر، إن المشهد يصحّ وصفه بالقول :”إن الدني كانت عم تشتي قزاز”، ويضيف :

“مر الوقت ومعه راح يتكشف لنا حجم الدمار الهائل، فبدأنا للتو نفكر بما سيحل بهذا الزجاج المحطم والمتناثر، خاصة وان لبنان اليوم يعاني من أزمة نفايات كبيرة. فهل نضيف اليها الزجاج المحطم ونزيد في الطين بلّة؟ اردنا أن نهرّبه من المطمر، إذ إننا ببعض الحسابات وجدنا أن حجم هذا الزجاح  يتراوح ما بين الخمسة والسبعة آلاف طن والمطامر متخمة أصلا”.

وانطلاقاً من ذلك، سارع زياد أبي شاكرإلى التعاون مع منظمات المجتمع المدني ومجموعات متطوعين لوضع خطة من أجل تفادي رمي أكوام الزجاج الضخمة في المكبّات، وكانت الفكرة أنه “بتأمين هذه المادة الأولية مجاناً الى مصانع لبنانية لاعادة تدويرها فإنّها تستفيد  منها وسط الأزمة الإقتصادية الخانقة التي نعاني منها . وبدل أن يشتريها المصنّع الصغير من المورّد لتذويبها وجعلها مراطبين وبرقانا الخ.. نقدمها له مجاناً لاعادة انتاجها الى السوق وبذلك نقوم بتحريك العجلة الإقتصادية وتشغيل الحرفيين، ونكون قمنا بتغيير مسارالزجاج من مكبات النفايات إلى مصانعنا المحلية وبالمجان.  

أما عن كيفية جمع الزجاج لاعادة استخدامه، فإنّ الصعوبة تكمن  في الفرز.

وهنا يقول أبي شاكر:

  يجب التمييز بين المواطنين الذين يملكون الوعي الكافي لفصل الزجاج عن باقي الحطام ليصار الى اعادة تدويره وبين آخرين لا يقومون بذلك، وبالتالي تصبح تكلفة فصله كبيرة جداً مما يحول دون القدرة على الاستفادة منه.  

 

العمل المتقن

فالزجاج المخلوط بالحجارة والتراب لا يمكن استخدامه، ويتطلب مالاً كثيراً، لذلك فإن ما تم استخدامه هو الزجاج الذي انهمر في البيوت. وفّرنا خطاً ساخناً “هوت لاين” لكل من عنده زجاج محطّم، وبعض الأشخاص تبرّعوا ودعموا، وتمكنّا كمرحلةٍ أولى أن نوصل الى المعامل 72 طناً من الزجاج مجاناً،على أن تستفيد هذه المصانع من المنتج من خلال بيعه في مرحلته النهائية. نحن سعيدون جداً لتمكّننا من مساعدة هذه المصانع في طرابلس ، عروس الشمال والتي تُعتبر من أفقر مناطق  لبنان فهي منكوبة اقتصادياً ، وكانوا ممنونين جداً من المبادرة.   

ويضيف المهندس الخبير:

 أحببت أن “أفلش” المبادرة في جمع الزجاج وإبعاده عن المكبّات الى ما هو أبعد . فأنا كنت أعرف مصانع طرابلس من خلال الهاتف فقط، وبعد الكارثة اتصلت لأقف عند كيفية استفادتهم من هذا الزجاج ، كما سألتهم كيف يمكننا أن نساعدهم اكثر، وما كان ردّهم سوى رغبتهم  بتوفير العمل لهم وفتح الأسواق امام منتجاتهم ،الأمر الذي يقع اساساً في صلب عمل الوزارات والخطط الرسمية .

حسبة بسيطة ..

في مبادرة شخصية منه وضع أبي شاكر “أول طلبية” للتشجيع ، ومن جانبها بدأت المصانع  بالانتاج وكرت السبحة . ومن 72 طناً من الزجاج مثلاً أمكن انتاج حوالى 90 الف إبريق، وهكذا بحسبة بسيطة، واذا ما بيع الابريق فرضاً بـ 5 آلاف ليرة لبنانية ، فإنه سيشكل مدخولاً لا بأس به لهذه المصانع ما يولد حركة اقتصادية، وسلسلة انتاج من طرابلس الى بيروت وغيرها من المناطق، ومن مادة كانت وجهتها الطمر، تستفيد الناس .

أباريق.. تروي العطش الاقتصادي أيضاً.

من ناحية أخرى، يؤكد أبي شاكر مرة جديدة أن النظر الى النفايات على أنواعها على أنها مشكلة وليست مورداً نظرة خاطئة، والمفروض أن تكون لها بنية صناعية تحتية . فنحن في لبنان، ومع تفاقم الأزمة، يمكننا الوصول الى صفر نفايات بحسب أبي شاكر، خاصة وأن نفاياتنا “بسيطة” ولا تستلزم سوى خطة واضحة ومصانع للفرز والتسبيخ ، مؤكداً على ضرورة الـ”لامركزية” في مسألة النفايات.

 الا أن ملف النفايات، وقد بدأ بعضها يُغرق بعض شوارع العاصمة للأسف ، ملف حيوي، ينخره الفساد والمحاصصة شأنه شأن أي ملف آخر في لبنان . اما ما يريح المهندس البيئي اليوم فهو طمر فكرة المحارق ، ويشكر الله أن هذه ما عادت واردة مع جفاف الأموال.

وبالعودة الى المبادرة ، يوضح أبي شاكر أنها ممولة من متبرعين أفراداً وأنها مستمرة طالما لا تزال هناك بقايا زجاج مهشم يمكن جمعها أو حتى نفاد المخصصات المالية المتاحة.

بانتظار المزيد ..

 من جهته، وبلسان المصنّعين يقول وسام حمود من مصنع  “يونيغلاس”، وهو أحد المستفيدين من المبادرة، أن المصنع أسسه والده عام 1975، وهم في الأصل يركزون في عملهم على إعادة التدوير من دون استخدام أي مواد خام. ويخبر أنه بعد الانفجار”نعمل على مدى 24 ساعة مع  كميات كبيرة من الزجاج المكسر الذي تقوم المنظمات المتعاونة بإحضاره لنا بهدف إعادة تصنيعه”، مؤكداً أن المصنع “تلقى أكثر من 20 طناً من الزجاج ولا يزال ينتظر المزيد”.

معاد تدويره من الزجاج المتناثر.

وعن كيفيّة العمل ، فإنه يبدأ فور أن تصل شاحنات الزجاج إلى المصنع، ويتم تفريغها على الأرض على يد عمال يرتدون قفازات سميكة ثم يزيلون منها الأوساخ قبل أن ينقلوها في أوعية كبيرة إلى الغرفة المظلمة في الداخل، ليضع أحدهم كميات ضخمة من الزجاج في الفرن فتخرج منه كأنها عجينة من لهب، قبل أن ينفخ فيها أحد العمال عبر أنبوب طويل لتأخذ بعد ذلك شكل وعاء أو إبريق.

من جانبه أنطوني كريم ،أحد المتطوعين وصاحب مبادرة سابقة للانفجار لاعادة استخدام الزجاج تحت عنوان “زجاجة فارغة” فإنّه يقول بدوره إنه لدينا جبال من الركام المتراكم  في بيروت موضحاً بأن العملية ليست سهلة أبداً، وأنّ “عملية إعادة التدوير صعبة، لا سيما وأنها عبارة عن خليط من الزجاج والردم والحديد ممزوج بنفايات عضوية” . وهو يعيد التأكيد على المبادرة التي تهدف إلى إزالة الزجاج من الشوارع والاستفادة منه وتحويله إلى أباريق ومرطبانات وأوان زجاجية أخرى، إضافة إلى تأمين وظائف لأصحاب الشاحنات التي تنقل الزجاج من بيروت إلى المعمل وأفراد يقومون بإعادة التدوير.

 ومن الجدير الاشارة إليه في هذا السياق أنه يتم عرض المصنوعات الزجاجية بعد التدوير على موقع (إلكتروني) اسمه “غريل”

https://ggril.org/ وقد تم إنشاؤه حديثاً للمساعدة على تسويق المنتجات وبيعها ، والطلبات كثيرة.  

فهم لم يتوقعوا مثل هذا الطلب الساحق راجين طول الصبر من طالبي الأواني الزجاجية  “لأننا غارقون في الطلبات” كما يقول الفريق، وبأنه سيتم التعامل مع جميع الطلبات المحلية على أساس “الطلب الأول، التسليم الأول”، شاكرين الدعم لكل شخص لأنه يحدث فرقاً.

إستخدام آمن.. 

استخدام آمن

 وحول السؤال الذي طرحه كثيرون اذا ما كان بالامكان استخدام الزجاج المتناثر في صنع ألواح زجاجية ذلك أن اهل العاصمة المتضررين هم بأمس الحاجة اليها اليوم، يلفت نقيب المهندسين، جاد تابت أن “الزجاج المحطم لا يمكن إعادة تصنيعه كألواح لأنّنا لا نملك مصانع متخصصة، وأقرب مصانع موجودة في الخليج العربي، وستكون هذه العملية مكلفة جداً، لكن يمكن إعادة تدوير الزجاج وتصنيع زجاجيات مثل القوارير أو الأطباق وما شابه”.  

من ناحية أخرى، وإذا ما كانت المهندسة المتخصصة في الهندسة البيئية من “الجامعة الأميركية في بيروت” الدكتورة أماني معلوف، حذّرت من أن : “الزجاج الذي يجري تجميعه يختلط بمواد أخرى خصوصاً أنّ من يجمعونه هم من المتطوعين وليست لديهم خبرة في ذلك، ولأنّ هذا الحطام لم يكن بفعل ظروف طبيعية وقد يحتوي على مواد كيميائية أو مواد سامة وخطرة اختلطت به فإنّه من الخطر استخدامه مرة أخرى، ويجب أن يكون هناك تدقيق في عملية الفرز حتى لنفايات البناء والحطام وتجري إدارتها في نطاق إدارة نفايات الكوارث، إذ قد تحمل معها مواد سامة” يؤكد المهندس أبي شاكر من جهته  في معرض رده على من يطالبه بتأكيد سلامة هذه المنتجات وامكانية استخدامها من دون اي تردد بالقول :

إن الزجاج يذوب عند 1400 درجة مئوية ويعمل عند 1200 درجة ثم يُسمح له بالتخمر والتبريد لمدة 6 ساعات من 1200 درجة مئوية إلى درجة حرارة الغرفة. وبهذا الشكل لا شيء ينجو من درجات الحرارة القاسية … ولهذا يُقال إن الزجاج من أنبل المواد، وبالتالي فإن الزجاج يصبح مادة نظيفة جداً وغير سامة عند نهاية الانتاج، واعادة تدويره آمنة تماماً وصالحة للاستخدام.