21 November,2018

80 ألف نسمة في ظل الاغتيالات والتصفيات في عاصمة الشتات الفلسطيني!

هل يتحوّل مخيم عين الحلوة الى نهر بارد آخر؟

الواء-عباس-ابراهيم

لا يكاد يمر يوم الا ويُسمع فيه عن عملية اغتيال او تفجير داخل مخيم عين الحلوة، الامر الذي يضع هذه البقعة الجفرافية والتي تبدو وكأنها خارجة على قانون الدولة تحت مجهر العين الامنية اللبنانية والدولية لما يحتوي هذا المُخيّم من عناصر وجماعات متطرفة شاغلها الاوحد تصفيّة الخصوم قبل الاعداء.

يشهد مخيم عين الحلوة هذه الايام حلقة جديدة من مسلسل الاغتيالات، ولكن بوتيرة غير مسبوقة. وذلك بعد التوقيع على الوثيقة الفلسطينية التي تنص على عدم الاحتكام إلى السلاح واطلاق النار ووقف الاغتيالات. وبحسب معلومات مؤكدة منذ التوقيع على بنود تلك الوثيقة ازدادت عمليات الاغتيالات والتفجيرات وإطلاق النار، ما يشير إلى أن المسلسل بات مرتبطاً بأجندات خارجية مريبة. فكل ما يحصل يستهدف المخيم كقضية للاجئين الفلسطينين، وبالتالي للضغط لتحويل عين الحلوة إلى بؤرة أمنية إرهابية، تمهيداً لشطب وإنهاء قضية حق العودة. وهنا يسأل الاهالي ما معنى توقيع تلك الوثيقة؟ وأين صرفت؟ وإلى من كانت موجهة بالأصل؟ واين أصبحت اليوم مع كل التعهدات الموقعة من قبل بين جميع الفصائل؟

يقع المخيم ضمن مدينة صيدا الساحلية، والتي تعتبر عاصمة الجنوب اللبناني. تبلغ مساحته حوالى كيلومتر مربع واحد وهو أكبر مخيم في لبنان يضم 8 مدارس، وعيادتان لـ<الاونروا>، بالإضافة إلى مستشفيين صغيرين للعمليات البسيطة. ويبلغ أقل مجموع لعدد سكان المخيم اليوم حوالى 55 ألف نسمة حسب تقديرات مراكز إحصائية.

الفصائل العسكرية داخل المخيم

يعتبر مخيم عين الحلوة تجمعاً للجماعات والتنظيمات الفلسطينية الاصولية منها والقوى السياسية الوطنية والاسلامية، وهو يؤدي دوراً قيادياً مباشراً في مخيمات الجنوب خوّله ان يكون مركز القرار، ويطلق عليه لقب <عاصمة الشتات الفلسطيني>، بحيث ان مصير هذا الشتات يتقرر داخل هذا المخيم الذي بات في الآونة الاخيرة ساحة صراعات ومساحة لحروب الآخرين، وتوجد فيه كل القوى الفلسطينية على الساحة اللبنانية، وقد ادى هذا التنوع الى تكريس معادلة الامن بالتراضي، اذ يتولى الكفاح المسلح الفلسطيني مسؤولية حفظ الامن والحواجز العسكرية عند المداخل الرئيسية الاربعة، وثمة توازن رعب فيه بين الفصائل والقوى على اختلافها. ومن أبرز الاحزاب الموجودة في داخله، حركة <فتح>، حركة <حماس>، <الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين>، بالإضافة الى عدد من الحركات الاسلامية أبرزها <عصبة الأنصار>، <جند الشام>، <أنصار الله> و<عصبة النور>.

تأييد شبه مطلق للجيش

مدخل-المخيم

بداية اللقاءات في عين الحلوة، كانت مع الضابط في حركة <فتح> أبو علي رباح الذي التقيناه عند مدخل المخيم فأكد خلال حديثه أن المقصود من وراء الترويجات التي تتحدث عن ان المخيم أصبح بؤرة للارهاب الإيهام ان هذه البقعة اصبحت خارجة عن القانون، وبالتالي يجب معاقبتها ومعاملة الناس فيها على انهم ارهابيون ين والتعامل معهم على غرار نهر البارد. ونحن لا ننكر التجاوزات التي تحصل هنا بين الحين والآخر، ولا ننفي ايضاً وجود حركات إسلامية تتلاقى في فكرها وعقيدتها مع <القاعدة> وغير <القاعدة>، ولكن كل ذلك لا يُعطي لأي جهة الحق باتهام المخيم بأنه مُجمّع تنشط فيه الحركات المعادية للدولة اللبنانية وخصوصاً مؤسسة الجيش اللبناني الذي نشدّ على يده وندعمه ونقف خلفه في معركته ضد الإرهاب من أي جهة أتى>.

عمليات الاغتيال التي تحصل بين الحين والاخر في المخيم مصحوبة بتفجيرات متنقلة بين حي وآخر يُضاف اليها ضبط أسلحة ومُهربين على يد الجيش اللبناني والقوى الامنية اللبنانية، جميعها تُثير الريبة في نفوس سكان المخيّم الذين يخشون ان يتحوّل الى نهر بارد ثانٍ، عندئذٍ لن يجدوا بقعة في الدنيا يمكن ان تستقبلهم وسيمضون بقيّة حياتهم مشتتين في ارض <الشتات>.

تتجول داخل المخيم. تبحث في وجوه الناس عن امل في غدٍ قد لا تُشرق صباحه. لكن رغم قساوة الظروف والاوضاع المعيشية هناك أناس أحياء لا يزالو يحلمون بمستقبل واعد يضمن لاولادهم حياة أفضل من تلك التي يعيشونها هنا. لا أمن ولا أمان وحده الله المُعين. وإن سألت عن اسباب حالات التردي الحاصلة داخل المخيم، فسيخرج من يقول لك ان الحرمان والفقر يولّدان اكثر من ما تراه عينيك. الاغتيالات هنا اصبحت من الامور شبه العادية وأصوات التفجيرات باتت هي الاخرى تختلط على مسمع الاهالي فيظن بعضهم انها مفرقعات>. وعلى رأي ابو محمود الذي قال <احياناً ما بنعود نميّز بين الاصوات لأن بيختلط علينا الطخ من الطُقّيق> اي الرصاص من المفرقعات.

ليس من السهل على الاطلاق ان تلتقي أياً من القيادات الفلسطينية في مخيم عين الحلوة، فالجميع مُنشغل هذه الفترة بالانقسامات السياسية الحاصلة هنا والتي تنعكس في مجملها على الاوضاع الامنية. والبداية مع الناطق الرسمي باسم <عصبة الانصار> الشيخ ابو شريف عقل الذي اكد اننا في <العصبة> لمسنا بما لا يدع مجالاً للشك ان هناك اطرافاً من داخل المخيم وخارجه مأجورة ورخيصة كانت تسعى لتأجيج الوضع وهذا ما يجعل حل الاشكالات التي تقع احياناً يأخذ وقتاً اكثر من اللازم، ولكننا بفضل الله نستطيع مع شركائنا في القوى الاسلامية والشباب المسلم والفصائل الفلسطينية ولجنة المتابعة ان نرد الكيد من حيث اتى. وعن نزول <عصبة الانصار> الى الشارع ليلاً للفصل بين المشتبكين، قال الشيخ عقل ان هذا واجب المسلم الغيور على أهله أولاً واننا تمكنا من سحب كافة المظاهر المسلحة ونستطيع ان نقول ان الوضع في المخيم اليوم طبيعي جداً وهذا اقل الواجب تجاه اهلنا وقضيتنا>، موجهاً شكره للأهالي  الغيورين على مصلحة المخيم الذين يمنعون الاقتتال الداخلي والعبث بأمن الناس وكان لهم دور اساسي على الدوام في انهاء كل الاشكالات>.

خطّاب: نوايا مشبوهة وراء الترويجات

أمير الحركة الاسلامية المجاهدة امين سر القوى الاسلامية الشيخ جمال خطّاب رأى أن هناك جهات داخل لبنان، تعمل على تصوير المخيّم وكأنه بقعة خارج حدود العالم، وهناك حروب دائمة تُخاض ضد الإسلام والمسلمين في كل اصقاع الارض وليس فقط في لبنان. أمّا ما يُحكى عن وجود تنظيمات ارهابية عندنا، فهو كلام محض افتراء ولا أساس له من الصحة، ولهؤلاء نقول، قدّموا أدلّتكم إن كُنتم صادقين. ويكتفي الشيخ خطّاب بالقول، لن نرد على هذه التفاهات التي تصدر عن ألسنة معروفة الجهة والإنتماء، وأقول لهؤلاء أيضاً، كفّوا عن اللعب بالسلم الاهلي وعن اللهو بكرامات الناس، الأسير ليس عندنا ومن لديه حديث آخر، فليقدّمه إلى الدولة اللبنانية من اجل ملاحقته، ومن يظن ان معركتنا مع الجيش اللبناني هو مُخطئ فنحن عدونا واحد وهو العدو الصهيوني وكل من يعمل معه.

وحول الاشتباكات التي وقعت منذ ايام قليلة بين عناصر من حركة <فتح> والمدعو بلال بدر، في المخيم والتي أدت إلى جرح 8 أشخاص على الأقل، وإقفال المحال التجارية والأسواق، اكد خطّاب ان ما <جرى هو اقتتال عبثي ليس فيه منتصر، ويضر بمصالح شعبنا الفلسطيني وبقضيته العادلة، والواجب يدعو الجميع للتحرك بشكل سريع لمنع مثل هذه الحوادث المؤسفة، التي تضر بمصالح العباد، وتؤثر على حياتهم المعيشية. ولا بد من تفعيل دور القوة الأمنية، وأن يكون دورها فاعلاً بشكل جدي وحازم، لمنع تكرار هذا الأمر الذي لا يخدم سوى العدو الصهيوني>.

المقدح

انطلاقاً من استعداداتها لفرض الامن داخل مخيمات لبنان كي لا تنجرف الامور نحو ما هو اخطر، بدأت حركة <فتح> مؤخراً بإجراء بعض التدريبات لعدد من عناصرها في لبنان بهدف مواجهة التحديات كافة. وهنا يوضح مسؤول الامن الوطني الفلسطيني في لبنان اللواء صبحي أبو عرب أنّ <المدرّبين الذين سيؤمنون لعناصر حركة <فتح> تدريباتٍ عسكريةٍ في مخيم <الرشيدية> جاؤوا من رام الله وبينهم ضباط في الامن الوطني الفلسطيني من خرّيجي الجامعات والكليات العسكرية في روسيا وألمانيا وباكستان>، مشيراً الى أنّ <العناصر التي ستتدرَّب هي من مخيمات صيدا وبيروت والبقاع، لكنّ الحصة الاكبر من عين الحلوة>. وأكّد أنّ <هذه الدورة العسكرية تأتي ضمن دورات عدّة ستنظمها <فتح> لكوادرها والهدف منها تأهيل عناصرها وضباط الامن الوطني الفلسطيني العاملين فيها بعد الانقطاع الكبير عن هذه الدورات التي كان يخضع لها كل عنصر ينتظم في صفوف <فتح>.

ولفتَ أبو عرب إلى أنَّ <جيلاً بكامله في <فتح> يحتاج الى مثل هذه الدورات خصوصاً وأنّ <فتح> تواجه تحدياتٍ في ضبط الامن في المخيمات وهي الجهة المعنيّة بشكل كبير الى جانب الفصائل والتنظيمات الاخرى في توفير الامن، من هنا نحن جادون بنشر القوة الامنية في عين الحلوة قريباً بالتنسيق مع القوى الاسلامية والوطنية في المخيم>.

بدوره يتخذ الجيش اللبناني اجراءات امنية مشددة حول جميع مداخل مخيم عين الحلوة وذلك بعد احباطه محاولات عديدة لتهريب ذخيرة اسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة من والى المخيم. وتؤكد مصادر امنية لـ<الأفكار> انه بعد نجاح مخابرات الجيش في توقيف الفلسطيني نعيم عباس في الطريق الجديدة، تفتحت أعين القوى الامنية اكثر على العناصر المطلوبة داخل مخيم عين الحلوة والتي تنشط في فلك <كتائب عبدالله عزام> وتنظيم <القاعدة>. ووصل الامر بهؤلاء الى التخفي قدر الامكان داخل منازلهم في المخيم ولم يترددوا حتى الى المساجد لتأدية الصلاة على غرار ما كانوا يفعلونه حتى الاسابيع الاخيرة. ويضيف المصدر ان مراجع امنية عليا في الدولة كانت ابلغت الفصائل الفلسطينية في المخيم ان <بيانات الاستنكار التي يصدرونها عقب حصول كل تفجير او عملية انتحارية لم تعد تجدي نفعاً، وان المطلوب هو التعاون مع اجهزة الامن اللبنانية حفاظاً على عين <الحلوة> قبل سيطرة الجماعات المتطرفة على المخيم وإقدامها على تهجير من لا يلتقي معها>.

ماذا قال اللواء ابراهيم للوفد الفلسطيني؟

العميد-محمود-عيسى-المعروف-باللينو

وأمام تواصل الأحداث الأمنية المتلاحقة في المخيم بات موضوع تشكيل القوة الأمنية المنتظرة وممارسة دورها أكثر من حاجة ملحة، بل انه بات الخيار الوحيد أمام القوى والفصائل الفلسطينية لتجنيب أهالي المخيم تداعيات أمنية كبيرة تنعكس على صيدا ومنطقتها. والخطورة هذه كانت استدعت لقاء جمع منذ فترة وجيزة المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم مع وفد من القيادة السياسية العليا للقوى والفصائل الفلسطينية الوطنية والاسلامية، في المديرية وبحسب المعلومات فقد سأل اللواء ابراهيم الوفد عن سبب التأخير في ترجمة المبادرة الفلسطينية وتشكيل القوة الأمنية في عين الحلوة، مشدداً على أهمية الإسراع بتشكيل القوة الأمنية على الأرض لوقف نزيف الدم المتواصل فيه معتبراً ان التأخير في هذه الخطوة لا يخدم المخيم ولا قضيته>.

اللينو: المجموعات الاسلامية المتطرفة مسؤولة عن الارتكابات

من جهته لفت القيادي في حركة <فتح> العميد محمود عيسى الملقب بـ<اللينو> والمعروف بعدائه للحركات الاسلامية الاصولية في المخيمات الى أنه <رغم كل التآمر ورغم انسحاب الحركة من مسؤولياتها سنبقى كأولاد المخيم وابناء <فتح> الفكرة والمبدأ وليس <فتح> <عزام الاحمد المزرعة>، وسندافع عنها في وجههم وفي وجه هذا الفكر الدخيل على مجتمعنا>، معتبراً ان مجموعة <بدر> ليست وحدها مسؤولة عن الاعمال التخريبية التي تحصل داخل المخيم بل كل المجموعات المدعومة من اسامة الشهابي وهيثم الشعبي ومحمد الشعبي و<فتح الاسلام> والعناصر المتطرفة الموجودة في مخيم <الطوارىء> وجميعهم لديهم مشروع للسيطرة على المخيم. وان الاغتيالات التي حصلت هدفها ترهيب وتخويف الناس لا سيما ان هذه الاغتيالات استهدفت كوادر من الحركة ولم يفتح احد فمه ويرفع الصوت عالياً.

وذكّر <اللينو> انه <استلم امن المخيم لمدة 3 سنوات ولم يسمح بإطلاق النار بالهواء لا من <فتح> ولا من غيرها، لأن الامن لا يأتي بالتراضي، واللبنانيون يعلمون هذا جيداً، وعندما رفعت الصوت لامني البعض واليوم باتوا يؤكدون على ما قلته في السابق>، محذراً من ان تخلي <فتح> عن مسؤولياتها سيؤدي الى دمار المخيم كما حصل في مخيم نهر <البارد>.

ابو-شريف-عقل-عصبة-الانصار

المقدح: التنسيق بين الفصائل والجيش منع تدهور الأوضاع

يتناغم قائد كتائب <شهداء الأقصى> اللواء منير المقدح مع رفيقه في الحركة <اللينو> ولذلك يرى أنّ الاشكالات الأمنية المتكررة في مخيم عين الحلوة، سببها تراجع دور حركة <فتح> في المخيمات الفلسطينية بنسبة فاقت الـ80 في المئة ولذلك يدعو الى اعادة ترتيب وضع <فتح> كمرجعية داخل عين الحلوة، وتمتين القوة الأمنية داخل المخيم لمنع بروز مجموعات متطرفة تزعزع أمنه. ويؤكد ان <التنسيق الدائم بين الفصائل الفلسطينية والجيش اللبناني جنَّب إلى حدٍّ كبير تدهور الأوضاع الأمنية وأخذ المخيم الى الهاوية>، واعداً <بأن تُعالج الاوضاع الامنية في المخيم بالتعاون بين جميع الفصائل والقوى الاسلامية الفلسطينية لضبط الامور الامنية وأن الجهات المشاغبة لا تشكل أي خطر على الامن في لبنان>، <منوهاً بالمبادرة الفلسطينية التي تقدمت بها مؤخراً الفصائل والقوى الاسلامية الى الدولة اللبنانية لحفظ الأمن والاستقرار في المخيمات الفلسطينية وتحييدها عن كل الصراعات الأقليمية>.