8 December,2019

853 شاباً فازوا في مباراة الجمارك و”المحاصصة“ تؤخر تعيينهم منذ 5 سنوات!

 

لا شيء يوحي ان معاناة الشبان الذين تقدموا الى مباراة للالتحاق بالمديرية العامة للجمارك سوف تنتهي في القريب العاجل، ما يعني ان على هؤلاء الشبان أن ينتظروا وقتاً غير محدد لدخولهم الى <جنة> الجمارك بعد انتظار يكاد يتجاوز الخمس سنوات.

بدأت قصة هؤلاء <الصابرين> عندما أعلنت ادارة الجمارك عن رغبتها في تطويع دورة جديدة تقدم إليها أكثر من ستة آلاف شاب توافرت فيهم شروط التعيين. إلا ان المباراة التي أجريت قبل خمس سنوات <غربلت> نحو ألفي شاب فازوا في المسابقات بما في ذلك الفحوص الطبية والخطية والرياضة. أول قرار صدر عن مجلس الوزراء كان بالموافقة على تطويع 400 جمركي، لكن عملية التطويع لم تتم والنتائج لم تعلن. ومع بداية عهد الرئيس العماد ميشال عون وبناء على طلب المدير العام للجمارك بدري ضاهر ــ وهو ابن المؤسسة ويعرف حاجاتها ــ أجاز مجلس الوزراء تطويع 400 جمركي اضافي ليصبح العدد الاجمالي ــ بعد الكسور ــ 853 شاباً.

وهنا بدأ الانتظار الثقيل يرهق الشباب، فهم راحوا يأملون شهراً بعد شهر أن تصدر مراسيم تعيينهم، ومنهم من استدان على راتب لم يتأكد يوماً من امكانية الحصول عليه… ومنهم من خطب على أمل الزواج بعد صدور المرسوم، ومنهم من <زهق> من الانتظار وسافر الى خارج لبنان، أو التحق بمؤسسة أمنية اخرى قبلت تطويعه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا! وصار كل يوم يمر من دون صدور نتائج المباراة وكأنه دهر على <المنتظرين> سمكاً في البحر تحمله <جاروفة> التوافق بين أركان الدولة علّهم يظفرون بالوظيفة المنتظرة التي باتت حلماً.

 

<محاصصة> نافذين ومرجعيات

وفجأة وبعد مراجعات لم يسلم منها أي مقر رسمي أو دستوري، لاحت بارقة أمل زفّها وزير المال علي حسن خليل، وزير الوصاية على الجمارك، بأن النتائج سوف تعلن <قريباً> من خلال المديرية العامة للجمارك، من دون أن يفصح عن أي تفاصيل تشفي غليل هؤلاء الشباب الذين تضاءل عددهم وتراجع لكنه ظل مرتفعاً قياساً الى عددهم بالأساس. ومن يوم الى آخر صار الانتظار أصعب مع <تسرب> معلومات عن اخضاع النتائج لـ<محاصصة> الأحزاب والفاعلين والنافذين، فتحرك الكثيرون صوب مرجعياتهم على أمل أن يكونوا من بين المحظيين. وصارت لوائح الأسماء تتنقل من مقر الى آخر، ومن مرجعية الى أخرى، فتُسحب أسماء وتضاف أخرى، وتشطب مجموعات لتحل محلها مجموعات أخرى من دون قاعدة ولا معايير.

وقبل ثلاثة أسابيع بدا ان رحلة الألف ميل لهؤلاء الشباب قد بدأت، وعذاباتهم الى زوال عندما أعلن المدير العام للجمارك بدري ضاهر أسماء <الفائزين> وعددهم 853 نشرت أسماؤهم وعلاماتهم وترتيبهم على الانترنت حتى باتت النتائج في عهدة الجميع… فرح <الفائزون> ومنهم من وزع الحلوى على الأهل والجيران، ومنهم من أعلن خطوبته، وعدد آخر ترك عملاً كان لجأ إليه في انتظار أن يصبح <جمركي>. لكن وفي ليلة ليلاء جاء الخبر الصادم: عُلّقت النتائج ولم يصدر قرار تعيين هؤلاء الشباب عن المجلس الأعلى للجمارك، كما تنص القوانين المرعية الاجراء. وهنا تبددت الفرحة ليحل محلها الغضب والدعوات الى الاعتصام والتظاهر والتعبير عن الألم…

فما الذي حصل؟

مصادر ادارية روت لـ<الأفكار> انه بعد اعلان لوائح بأسماء <الفائزين>، وكانوا مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، نقلت اللوائح الى المجلس الأعلى للجمارك تمهيداً لاعلانها وفقاً للأصول. هنا برز <اللغم> الذي فجّر أحلام هؤلاء الشباب: رواية أولى تقول إن مرجعاً حكومياً كبيراً أراد ادخال أسماء الى لائحة الفائزين غير الأسماء التي وردت في اللوائح المعلنة، فأبلغ من يلزم انه لن يوقع على مرسوم التعيين قبل <تعديل> اللوائح. رواية ثانية تحدثت عن رفض مرجعية أخرى اعتماد <المناصفة> والتقيد بنتائج الامتحانات من دون مراعاة التوازن الطائفي… وهذه الحجة نُسبت الى أوساط المجلس الأعلى للجمارك الذي رفض رئيسه العميد المتقاعد أسعد الطفيلي التوقيع على النتائج التي أحالها إليه وزير المال علي حسن خليل الذي وصلته من المدير العام ضاهر. ودخل كثيرون على الخط للحؤول دون تعليق مفاعيل لوائح الناجحين بعد حديث عن ان المرجعية التي رفضت اعتماد <المناصفة> تذرعت برأي رئيس المجلس الأعلى لتنادي بعدم تطبيق قاعدة 6 و6 مكرر لأن هؤلاء الفائزين ليسوا من الفئة الأولى المنصوص على المناصفة فيها في الدستور، في حين ان لا ذكر للمناصفة بالنسبة الى الفئات الوظيفية الأخرى.

وبين <حانا> الفائزين بالمناصفة، و<مانا> رافضي اعتمادها تم تسييس القضية بسرعة، فقيل ان مرجعية ضغطت على العميد الطفيلي لعدم التوقيع، فيما طلبت مرجعية ثانية من المدير العام ضاهر التمسك بالنتائج التي أعلنها، لاسيما وانه اعتمد قاعدة الفائزين من كل طائفة، أي اعتمد نصف الفائزين من المسيحيين ونصف الفائزين من المسلمين آخذاً في الاعتبار علامات كل من الفئتين.

والى أن تشمل مفاعيل <التسوية> قضية <شباب الجمارك> سيبقى هؤلاء ينتظرون علّ <الترياق> يأتي لانصافهم بعد خمس سنوات… انهم نموذج لدولة الطوائف التي تزداد رسوخاً وتجذراً، بدل أن تكون دولة الكفاءات!