17 December,2018

80 جنسية مختلفة تحارب في ســــوريا.. فأيــن الثـــورة إذاً؟

1 في مهرجان اعياد بيروت للعام المنصرم غنى المطرب الكبير صباح فخري. قال الجمهور يومئذٍ انها حفلة اعتزال من دخل موسوعة <غينيس> العالمية لغنائه لثماني عشرة ساعة متواصلة في احتفال له أقيم في مدينة <كاراكاس> عاصمة فنزويلا، وانه، اي الجمهور، لم يشبع من صاحب <قل للمليحة> وربما كان السبب ابنه أنس . فالمطرب القدير، أراد ان يترك المساحة الاكبر للابن الذي تمرد على فن والده لفترة ومن ثم عاد اليه يغرف منه. وهذا العام كان أنس  على موعد مع محبي الفن الاصيل خلال ايام بيروت الرمضانية. فمن هو أنس ؟ كيف كانت أمسياته في عاصمتنا؟ وهل سيكون الابن خليفة والده؟

في حوار <الافكار> معه اجاب أنس  بشفافية كبيرة لم تغب عنها الاطلالة على حياته الخاصة التي يتكتم عنها اجمالاً، كما تطرق الى الاوضاع في بلده سوريا من وجهة نظره، وتحدث عن مشروعه الفني بانتظار منتج يثق برؤيته. وسألناه بداية:

ــ أين وجدت الفرق ما بين رمضان بيروت ورمضان دمشق؟

– رمضان بيروت أكثر نشاطاً فيما رمضان دمشق أشد روحانية. شخصياً أحب الاثنين وأنا أعمل على مبدأ ساعة لك ساعة لربك. بالنسبة لي فإن مثلث بيروت – دمشق – حلب بالذات مختلف عن كل مدن الع

الم وهو المثلث الافضل لي للعيش والاقامة.

ــ ما أكثر ما افتقدته في رمضان دمشق؟

– افتقدت السحلب والزلابية وبشكل خاص المعروك، وهو نوع من أنواع المعجنات التي تشبه البريوش، واينما تجدون منه لا يمكن ان يكون مصنوعاً كذلك <المعروك> في حلب.

ضيعان حلب …

ــ والدك المطرب الكبير صباح فخري كان نائباً في البرلمان السوري ونقيباً للفنانين السوريين. هل تؤيد انخراط الفنان في الحياة السياسية؟

– الفنان ينخرط كمواطن بالدرجة الاولى فهو لا يمكن ان يكون معزولاً عن محيطه. بالعكس فهو كشخصية عامة يمكن ان يكون له تأثير كبير يضعه في خدمة قضية معينة يؤمن بها، لكن للاسف في أيامنا هذه لم يعد للسياسة وزن، تحولت هذه الى املاءات أو ضغوطات دولية تسيطر على القرارات اذ لا روح ديموقراطية في المناخ الدولي نفسه.

ــ وانت كيف تفسر ما يجري؟

– رأيي لا يقدم ولا يؤخر واذا قلته <ما بتروح الا عليّ>.. حتى الفنان في اوروبا والغرب اليوم لم يعد حراً في رأيه. حاول البعض التحرك لنصرة ما يجري في غزة فقمعوا من قبل السلطات، حتى فرنسا القائمة على مبادئ الثورة الفرنسية في الاخاء والمساواة والعدالة قمعت بعض التظاهرات فيها في محاولة تغييب ممنهج لحالة الديموقراطية الحقيقية.

ويزيد أنس  بروح مرحة:

ــ يسألونني أنت مع مين، فأجيبهم دائماً انا مع التانيين، من دون ان أحدد..

ويضيف:

– بالنسبة للوضع في سوريا، بالمنطق والعقل نقول انه قد يكون للشعوب مطالب محقة، ولكن هل لاحصل على مطالبي اهدم بلدي؟ وصلت المبالغة من جميع الاطراف حداً غيب صوت الناس الخائفة على البلد وبات الرماديون (يقصد المعتدلون)- متل حكايتي- خونة، يتصرف معهم المتطرفون على انهم نكرة وهنا كان الخطأ الاكبر. في الداخل اقفل باب الحوار، والغطاء الدولي <انفخت> وبات الماء ينزل منه.كل الهيئات الدولية تكيل بمكيالين، ونحن بحسب التعبير الشعبي <رحنا بين الرجلين>. فقد اسكت أجيج الحقد صوت الحكمة. حرام حلب وما جرى فيها.. يكفي الالم تجاه الاسواق التي دمرت وفي أجمل المناطق المصنفة من قبل منظمة الاونيسكو ارثاً حضارياً عالمياً في منطقة حلب القديمة بالذات.

وقبل ان يدعنا نكمل اسئلتنا يستطرد أنس:

– هذه المنطقة بقيت منذ القرن الثامن محافظة على نمط العيش فيها في المأكل والزواج والغناء والمعاملات التجارية القديمة في عالم لم يخترقه الانترنت ولا غيره.فأين الثورة في تدمير مثل هذا التراث؟ هو برأيي عمل دولي ممنهج لمسح الهوية. لقد وجدت بالوثائق 80 جنسية مختلفة تحارب في سورية، فمن غير المعقول ان نغالط العقل ونقول انها ثورة ومطالب ديموقراطية.نحن نعيش في دمشق لكن لنا في حلب اقرباء. فاخوالي واولاد اعمامي يعيشون في قلب الحدث. لهم ولوطني غنيت « سوريا امي> التي سجلتها في ستوديو هادي شرارة.. لقد اضطررت ان اخرج من البلد بسبب وضع والدي الصحي، فالوالد اطال الله بعمره هو ملك للأمة وللوطن العربي كله والحفاظ على صحة هذه الايقونة في الطرب واجب.

ــ اقامتكم دائمة في لبنان اليوم؟

– نحن سعداء جداً بوجودنا في بلد يقدر الفن والجمال.

 فرنكوفوني …

ــ على ذكر فرنسا في بداية اجاباتك، سمعتك تتحدث الفرنسية بطلاقة هل عشت فيها؟

– وانا صغير استشار والدي أصحابه هل يضعني واخوتي في مدرسة تعلم اللغة الفرنسية او الانكليزية فنصحه صديقه ممدوح الجابري وهو من اعلام حلب وزوجته ندوة عيسى بالفرنسية فدخلت <ليسيه لاييك> وتعلمت الفرنسية وأكملت حتى وصلت الى الجامعة فقررت دراسة الادب الفرنسي الا انني لم أكمل به. درست في مئة جامعة مختلفة ولم أتخرج من اية واحدة. <اينشتاين> و<اديسون> شأن الكثير من العباقرة طردا من مدارسهما.. لقد تابعت دراسة اللغة الفرنسية عن بعد مع وكالة فرنكوفونية في <مونبلييه>.

ــ تحدثنا مطولاً عن البلد والوالد ماذا عنك شخصياً الآن، هل انت متزوج؟

– متزوج ومطلق.. طلعوا عيوني حتى طلقت..

ــ ومن كانت زوجتك؟

– سورية تعيش في المغرب..على فكرة هذه المرة الاولى التي اتحدث فيها لصحافة مكتوبة عن حياتي الخاصة.

– لا، لا أولاد الحمد لله..ــ وهل لديك اولاد منها؟

ــ وما كانت اسباب الطلاق؟

– لا لن أستطرد كثيراً، الا انني اقول ان الأخلاق لا دخل لها بالجنسيات، هناك أشخاص يتمتعون بها واشخاص لا يعرفونها.

جيولوجيا..

ــ كنت تعمل في مجال الجيولوجيا لماذا تركته وأتيت الى عالم الفن؟

2

 

– كنت في الفن وذهبت الى الجيولوجيا ومنها عدت اليه. لقد شكلت اول طلعتي فرقتين مع ميشال اسمر بعنوان انسانيتي و<بي فلات> وعملت في المشهد الموسيقي السوري الشاب في الـ<هارد روك>، وكنت يائساً من الموسيقى في الوطن العربي بشكل خاص في العام 2007 اذ كانت المافيات الموسيقية في أوجها وامتلأت الساحة بالفنانين والفنانات، الذين شكل لهم لقب فنان غطاءً من قبل شركات الانتاج لامور اخرى، فوجدت نفسي مضطراً لأن اهاود «فلان ومسح جوخ لعلان» وهذا ما لا أجيده … انا فنان ولست شحاذاً. لم اتخصص في الجيولوجيا لكنني حاولت التعمق فيها فعملت كمساعد تقني لكبير الجيولوجيين وقد ساعدني شخص تركي- كندي آمن بموهبتي فيها، فعملت تحت اشرافه وأرادت الشركة ارسالي للدراسة على نفقتها للتخصص الا ان هزّني ما قاله لي صديقي سامي مبيض وهو مؤرخ مهم : انت ابن صباح فخري، هناك مئة الف جيولوجي لكن هناك ابن واحد لصباح فخري في مجال الغناء، وتركت كل شيء وعدت للموسيقى.

ــ عدت بأحلام وطموحات كبيرة لكن الحضور في حفلاتك قليل، خاصة في ليالي شهر رمضان المبارك وانت تغني القدود والموشحات وهي مطلوبة جداً في هذا الشهر الفضيل.

– الطموحات كبيرة نعم لان وسائط الاتصال باتت اسرع. اليوم يمكن نقل <داتا> الاغنية عبر <بلوتوث> وغيرها حتى آخر العالم، فيمكن نقل التراث بشكل أكبر وأسرع وهذا سري ومسؤوليتي.. أما بالنسبة للحفلات والجمهور فأنتم تعرفون الظروف التي مر بها البلد على جميع الصعد.

بيغني ع موالو..

– بخير.. على فكرة هي تهمة ان نقول عن صباح فخري انه مطرب تراثي. هو مطرب حافظ على التراث واختار منه، وجدده، وجعله معاصراً وسهل السمع على الجيل الجديد. لم يصلنا من التراث الا ما غناه صباح فخري. لماذا؟ لانه اختار منه الصالح واهمل الطالح وحدثه بطريقة لائقة لذائقة المستمع المعاصر وانا بدوري سأضيف الى ما اضافه صباح فخري الى التراث من <خمرة الحب> و<قل للمليحة بالخمار الأسود> و<اللؤلؤ المنضود> وغيرها.ــ كيف هي صحة مدرسة التراث صباح فخري؟

ــ هل الاستاذ قادر على الغناء بعد؟

– قادر على الغناء اذا <طالع عبالو>.. ما فارقة معو.. هو يعرف قيمته. لقد اطلق عليه لقب الاسطورة الحية، والاسطورة اقوى من الحالة البشرية العادية.

ــ كمرافق دائم له، ما هي الاسرار التي تعرفها عن والدك دون سواك؟

– هناك اسرار، وأحتفظ بها لنفسي، وكابن له افتخر بأن عندي سراً اعرفه عن والدي لا يعرفه احد سواي.

ــ ما نوعه؟

– روحاني.. سر روحاني.

ــ هل تحاول ان تكون خليفته في الغناء؟

– ليس همي ان اكون خليفته لأن صباح فخري فريد من نوعه وانا ان اردت ذلك اكون كمن يدخل في متاهة لن يخرج منها. هدفي نشر الرسالة الفنية التي احملها باعتراف اساتذة اختصاصيين وجمهور عريض، لذلك ترونني قابع خارج لعبة التصنيفات.

 ديوك ودجاجات..

ــ هل يضحى اسم الوالد المشهور عبئاً على اولاده خاصة في المجال عينه فتظلمه المقارنة احياناً؟

– يصير عبئاً ويبقى حتى اثبات النفس. عندي أمل ان أقدم شيئاً في الموسيقى بشكل مستقل عن اسم الوالد وأمتلك الموهبة الكافية لذلك. انا لم آتِ من عدم، فقد حفظت اغاني صباح فخري وأنا في الخامسة من عمري ودخلت الى الكونسرفاتوار ودرست الغناء و<الدرامز> والايقاع كما تعلمت العزف على البيانو والعود وقمت برحلة كبيرة بين <الروك> و<الميتل> و<البلوز> و<الجاز> و<الاوبرا> وغيرها، وكنت أستعمل اسم عائلتي الاصلي (أنس  أبو قوس) لانني واثق من موهبتي ولا أريد ان ينسب النجاح لشهرة والدي وباتت لدي اغاني الخاصة.

ــ انتم شباب اربعة لصباح فخري، هل الثلاثة الباقون بعيدون عن مجال الغناء؟

– نعم هم يعملون في مجالات الطعام والنسيج.

ــ ماذا عن مشروعك مع هاني الشيخ؟

– يندرج تحت اسم <عيار واحد> واعتبره من المشاريع العديدة المعول عليها. هو مشروع قصائد ساقدمها بطريقة (progressive metal) تتضمن قصائد لابي العتاهية وعنترة والمعري والشافعي والبحتري ونحن الآن في صدد بحث عن التمويل. هي نظرية طرحتها ونجحت معي في اغنية <صداق> التي احبها الناس وأسست لنمط جديد، أثر بكثير من الفرق السورية التي اخترعت نمط طرب الـ<ميتال> هذا. ونتمنى على جهة ثقافية تؤمن بالفن الحقيقي ان تضع يدها بيدنا. المقومات الانتاجية اختلفت، كانت مقومات الصوت اولوية .عندي مشروع اتمنى تحقيقه وهو كليب لاغنية <لعيونها الكبار> اتمنى ان تسحر هذه الاغنية لب منتج ما لـ<كم مئة الف دولار>.

ــ الى من تستمع من الفنانين على الساحة اليوم؟

– طبعاً الموسيقار ملحم بركات. انه صوت مميز وهو فنان اصيل وكنت احب وائل كفوري.

ــ كنت تحبه؟

– نعم ولم أعد كذلك لانه دخل في حالة استعراض.

ــ ورويدا عطية ابنة بلدك؟

3

 

– رويدا صوتها جميل الا ان انتاجها لا يعجبني. غنينا على شكل ديو <خمرة الحب> في برنامج <بعدنا مع رابعة> عبر تلفزيون <الجديد>. انا اميل لاجواء أميمة الخليل وزياد الرحباني ومرسيل خليفة وشربل روحانا..

ــ ونانسي وأليسا ألا تسمعهما؟

– اسمعهما طبعاً وأحرص على ذلك لسبب اول هو الانتاج. فنوعية الانتاج التي تعملان بها مبهرة، اذ يتم لهما اختيار أفضل مهندس صوت وأفضل تقنيين الخ.. فالصبايا في التسجيل غناؤهن جيد، لكن هل صوتهن على الطبيعة يعجبني؟ هنا السؤال..

ــ  وعلي وحسين الديك الذي طبقا الافاق بشهرتهما؟

 – لكل زمان ديوك ورجال..مع هؤلاء الشباب الطيبين وهم أصحابي يصح القول <الله اذا اعطى أدهش> … ربنا سبحانه تعالى، لحكمة معينة أعطاهم، هم جماعة دراويش سطع نجمهم وأنا أحب هذا النمط، لكن ان يتحول <حمى> فأقول روقوا يا شباب.. فنياً، لا يستحق نمطهم هذه الهمروجة التي كبرت أكثر من اللازم والتي تندرج خارج نطاق المنطق. زمن الرئيس عبد الناصر واكبه ام كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ومن يواكبون أيامنا اليوم ديوك ودجاجات.