16 November,2018

”Pokémon - بوكيمــــــــون“ وحـــــوار الـثـقـافـــــات  

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

راجت في السنوات الخمسين الأخيرة قصة الأكثرية الصامتة في العالم كله. وفي جميع الحقول والميادين الى حد إثارة الشك حول صحة التمثيل الانتخابي، نيابياً وحزبياً ونقابياً، وحول دقة الأخبار ودقة تعبير وسائل الإعلام عن رأي <الرأي العام> الذي هو الأكثرية الصامتة.

وراجت منذ عشرين سنة، قصة التكنولوجيا وتطوّرها الهائل مع نشوء فروع للتواصل بين الناس، أطلق عليها اسم وسائل التواصل الاجتماعي، وكان آخرها منذ بضعة أسابيع ظاهرة <Pokémon – بوكيمون> التي ستواصل اكتساحها عالم المراهقين بصفة خاصة بسبب ما أضافته من مزيج بين وهم العالم الافتراضي والعالم الواقعي.

وإذا كانت هذه المظاهر يعتبرها البعض فتّاكة على المدى البعيد خصوصاً لجيل الأولاد والشباب، والبعض الآخر ضرورية ومفيدة للإنسانية جمعاء ولا يمكن للزمن أن يتوقف وللناس أن تعيش في الماضي، فإن في العالم الواقعي منظمة تعمل من دون ضجيج حيناً وقريبة من الأضواء أحياناً في سبيل <ضمان حرية الانصراف الى الحقيقة الموضوعية، والتبادل الحر للأفكار والمعارف، وتنمية العلاقات ومضاعفتها بين الشعوب تحقيقاً لتفاهم أفضل بينها، ولوقوف كل شعب منها بصورة أدق وأكثر صدقاً على عادات الشعوب الأخرى>، هذه العبارات وردت في الميثاق التأسيسي للمنظمة التي اسمها <اليونيسكو>.

وفي جديد أعمال هذه المنظمة اطلاقها قبل أسبوع ورشة العمل الثانية حول الحوار بين الثقافات والإعلام التي انعقدت في الرياض على مدى يومين، شارك فيها نخبة من الصحافيين والإعلاميين العرب، ولبنان كان حاضراً بقوة في أعمال الورشة.

في الكلمات التي ألقيت، محاولات للسباحة عكس التيار <لأننا نواجه رياحاً عاتية تغزو شعوبنا ومجتمعاتنا وحضارتنا>، وإصرار على إكمال المسافة <لأننا نتمسك بالحوار..>.

صحيح أن الموقف مبدئي، إذ يرى في الحوار قيمة معنوية عالية، ويعتبره أساساً للفكر الديموقراطي البنّاء، ويكرّسه ضمن مقومات العمل الثقافي والإعلامي من أجل الإنسان والحضارة. لكننا في الوقت عينه، وفي هذه اللجة القاسية من العنف والتخلّف والتراجع الحضاري الضارب كل أنحاء الكون، لا نجد غير ثقافة الحوار خشبة خلاص، وسبيلاً لتفكيك أجواء العنف بمختلف وجوهه. فبناء تواصل حقيقي بين مختلف الأفراد وبين المجموعات على أنواعها، والأهم بين أهل الاعلام والهيئات الفاعلة في بلداننا، من شأنه أن يخلق شبكة أمان فكرية واجتماعية لنا ولأجيالنا الآتية.

وإذا كان بث روح هذه الثقافة وتظهير انعكاساتها الايجابية على المجتمع، يقع في جزء كبير منه على عاتق الاعلاميين، من ضمن مواقفهم، كتاباتهم وإطلالاتهم، فيحافظ هؤلاء على مهنية تحترم أصول نقل الوقائع والحقائق والموقف، وتلتزم المعايير الاخلاقية، إلا أن التحدي الكبير يكمن في بناء ترجمة عملية لهذا التوجه، وتأمين استدامته بما يخلق دينامية حوارية بين مختلف مكونات المجتمع.

الواقع أن الاعلام ليس اللاعب الوحيد على ساحة صناعة القرار، وهو رغم قوة تأثيره يبقى الأكثر تأثراً بالتحديات التي تحملها الانقسامات والنزاعات. ومهما اردنا أن نفصل بينها وبين السعي الى مهنية محايدة ومهدئة ومحاورة لإحلال أجواء السلام والحوار والديموقراطية، فإن الضغوطات القائمة تستوجب جهوداً جبارة يبذلها الجسم الاعلامي والاعلاميون الأحرار، للحفاظ على مهنية تحترم أصول نقل الوقائع والحقائق والمواقف، وتلتزم الحد الأدنى من الحفاظ على مقومات السلم الأهلي.

إننا نواجه اليوم كإعلاميين قلقاً مصيرياً على كيفية الممارسة الاعلامية الحالية، إذ لا يكفينا ما تحمله التأثيرات الخارجية من تحديات تطال أصول المهنة، إنما أيضاً على التحول في العمل الاعلامي بحيث يخضع لمستلزمات جذب المشاهدين عن طريق تلفزيون الواقع واعتماد أساليب الإثارة، من دون الاخذ بالاعتبار التأثيرات السلبية عليهم، من خوف وغضب واشمئزاز وتشجيع على ضرب السلم الاهلي، والامثلة المعبرة كثيرة من كاميرا تقف ساعات عند مشادة بين مجموعة من الناس، الى استصراح أي غاضب منهم، وصولاً الى نقل صور مؤذية لخارجين على القانون بسلاحهم أمام الكاميرات وهم يهددون الدولة والمجتمع ويتوعودون، الى صور القتلى والجرحى المكبرة، الى قطع الرؤوس وأكل القلوب… واللائحة تطول.

هل يمكن أن يكون الاعلام رأس حربة التغيير، لا مرآة ما يقوله السياسيون؟ أو نستسلم؟

طبعاً لن نستسلم، فالمخارج كثيرة شرط التكاتف بين الاطراف المعنية  لخلق قوة مؤثرة تغير المنحى القائم.

فعلى الإعلاميين المخضرمين والفاعلين تقع مسؤولية كبرى تقضي بالتزام شخصي منهم بهذا المنحى وتوسيع حلقتهم من خلال علاقاتهم ونشاطاتهم الاعلامية، من ثم ينتقلون الى إقناع الكوادر السياسية وتالياً أصحاب المؤسسات الاعلامية التي يتواصلون معها أو يعملون فيها بضرورة ارساء ممارسات إعلامية سليمة لا تتوسل الإثارة الرخيصة على حساب المضمون البناء والمعايير الموضوعية الحقيقية.

إن ثقافة الحوار والسلام ليست مسؤولية الإعلام وحده، من هنا يجدر بالقطاع الاعلامي العمل على استنهاض هذه الثقافة من خلال تحالفات يقيمها الحريصون من الاعلاميين مع قوى المجتمع المدني وفاعلياته المؤمنة بهذا التوجه، وهي كثيرة في غير قطاع، فيعملون على تظهير المبادرات الناجحة التي تضطلع بها هذه القوى، ومن شأنها أن تصب في تعزيز التوجه نحو السلام والازدهار والتنمية وتشكل نقطة التقاء للمتنازعين كافة، فتقدم بذلك صوراً نمطية مختلفة ومعاكسة للانقسام والحروب وتستقطب من خلالها الأفراد والمجتمع.

ورشة الرياض كانت موفقة وناجحة وحرّة، ولعل الإشارة الأبرز جاءت بمنزلة فعل إرادة وتمثلت بإعلان الأمين العام لمركز الملك عبد العزيز للحوار الأستاذ فيصل بن عبد الرحمن بن معمر قرار الانتقال من تصدير البترول الى تصدير الحوار.

 الدكتور سليم الصايغ كان متألقاً كذلك سائر الزملاء.

وفق الله <اليونيسكو> في مزيد من الورش الحوارية، ووفقنا الله في السباحة عكس التيار…